التداول السلمي للسلطة
بقلم/ عدنان باحلوان
نشر منذ: 9 سنوات و شهر و 20 يوماً
الخميس 12 مايو 2011 06:10 م

لقد كانت اهم اهداف الوحدة اليمنية هي اقامة دولة المؤسسات والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. وقد استطاع علي عبد الله صالح تفريغ هذه الاهداف من محتواها وتحويلها الى مجرد شعارات للاستهلاك المحلي في حين كان يعمل بكل الوسائل الممكنة على ترسيخ حكم الفرد الواحد في اطار دولة شمولية يمارس فيها الحكم المطلق في كل شيئ, حيث لاتوجد هناك اي هيئة تستطيع محاسبته او استجوابه:

فهو الحاكم الفعلي للمجلس الاعلى للقضاء وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة, وهواعلى من السلطة التشريعية نفسها إذ بامكانه ان يحل البرلمان عندما يريد. كما ان الحكومة بطاقم اعضائها الوزاري ليسوا سوى موظفين لديه يأتمرون بأوامره وتوجيهاته. ويعمل المنتفعون من حزبه الحاكم على ترسيخ هذا النظام الشمولي واظهاره بواجهة ديمقراطية والتطبيل لصالح ليل نهار حتى يظهربصورة البطل الذي يعمل من اجل بناء اليمن الحديث وهم يدركون تماماً انهم منافقون وان افعالهم تدل على مستوى عالي من الخبث في الضحك على المواطن البسيط.

هذا التداول السلمي للسلطة يفتخر به علي عبد الله صالح ويكرره في كل مناسبة, حيث قال في احد خطبه بمناسبة "ذكرى الجلوس" والتي تمت في 17 يوليو 1978 بانها كانت بداية عهد جديد في تاريخ اليمن وبداية التداول السلمي للسلطة!!!

ربما لم يفهم صالح ان التدوال هو الحيازة المؤقتة للشيئ ثم انتقال هذا الشيئ الى شخص آخر كتداول العملة مثلاً, او كقوله تعالى: "وتلك الايام نداولها بين الناس" اي ان الايام بحالاتها المختلفة تنتقل بين البشر. ولكن علي عبد الله صالح كان يتناقل السلطة بينه وبين عقله الباطني, إذ كان يسلمها قبل ان ينام ويستلمها عندما يصحى.

ولكن هاهي الثورة تصخب في الشوارع لتصحح سوء الفهم المتعمد هذا. فالسلطة هي ملك الشعب وليس ملك للرئيس وافراد حاشيته. وحتى لايتكرر سوء الفهم هذا فالشعب يطالب باسقاط هذا النظام الفاسد. واسقاط النظام لايعني فقط خلع علي عبد الله صالح من السلطة سلمياً فحسب وانما ايضاً ضمان التداول السلمي والحقيقي للسلطة من بعده. ولن يكون ذلك الا بالغاء الدستورالحالي والذي يساعد على تحويل الحاكم الى طاغية بمنحه سلطات مطلقة. اضافةً الى ذلك يجب تثبيت آليات دستورية وسياسية عملية تؤدي الى استقلالية السلطات القضائية والاعلامية والعسكرية حتى تكون هذه السلطات مستقبلاً ملكاً للدولة والشعب وليس للحزب او الشخص الحاكم.

في اطار دولة المؤسسات والقانون يختار الشعب ممثليه بانتخابات حرة ونزيهة تمتاز بالشفافية وتساوي الفرص, ويعمل الحزب المنتخب على تنفيذ برنامجه الذي تم انتخابه بناءً عليه وبالامكان انتخاب حزب آخر في دورة انتخابية اخرى.

هذه الانتخابات النزيهة لايمكن ان تتم مباشرة بعد اسقاط صالح ورموزه لان الهيكل الدستوري ومؤسسات الدولة الحالية قد نخرها فساد النظام الدكتاتوري, لذا يجب التحضير لبناء النواة الاولى للدولة الحديثة في فترة انتقالية لا تقل عن ستة اشهر تبدأ بإعلان دستوري للثورة يتم بموجبه إلغاء العمل بالدستور الحالي وحل مجلسي النواب والشورى والمجالس المحلية و تشكيل مجلس رئاسة انتقالي وتشكيل حكومة كفاءات وتشكيل مجلس وطني انتقالي يعمل على الاشراف على اداء الحكومة والرئاسة المؤقتة وعلى تشكيل اللجنة العليا للانتخابات للاعداد لانتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية وكذا على اختيار جمعية تأسيسية تضم فقهاء دستوريين لصياغة مشروع دستور جديد لدولة مدنية ديمقراطية حديثة يكون أساسه النظام الجمهوري البرلماني و يخضع للاستفتاء الشعبي العام. وفي هذه الفترة الانتقالية تستطيع الاحزاب الجديدة ويستطيع الشباب ايضاً تحضير انفسهم لخوض هذه الانتخابات.

هذه هي الاسس الصحيحة لبناء الدولة الحديثة, وهي الوحيدة التي تضمن تداولاً سلمياً حقيقياً للسلطة, وهي المطالب الرئيسية في ميثاق ثورة الشباب.

إن احزاب المعارضة تؤيد ثورة الشباب في اسقاط علي عبد الله صالح و تدعم مطالبه رسمياً من جهة ولكنها لازالت تحاور النظام بمبادرات لاتلبي الحد الادنى من مطالب الثورة ولايزال النظام يراقصها وينقلها من فخ الى آخر. إن هذه الازدواجية اضعفت من زخم الثورة ومكّنت علي عبد الله صالح من اختزال الثورة الى انها محاولة للاستيلاء على السلطة من قبل المشترك.

إن اللقاء المشترك هي مجموعة احزاب مختلفة وينبغي انها تتصارع وبشكل نزيه للوصول الى السلطة, لذا فمن مصلحتها ومن مصلحة الوطن ان تكون هناك آلية مناسبة للتداول السلمي للسلطة فيما بينها. وهذه الآلية لاتوجد في اطار النظام الشمولي الحالي, ولذا فمن المنطقي ان تعلن احزاب المعارضة وبشكل لايحتمل التأويل رؤيتها لمرحلة ما بعد صالح وكيف تريد بناء اليمن الجديد, يمن المؤسسات والقانون. اننا في مرحلة مفصلية لاتحتمل المزيد من المراوغة, والثورة ستنجح بإذن الله عندما يحسم المشترك امره ويوضح للناخبين موقفه النهائي. عندما تنتهي الازدواجية لايبقى امام صالح الاّ ان يرحل وحينها تتوقف المراهنات وينقطع الطريق على اولئك الذين يدّعون ان المشترك يريد ان يواصل الحكم الدكتاتوري ولكن بطاقم جديد وبشعارات جديدة.