ثورة المؤسسات..الأبعاد والدلالات
بقلم/ د . عبد الوهاب الروحاني
نشر منذ: 8 سنوات و 11 شهراً و يوم واحد
الإثنين 02 يناير-كانون الثاني 2012 07:48 ص

كم كنت أتمنى من الأخوة القيادات التاريخية السياسية والإدارية والعسكرية القديمة جداً والقريبة جداً من الأخ الرئيس، والمحسوبة على قيادة المؤتمر الشعبي العام، أن تدرك من وقت مبكر، بأن عجلة الزمن لا ترجع الى الوراء، وأن حركة التاريخ في مسيرة دائبة الى الأمام، ولا تتراجع مطلقا، وإن تجمعمت في ضواحيهم حراسات ومدافع الدنيا والآخرة، فذلك لن يوقف حركة التغيير، ولن يغير من الأمر شيئاً.

وبناء عليه، كان على هؤلاء و بمجرد توقيع الرئيس على مبادرة نقل السلطة، وتسليم صلاحيات رئاسة الدولة الى نائبه، أن يفهموا أن زمنهم قد ولىَّ، وأن عليهم، لا نقول: أن "يرحلوا"، لفعل وتأثير وحساسية المعنى عندهم، وإنما نقول: أن "يحلقوا"، لأن الرئيس قد بشر بالحلاقة من وقت مبكر، وحلق قبلهم فعلاً، ولم يعد هناك أية فرصة للأخذ والرد أو" المراجلة"، كما لم يبق أي مجال للمناورة لأي شخص مهما كانت قوته أو سطوته، خاصة وأن قوة التغيير لا تكمن في دبابة أو مدفع، وإنما هي تكمن في إرادات الناس، التي أجمعت وبدون إستثناء على التغيير.

وفي ظني أن الأخ العميد الركن علي حسن الشاطر، الذي واجه يوم 26 الجاري 2011م، إحتجاجات وإضرابات غاضبة، كان يجب أن يكون أول المعنيين بفهم وإستيعاب هذه الحقيقة، خاصة وهو من الأقدمين جداً والمقربين الخصوصيين جداً للرئيس، ويعرف الكثير عما يدور برأسه، وكيف يقرأ الأحداث من حوله، إذ كان عليه بمجرد إعداد وصياغة خبرنقل السلطة، أن "يعطِّفْ"، ويتكل على الله ، خاصة وأنه قد تربع على كرسي أكبر مؤسسة إعلامية في البلاد، لأكثر من 37 عاماً، دون منازع، وطوع في ظلها كل مؤسسات الإعلام الرسمي، ووجهها بإتجاه الحديث عن "تعاظم المنجزات" - بحسب تعبير الزميل عبدالله الصعفاني- فما الذي تبقى إذن؟؟ ألم يكن من الحكمة والعقل أن يغادر العميد الشاطر وغيره من القادة والإداريين مواقعهم من وقت مبكر، ويسلموا الرايه لنوابهم إقتداء بالرئيس، الذي عاشوا في ظله، يقتفون أثره وينفذون توجيهاته ؟؟؟

أنا ليست لي عداواة شخصية مع من اسقطهم المتظاهرون والغاضبون في مؤسساتهم، أو من هم في الطريق، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، إعلاميين أو إداريين، ولست ممن يهوون التشفي بأحد، فذلك ليس من شيم الكرام، ولا من الأخلاق التي تعلمتها، وهو ما أمقته، وأرفضه، في أخلاق البعض، لكن ذلك لا يمنعني كإعلامي من الإشارة في هذه العجالة، الى ثورة الغضب التي تعم المؤسسات، ومنها المؤسسات الإعلامية ودائرة التوجيه السياسي والمعنوي بصورة خاصة، لما أعرفه عن أداء هذه الدائرة، وأداء ودور العميد الشاطر فيها، وفي إدارة العمل الاعلامي اليمني الداخلي والخارجي، الرسمي والأهلي، وأحياناً الحزبي أيضاً.

وبرأيي ، إذا كان العميد الشاطر قد غادر فعلا إدارة التوجيه السياسي والمعنوي، فقد استطاعت الثورة الشبابية بذلك أن تسقط في يدها أكبرمؤسسة إعلامية تسيطر على العمل الإعلامي والثقافي في البلاد، منذ اكثر من سبعة وثلاثين عاماً، أي منذ تولى الرئيس إبراهيم الحمدي السلطة عام 1974م، لكن بشرط أن لا يكون البديل، من عبدة الأصنام، وأن يكون من المتشبعين بقيم التغيير، ومفاهيم حرية العمل الإعلامي.

ولعل سقوط بعض هذه القيادات الإدارية المدنية والعسكرية من مواقعها، أمام الإنتفاضات السلمية الغاضبة، بهذه البساطة، وبهذه السهولة، يمثل نتيجة طبيعية، للممارسات الخاطئة، مع الهيئات والإجهزة التي قادوها لسنين طويلة، والتعامل معها ليس بإعتبارها مؤسسات دولة، وإنما بإعتبارها شركات خاصة، يملكها الأباء، ويبيع ويشتري فيها الأبناء كما يشاؤون، على أمل أن تورث اليهم لاحقا بعد عمر طويل....!!.

 فقد استمر بعض هؤلاء في مناصبهم حتى احدودبت ظهورهم، وتكلست وتآكلت الكراسي من تحت أقدامهم ، مع إن الإستمرار في الموقع الإداري - أيا كان- لأكثر من اربع سنوات، وفقا لعلماء الإدارة، يولد الترهل، ويورث الخور والكسل، ويثير الجشع، ويدفع للتسلط والإستبداد، أما أكثر من ثلاثة عقود، أو عقدين أو حتى عقد من الزمن وعلى كرسي واحد ، فذلك بالتأكيد كفيل بتحويل هذا القائد أو المسئول الى طاغية وجبار نهاب، من طراز نادر وفريد، خاصة إذا ما كانت سياسة البلد قائمة على تسمين القطط الصغار، لتصبح كبيرة ومفترسة، كما هو حال السياسة في بلادنا.

 فــــ"ثورة المؤسسات"، هي التعبير العملي، والتجسيد الصادق لثورة وغضب الساحات، لأنها تنطلق من حيث يجب أن يكون الإنطلاق، وهي ترفع شعار التغيير وتحدثه في نفس الوقت في عقر دار الفساد، و هي تقف بثبات في وجوه الأصنام الصغيرة، التي طغت وتجبرت، وعبثت، وتقف في نفس المكان الذي تعرضت فيه للحبس والإهانة، حيث لاخوف اليوم من"حبس المدير"، ولا "رعيد" ابن عمه، وقطع المعاش...!!!.

ومواجهة الفسدة والعابثين من القيادات الإدارية المدنية والعسكرية والأمنية، من المواقع والأوكار التي استأسدوا بها، وتجاوزوا فيها الأنظمة والقوانين، وعبثوا بحريات وحقوق الآخرين، أمر يحمل معاني ودلالات وطنية وإنسانية، وثورية لا نهاية لها، لعل من أهمها:

• أن الشباب الثائر في كل مكان، يعلن للجميع، وبدون إستثناء، إن ثورته لن تتوقف عند تشكيل حكومة وفاق أو "خلاف" وطني، ولا تنتهي بتقاسم حقائب ولا "زنابيل" وزارية، وإنما هي ثورة تتجدد بتجدد المعاناة، وتكبر برفض الظالم الإنصياع لمطالب المظلوم.

• إن الشباب وكما قلنا في مناسبة سابقة ، يفكرون بطريقتهم، ووفقا لتطلعاتهم وأهدافهم، أي بطريقة تختلف جذريا عن تفكير القيادات التاريخية.

• ثورة الشباب ترسل بانتفاضاتها في المؤسسات والدوائر الحكومية رسائل صريحة وواضحة لحكومة الوفاق الوطني، ولبقايا النظام، وتقول بصريح العبارة " طالما أنكم مستمرون في قتلنا،فلن تفلتوا من عدالة السماء، أما أنتم يا حكومة الوفاق، فحكومتكم لم تتمكن حتى من حماية مسيرة سلمية حضارية، وبيدها وتحت إدارتها وزارتي الدفاع الداخلية، فأنتم غير جديرين بتمثيلنا، وانتم لا تمثلون إلا أنفسكم، فلكم دينكم ولي دين".

• إن الثورة الفعلية يجب أن نتطلق من هذه المؤسسات، فهي المعنية مباشرة بالثورة والتغييير، وهي المحك العملي لأي نشاط ثوري قادم.

• تعتبر الرموز والقيادات الإدارية في هذه الأجهزة والدوائر الرسمية، هي الأدوات التي تسببت في الإنهيار القانوني والأخلاقي لمؤسسات الدولة، والثورة عليهم وإستبدالهم بعناصر وطنية شريفة، نظيفة اليد واللسان، يضع الحجر الأولى في مبنى التغيير، ويعيد الإعتبار ليس فقط للوظيفة العامة، وإنما للقوانين والأنظمة، التي انتهكت، وطوعت لتكريس الفوضى، وإنتشار قيم الفساد والمحوسوبيات، وشيوع مظاهر التوريث.

• بانطلاق ثورة المؤسسات، لم يعد الفساد - كما يردد البعض- كلمة فضفاضة غير ذي معنى، تلوكها وترددها الألسن في المقايل الخاصة والعامة، ولم يعد فساد السلطة لمجرد شعار يرفع في الساحات، وعناوين عريضة في أدبيات المعارضة، كما لم يعد الفاسد هو ذلك "الوهم" أو المجهول الذي لا يعرفه أحد (!!!)، وإنما أصبح في مؤسسته يواجه بالحقائق والأرقام، ليس من صحف صفراء، أو أبواق مأجورة وحاقدة، وإمامية.... الى آخر هذه المعزوفة الرسمية وإنما من أناس"موظفين" مختصين، عايشوا وتعايشوا مكرهين مع هذا الفساد ومع رموزه .

وإذن فأقل ما يمكن أن توصف به هذه التظاهرات الغاضبة، والإضرابات والإعتصامات المتصاعدة، بأنها هي "الثورة الحقيقية"،التي يجب أن تتواصل وتستمر، حتى تتغلب إرادة الشعب على إرادة الطغاة، وتعلو رأية الوطن على رأية الأفراد، وتنتصر ثورة الشعب على ثورة العائلة.