أمريكا تعتبر أحمد علي يدها الطولى في اليمن
بقلم/ عارف علي العمري
نشر منذ: 10 سنوات و أسبوعين و يومين
السبت 09 يوليو-تموز 2011 02:02 ص

تثير تحركات السفير الأمريكي في صنعاء جيرالد فيرستاين شكوك الكثير من الدبلوماسيين الغربيين المقيمين في صنعاء, كما تثير تحركاته الريبة والشك لدى شباب الثورة الذين أصبح بعضهم يطلق عليه لقب "بريمر اليمن", وبريمر هو الحاكم الأمريكي المدني في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين ودخول الاحتلال الأمريكي الأراضي العراقية, فالسفير الأمريكي أجرى تحركات ومشاورات مع عدداً من الأطراف في الجيش والمعارضة وقيادة الحرس الجمهوري, قيل أنها تهدف إلى نقل السلطة سلمياً في اليمن, وهذا مالم يتم بالفعل.

حيث تشير بعض المعلومات أن السفير الأمريكي يبحث مع جميع الأطياف السياسية الحاكمة والمعارضة المدنية منها والعسكرية كيفية محاربة القاعدة التي ظهرت في محافظة أبين, بالإضافة إلى معرفة موقف كل طرف من السماح للطيران الأمريكي بالتحرك في سماء اليمن دون قيود, وباعتقادي أن الطيران الأمريكي سيتحرك وليس بحاجة إلى موافقة, إنما ما تريده أمريكا هو الخروج من أي انتقادات دولية قد توجه لها حول انتهاك السيادة اليمنية.

وأمريكا مثلما تبحث عن مخرج لصالح الحليف الاستراتيجي في حربها على مايسمى بالإرهاب, فإنها تبحث عن طرق لتنفيذ أجندتها الخاصة التي تضعها فوق كل الاعتبارات , باعتبارها تهم الأمن القومي الأمريكي, ولايروق لها أن ترى أحزابا إسلامية حاكمة في يوم من الأيام في اليمن أو غيرها من بلدان الوطن العربي, مثل "التجمع اليمني للإصلاح" الذي تعتبره من ألد أعداء إسرائيل نظراً لموقف جماعة الإخوان المسلمين الواضح من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين, كما لا يروق لها توجه الحزب الاشتراكي الذي لا زال يحن إلى الحقبة الروسية, مثلما ترى في حزب البعث المنضوي تحت لافتة "اللقاء المشترك" حليفاً مهماً لسوريا المناوئة لسياستها في الشرق الأوسط, بالإضافة إلى أنها تنظر إلى حزبي اتحاد القوى الشعبية والحق امتداداً طبيعياً لإيران التي تعتبر بمثابة الخصم التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية.

وبالتالي فإنها أمام خيارات صعبة, وان كانت الثورة قد فرضت أشياء لا تريد أمريكا أن تراها, فان أمريكا تعتبر صالح الحليف المتقلب العدو الذي لابد من صداقته, إلا أن خيار "صالح" قد انتهى, وهي – أي أمريكا – تبحث عن وضع جديد في اليمن يكون فيه لأحمد علي وعمار محمد وطارق محمد ويحيى محمد موطئ قدم, ليكونوا يدها الطولى في اليمن.

العميد احمد علي يستند اليوم إلى دعم أمريكي سعودي مشترك, ولولا هذا الدعم الخفي ما استطاع أن يواجه ثورة الشباب لأكثر من نصف شهر بعد رحيل والده إلى المملكة العربية السعودية للعلاج, فالولايات المتحدة الأمريكية تقول إنها لا تريد لأبناء الرئيس, وتقصد أحمد, أن يرحلوا؛ ذلك أنهم شركاء معها في محاربة الإرهاب. وكلا الحليفين, واشنطن والرياض, يريدان منه مواصلة الدور الذي كان ملقي على أبيه من قبل. هذه الحسابات تأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي تغيّر فجأة باندلاع الثورة الشعبية. لكنها تسعى لتكييف أهدافها وطموحاتها في اليمن بما يتناسب وهذه المتغيرات. فالآن, وبعيد غياب صالح لما يقارب النصف الشهر, كأن صنعاء لم يطرأ عليها شيء. فيما المساندون للثورة لا يبحثون إلا عن تسويات وحلول بعيداً عن نبض الشارع - حسب احد المحللين السياسيين- .

ما تعمل أمريكا على توكيده في اليمن أن تغييراً لن يتم من دون قرار منها، وأن الشعب اليمني، مهما بلغ اتساع حركته الجماهيرية، لن يستطيع إطاحة أقرباء صالح بدون قرار منها, وخصوصاً أن الجناح السياسي الذي يمثل الثورة لازال تحت سيطرتها ولم يخرج إلى الآن عن إملاءاتها واشتراطاتها لنقل السلطة في اليمن.

الشراكة في مجال مكافحة الإرهاب

في البدايات الأولى لاندلاع الثورة كان الشباب في الساحات يُصرون على رحيل أسرة الرئيس المكونة من أبنائه وأبناء أخيه, وكان موقف الأحزاب السياسية يقف إلى جانب ذلك المطلب ولكن سرعان ما تلاشت تلك الدعوات لتقتصر على رحيل "صالح" ليس عن اليمن ولكن عن سدة الحكم.

التغيير المفاجئ حتى في الشعارات التي تراجعت من مطلب رحيل الأسرة إلى رحيل النظام ومؤخراً إلى رحيل الرئيس عن سدة الحكم فقط, أثارت استغراب المتابعين للشأن اليمني, وسرعان ما خرج السر في ذلك التحول إلى العلن , حيث اجري السفير الأمريكي لقاءات مع عدداً من الأحزاب السياسية الفاعلة في المعارضة, وأوضح لهم انه لا يمكن بأي حال من الأحوال رحيل الأبناء الذين يعتبرون شركاء في مكافحة الإرهاب, الجدير ذكره أن وحدة مكافحة الإرهاب تأسست في عام 2003م بإلحاح ودعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربية، وتلقت هذه الوحدات تدريباتها على يد قوات العمليات الخاصة الأمريكية ومدربي الجيش الملكي البريطاني. واقتصر تواجد هذه القوات في بداية الأمر على المعسكرات المتواجدة في ضـواحي صنعاء.

خلال الفترة التي تلت دخول اليمن في مجال مكافحة الإرهاب بعد إعلان أمريكا والحلف الأطلسي محاربة القاعدة, قامت أمريكا على الفور ببناء منظومة عسكرية واستخباري تابعة لها في اليمن ومن ضمن هذه المنظومات "الأمن القومي - الأمن المركزي - وحدات مكافحة الإرهاب - الحرس الجمهوري" .. حيث أن هذه المنظومات تلقت التدريبات العسكرية والإستخبارية من قبل الأمريكيين طيلة السنوات الماضية , وهو ما استدعى أمريكا لان تدخل على خط الثورة.

دخول أمريكا على خط الثورة لم يرق للشباب الذين رأوا بان الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى إجهاض الثورة من خلال الضغط على القيادات السياسية للمعارضة – الجناح السياسي للثورة – للقبول بشروط أمريكية منها –بحسب تسريبات إعلامية – القبول ببقاء عمار محمد عبدالله في الأمن القومي, ودخول احمد علي في مجلس انتقالي في حال رفض عبدربه منصور هادي تسلم السلطة, وإعطاء احمد علي والمقربين منه نصيب 20% من أي حكومة قادمة, مثل هكذا شروط دفعت بالكثير منهم إلى التشكيك في دعوة الرئيس الأمريكي باراك اوباما لـ"صالح" إلى التنحي معتبرين ذلك ليس سواء مسرحية سياسية لا أكثر.

وفي استطلاع اجري في العاصمة صنعاء على عينه من الشباب 1000 شخص, اظهر الاستطلاع أن غالبية اليمنيين غير راضين على الموقف الأمريكي من ثورة الشعب اليمني, و ووفقا لنتائج الاستطلاع الأولية فإن 84% من اليمنيين يرون أن الموقف الأمريكي سلبي تجاه ثورة الشعب مقابل 5,7% يعتقدون أن الموقف الأمريكي ايجابي ويخدم الاستقرار.

وفي المقابل أبدى اليمنيون رضا عن الموقف الفرنسي تجاه الثورة اليمنية، -بحسب الاستطلاع الذي أجراه اتحاد القوى الثورية - فإن 58% من اليمنيين يرون أن الموقف الفرنسي من الثورة اليمنية إيجابي ويعزز علاقة الشعوب، ويرى 24% من اليمنيين أن الموقف الفرنسي سلبي يخلق العداء الشعبي لفرنسا في حين عبر 12,5% عن عدم إدراكهم للموقف الفرنسي.

العلاقات بين البلدين تفسر الموقف الأمريكي

تعود العلاقات اليمنية الأمريكية إلى العام 1959 حينما أقامت الولايات المتحدة الأمريكية ممثلية مقيمة في مدينة تعز اليمنية وشكل اعتراف إدارة الرئيس كينيدي في 19 ديسمبر 1962 بقيام الجمهورية العربية اليمنية نقطة مفصلية في العلاقات الثنائية.

وشهدت الفترة من 1970-67 انقطاعا في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلا أنها عادت للازدهار بعد حرب 1978 عقب المواجهات مع النظام في الجنوب سابقا، وتطورت العلاقات العسكرية تحت مظلة حماية منطقة الجزيرة والخليج في وجه المد الشيوعي.

وفي ابريل 1987 وهو العام الذي تولى فيه "صالح" حكم اليمن أجرى نائب الرئيس الأمريكي حينذاك جورج بوش زيارة عمل هامة للجمهورية اليمنية أسست لاستيعاب الولايات المتحدة اللاحق لأهمية علاقاتها باليمن.وكانت مناسبة لدخول الاستثمارات النفطية الأمريكية إلى اليمن.

ومثل قيام الرئيس على عبدالله صالح بأول زيارة يقوم بها رئيس يمني للولايات المتحدة في 26 يناير 1990، قبل بضعة أشهر من قيام الجمهورية اليمنية ، تدشينا لمرحلة جديدة من العلاقات اليمنية-الأمريكية في الفترة من 1990 - 2000 ، مما انعكس على حيوية وأهمية اليمن بالنسبة لأمن البحر الأحمر, غير انه سرعان ما شهدت العلاقات بين البلدين التباساً في الفترة التي سبقت حرب الخليج الثانية، وترتب عن ذلك إقفال مكتب الوكالة الأمريكية للتنمية، وإنهاء التعاون العسكري.

خلال النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تبدي اهتماما متزايدا بالجمهورية اليمنية، وشكل دعم أمريكا للوحدة اليمنية أمام المحاولة الانفصالية ركيزة للتطور اللاحق في العلاقات الثنائية.

وظلت العلاقات الثنائية متنامية بين اليمن والولايات المتحدة، الى ان وقعت حادثة تفجير المدمرة كول في ميناء عدن في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2000، الأمر الذي أدى إلى تدهور العلاقات الثنائية مرة أخرى، رغم تعاون اليمن مع المحققين الأمريكيين.

وفي 19 أكتوبر 2000 دافع الجنرال انطوني زيني القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية الوسطى USCENTCOM في شهادته أمام لجنة الخدمات العسكرية في الكونغرس الأمريكي، بعد أسبوع من الحادث الذي استهدف المدمرة الأمريكية USS COLE في ميناء عدن، عن أهمية العلاقات اليمنية - الأمريكية من منظور سياسي وعسكري واستراتيجي، وعلى الرغم من تأزم اللحظات حينها بالنسبة للعلاقات بين البلدين إلا أن الجنرال تبين بنظرته الفاحصة أهمية تطوير سياسة الاقتراب الشامل من اليمن , لتشهد بعد ذلك السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد حادثة المدمرة كول، والأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر انتعاش العلاقات الثنائية، تحسنا لافتا في علاقات التعاون بين البلدين أسفر عن زيادة الدعم الأمريكي لجهود التنمية في اليمن، وتدعيم التجربة الديمقراطية وزيادة التعاون العسكري والأمني، لتصبح اليمن شريكا مهما في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب في الإقليم, وضاعفت الإدارة الأمريكية دعمها للحكومة اليمنية ليترفع من 70 مليون دولار في عام 2009م إلى 150مليون دولار في عام 2010م.

وسمحت اليمن أكثر من مرة للولايات المتحدة الأمريكية استخدام الأجواء اليمنية لشن هجمات على أشخاص يعتقد أنهم يتبعون القاعدة, وكان باكورة ذلك عام 2002م حيث نجحت الطائرات الأمريكية في استهداف أبي علي الحارثي مع ستة من مرافقيه بصحراء مأرب، وكان حادثة المعجلة التي شن فيها الطيران الأمريكي القصف على الأبرياء خير دليل على ذلك, وهو ماكشفته وثائق ويكيليكس حيث نُسب إلى "صالح" قوله للجنرال ديفيد بترايوس "اضربوا انتم ونحن سنتبنى العملية", إضافة إلى قيام أمريكا هذه الأيام باختراق الأجواء اليمنية لملاحقة عناصر إسلامية متشددة في شبوة وابين ومارب وأبين, مما أسفر حالياً عن مقتل العشرات من الأبرياء الذين تسارع الحكومة عقب مقتلهم بالإعلان أنهم من قيادة من تنظيم القاعدة وسرعان ما تكشف الأيام عكس ذلك.