من أطلق الصاروخ
بقلم/ عبدالرحمن عبدالله السقاف
نشر منذ: 9 سنوات و 4 أسابيع
الأحد 12 يونيو-حزيران 2011 03:05 م

الزمان منتصف نهار الجمعة... جمعة الأمن والأمان !

والمكان مسجد دار الرئاسة في صنعاء.

في ذات الوقت الثوار يؤدون جمعة الوفاء لتعز التي تعرضت لأبشع الانتهاكات في ساحة الحرية في المدينة الثورية.

ومن جانبهم أنصار صالح يؤدون صلاة الجمعة ويكملون شعائر الصلاة ولكن تبقى الطقوس الراتبة ..السعي الى ميدان السبعين واستلام المنصة.

في مسجد دار الرئاسة ينهي الشيخ المطري خطبته لتقام الصلاة، ويتقدم للصف الاول رجالات الصف الاول من المسؤلين والرئيس وسطهم، وما أن تكتمل الركعة الأولى حتى يدوي صوت الإنفجار نافثاً النار والشظايا من مقدمة المسجد.

كان هذا غداة ليلة قاتمة غابت نجومها عن سكان العاصمة الذين لم يطبق جلهم خلالها جفناً على جفن وسط رعود الصواريخ وبروق الإنفجارات، منتظرين الفجر ليجلب معه الهدوء كالعادة...

طلع الفجر على مهل في العاصمة المكلومة وارتفعت الشمس فوق جبل نقم وظهر حمير ومن هناك جاءت أنوار الصباح وليست الصواريخ والقذائف هذه المره.

هناك تصورات عديدة لما جرى في المسجد الرئاسي ولكن أي منها لا يتماسك في غياب دليل قطعي يلقي ضوء كاشف على بقع الظلال الكبيرة والكثيرة على المشهد الغامض.

واقعة دار الرئاسة جائت في ظروف المواجهات بين القوات الحكومية الموالية للرئيس وأنصار الشيخ الأحمر،الأمر الذي ترتب عليه في نظر الكثيرين اتهام عاجل للطرف الآخر بالوقوف وراء العملية.

ولكن من البديهي أن أبناء الشيخ عبدالله الأحمر وأولهم الشيخ الصادق يدركون برغم كل ما تعرضوا له من قبل النظام ، أن استهداف رئيس الجمهورية وكبار المسؤلين ومراكز قوى قبلية كثيرة بالإبادة حتى في غير يوم الجمعة وبعيداً عن المسجد، يعد جنوناً صرفاً ،لأن ذلك بشكل قاطع سيجر البلاد لدوامة عنف لا يعلم إلا الله مستقرها مثلما يدركون أنه لو نجح استهداف الشيخ صادق الأحمر لحدث نفس الأمر لاسمح الله ومن هذا المنطلق كان موقف المعارضة يستنكر ما جرى في دار الرئاسة وغيرها من أعمال عنف.

ثم أن اسراع الشيخ حميد الأحمر في اتهام صالح بتدبير حادثة الرئاسة تشي بأنه لو كان على علم سابق باستهداف الرئيس لما اطلق اتهام هو أول العارفين بأن الدقائق القادمة ستأكد عدم دقته.

ومن هنا يتسع اللغز...، من وماذا يتضحان أكثر من خلال كيف ..أو بمعرفة كيف حدث الهجوم قد يصبح المشهد أكثر وضوحاً.

هناك فرضيتان لتفسير ماجرى ،الأولى تقول أن الهجوم نفذ بعبوة ناسفة فيما الأخرى تقول أنه هجوم بقذيفة أوصاروخ، وقد حاول بيان الرئاسة على عجل أن يترك مساحة للإستدرك بجمع الفرضيتين في كلمتين .."قذيفة ناسفة"

لكن برغم كل شئ فإن صورة لمقدمة المسجد من الداخل، وأخرى من الخارج مع نظرة فاحصة لهما، تفضي عن الكثير.

ـتكشف الصورة الداخلية عن فتحة مستديرة في جدار مقدمة المسجد و اثار سوداء لحرق تحيط بها

ـوتكشف كذلك عن أن هذه الاثار السوداء تمتد من حواف تلك الفتحة في كل الاتجاهات، أي أن أن مركز الإنفجار هناك بالتحديد.

ـومن نفس الصورة يبدو الجدار من الداخل بكامل بنيته لم يتطاير ولم يتهتك حتى الطلاء سليم بينما نفس الجدار مدمر من الخارج كما تظهر الصورة الخارجية.، وهذا يستبعد فرضية العبوة المزروعة داخل المسجد .

ـالفتحة الموجودة في الجدار تقع في وسط مقدمة المسجد، أي باتجاة وسط الصف الاول حيث يقف الرئيس وحولة كبار المسؤولين والدقة هنا واضحة بشكل مدهش.

ويعيد تأمل هذا الأمر الى الأذهان دقة تصويب الصاروخ الذي دخل إلى - بدروم- منزل الشيخ صادق الأحمر في وجود الوساطة هناك،.والغريب أن النظام حينها لم يعلق بجدية تتناسب مع خطورة الموقف، واكتفى الرئيس بالقول "أولاد الأحمر فجروا الموقف في وجود الوساطة"

والأغرب أنه حتى بعد أن استهدف هو شخصياً وأصيب بجروح وحروق كبيرة، علق على الواقعة المستجدة بنفس التعليق السابق "أولاد الأحمر عادوا وفجروا الموقف في وجود وساطة"

كل هذه المتناقضات تضع صفاً من علامات الإستفهام أمام المتابع، وتكشف في نفس الوقت عن جهل مطبق لدى القوم عند مستوى القمة بحجم المخاطر المحدقة بهم ،والأهم بالبلاد.

اللافت أن تصريحات ياسر اليماني واتهامه (المجوس) بالوقوف وراء عملية مسجد دار الرئاسة، جاءت متزامنة مع ما نشرة موقع (ديبكا فايل) التابع للمخابرات الإسرائيلية عن وجود مخطط إيراني-سوري -والأولى تساعد الثانية في قمع الثوار بوحشية-لاستهداف قيادات عربية من أجل خلط الأوراق في المنطقة العربية.

فقد ذكرت صحيفة الرأي الكويتية نقلاً عن الموقع الإسرائيلي أن محاولة اغتيال صالح لا تؤكد أنها ناجمة عن حالة الصراع الداخلية وإنما تفيد أن بأن جهة خارجية قد تكون إيران أو سورية خلفها بغية جر اليمن إلى الحرب الأهلية وجر الخليج إلى المستنقع اليمني.

حسب الموقع الإسرائيلي فالإستخبارات الإيرانية والسورية كثفت نشاطها في اليمن وأن توجيهات صدرت باغتيال الشيخ صادق الأحمر لإشعال الفوضى القبلية واتهام الرئيس صالح باغتياله، فيما كلفت جهات أخرى باغتيال صالح لتتهم دول الخليج بالإغتيال، وأن أوساط سياسية يمنية كشفت أنها أبلغت قيادات في حركة الإخوان المسلمين السوريين بضرورة مغادرة اليمن أو الإختفاء، وكان من نتيجة تلك التطورات مغادرة بعض قيادات الإخوان المسلمين السوريين إلى اسطنبول مما وتر علاقات دمشق. مع أنقرة.

ولكن لا بد من التساؤل هل يمكن الوثوق بمعلومات اسرائيلية، وعن إيران بالذات في ظل العداء المستحكم بينهما؟

حقيقة ما جرى في مسجد دار الرئاسة والتفاصيل المتعلقة به من حق أي يمني المطالبة بها لكونها تمثل جزء من تاريخ اليمن المعاصر والذي لا يزال في حالة سيولة، ولكن ذلك الحق قد يكون من الملائم تأجيله إلى مرحلة ما بعد نجاح الثورة لدواعي كثيرة أهمها أسبقية نجاح الثورة والوصول لمقاصدها، وعندها سيكون العمل على تلك المسألة أسهل وأقل خطراً على الروح الوطنية الضروري اتساقها عند الجميع من الان للوصول لتلك المقاصد.

وحينئذ سيكون العمل على تلك المسألة في إطاره الصحيح، وسيكون مفهوماً عدم ترك مفتاح لغز دار الرئاسة للضياع كما ضاع مفتاح حقيبة الغشمي.