دراسة قانونية جهاز الامن القومي مؤسسة غير دستورية
مأرب برس- خاص
الثلاثاء 24 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 الساعة 04 مساءً

دراسة قانونية للمحامي حسين عمر المشدلي

دراسة قانونية الجزاء الاول

من المعلوم والمتعارف عليه ان اعمال السلطة في الدول والانظمة الديمقراطية يجب ان تخضع جميعها لمبداء المشروعية والذي بموجبة يجب ان يكون كل ماتقوم به السلطة من اعمال او مايصدر عنها من قرارات متفق مع احكام الدستور والقانون ولايخالفها او يتعارض معها

واليمن باعتبارها احدى الدول التي تضمن دستورها النص على اعتبار الديمقراطية كنظام للحكم فيها اوجب الدستورعلى جميع السلطات الالتزام بمبداء المشروعية و احترام الدستور والالتزام بالقوانين كما انه ولاهمية اعمال وتطبيق هذا المبداء فرض على القائمين على سلطات الدولة والمتولين للمناصب القياديه والعلياء فيها اداء اليمين الدستورية عند تعيينهم والتي بموجبها يتعهد كل مسؤل قبل مباشرته لمهام منصبه بان يحترم الدستور والقانون

ومع ان المفترض بموجب ذلك ان تكون جميع اعمال السلطة متفقه وغير مخالفة لاحكام الدستور والقانون الا ان حصول الخطاء من قبل السلطة في بعض المسائل البسيطة والغير جوهرية امر جائز ومتوقع ولهذا تضمنت احكام الدستور والقانون طرق معالجة مثل هذه الاخطاء واعطت الحق للمواطنين بالطعن فيها امام القضاء وبالتحديد امام الدائرة الدستورية في المحكمة العلياء التي خولها الدستور سلطة الغاء الانظمة والقوانين والقرارات المخالفة لاحكام الدستور والقانون

واذا كان وقوع الخطاء من قبل السلطة في بعض المسائل البسيطه هو امر متوقع كما اسلفنا سوى في اليمن او في غيرها من الدول فان الامر غير المتوقع والممتنع الحدوث قانوناً سوى في الدول والانظمة الديمقراطية او في غيرها من الدول عدى بلادنا طبعاً هو ان تتعمد السلطة مخالفة وخرق الدستور والقوانين وتتمادى في ذلك لدرجة القيام باصدار قرارات مخالفة صراحة ومتناقضه كلياً مع احكام الدستور والقانون وان تنشاء بموجب هذه القرارات المخالفة اجهزة وادارات غير دستورية تتعدى سلطتها وصلاحياتها الاجهزة والمؤسسات الدستورية والقانونية القائمة ولان هذا بالتحديد هو ماتم وحصل بالفعل في بلادنا عند قيام السلطة بانشاء ما يسمى بجهاز الامن القومي للجمهورية اليمنية والذي قامت السلطه بانشاءة وتاسيسه بالمخالفة الصريحة لاحكام الدستور والقانون ووضعته على قمة هرم الاجهزة الامنية ومنحته من السلطات والصلاحيات ما يفوق ويتعدى السلطات والصلاحيات المقررة لسائر الوزارات والاجهزة الحكومية المختلفة فاننا ولغرض التنبيه الى حجم الاخطاء والمخالفات الدستورية والقانونية التي ارتكبتها السلطة عند انشاءها لهذا الجهاز وحتى يتم استدراك ما لم يتم ادراكه عند التاسيس سنحاول ومن خلال هذه الدراسه الموجزه والمتواضعه ان نلفت الانتباه الى بعض اهم المخالفات الدستورية والقانونية التي تضمنها ونص عليها القرار الجمهوري رقم ( 261 لسنة2002م ) الخاص بانشاء جهاز الامن القومي والذي تم بموجبه انشاء وتاسيس الجهاز كما سنحاول ان نبين اثر هذه المخالفات على مشروعية الاعمال التي يقوم بها الجهاز باعتباره مؤسسة غير دستورية ولهذا فان تناولنا لهذا الموضع سيتم من خلال ثلاثة اقسام القسم الاول يتعلق ببعض اهم المخالفات الدستورية التي تضمنها ونص عليها قرار انشاء جهاز الامن القومي والقسم الثاني سنتناول فيه بعض اهم المخالفات القانونية التي تضمنها القرار اما القسم الثالث فسنحاول من خلاله ان نبين اثر هذه المخالفات على مشروعية واعمال الجهاز

اولاً : المخالفات الدستورية :ـ

مع ان الدستور هو العقد الاجتماعي بين السلطة ورعاياها و بموجبه تستمد السلطة مشروعيتها في الحكم الا ان الهاجس الامني لدى السلطة اوربما الحرص على ارضاء بعض الرغبات الطامحة الى الاستحواذ على المزيد من السلطه قد افقد السلطة قدرتها على التوفيق بين واجباتها المتمثلة في احترام الدستور والقوانين وبين رغبتها في تحقيق طموحاتها ولهذا اقدمت السلطة على انشاء وتاسيس جهاز الامن القومي ومنحة اكبر قدر ممكن من الامكانيات والصلاحيات ضاربة باحكام الدستور والقوانين عرض الحائط ومرتكبة بذلك العديد من المخالفات والخروقات الدستورية والتي من اهمها مايلي :ـ

1) استناداً لنص المادة ( 120) من الدستور والتي تنص على انه ( يصدر رئيس الجمهورية بناء على اقتراح الوزير المختص وبعد موافقة مجلس الوزراء القرارات واللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين وتنظيم المصالح والادارات العامة على ان لا يكون في اي منها تعطيل لاحكام القوانين او اعفاء من تنفيذها وله ان يفوض غيره في اصدار تلك اللوائح والقرارات ويجوز ان يعين القانون من يصدر اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذه ) فان صلاحيات رئيس الجمهورية فيما يخص اصدار القرارات واللوائح الللازمة لتنفيذ القوانين وتنظيم المصالح والادارات العامة مقيدة ومشروطة بموافقة مجلس الوزراء على هذه القرارات ولان جهاز الامن القومي يفترض انه من ضمن المصالح والادارات العامة التي اشترط الدستور في القرارات واللوائح المتعلقه بها ان تكون صادرة بناء على عرض الوزير المختص وبعد موافقة مجلس الوزراء فان القرار الجمهوري رقم (261 لسنة 2002 م ) الخاص بانشاء جهاز الامن القومي يعتبر قرارغير دستوري لصدورة بالمخالفة لاحكام الدستور وذلك لاصدارة من قبل رئيس الجمهورية دون ان يتم الموافقه عليه اوحتى عرضه على مجلس الوزراء كما هو ثابت من خلال ديباجة القرار التي تضمنت النص على مايلي رئيس الجمهورية ، بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية . ونظراً لما تقتضية المصلحة العامة قرر ......الخ ومع ان صدور القرار على هذا النحو يجعل منه اشبه بالبيان السياسي الا ان ثبوت خلو الديباجه من الاشارة الى موافقة مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير المختص يعني ان هذا القرار لم يتم عرضه او اخذ الموافقه عليه من المجلس كما هو مقرر في الدستور وهو ما يترتب عليه اعتبار هذا القرار باطل لمخالفته الصريحه لاحكام الدستور وهنا لايفوتنا ان ننبه الا انه من المعلوم ان الموافقة المشروطة طبقاً لما هو منصوص عليه في الدستور هي موافقة مجلس الوزراء مجتمعاً وليست موافقة رئيس المجلس وبالتالي فان القرار الصادر دون عرضه واخذ الموافقه عليه من قبل المجلس يعتبر باطل حتى في حال موافقة رئيس المجلس عليه

2) من المخالفات الدستورية التي تضمنها ونص عليها القرار الخاص بانشاء جهاز الامن القومي مخالفته الصريحة لنص المادة (129) من الدستور والتي تنص على (مجلس الوزراء هو حكومة الجمهورية اليمنية وهو الهيئة التنفيذية والادارية العليا للدولة ويتبعها بدون استثناء جميع الادارات والاجهزة والمؤسسات التنفيذية التابعة للدولة) حيث انه وكما هو واضح من خلال نص المادة يجب ان تتبع الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء جميع الادارات والاجهزة والمؤسسات التنفيذية التابعة للدولة بدون استثناء واذا كان هذا هو ما قررته والزمت به نصوص واحكام الدستور فانه وبالاطلاع على ماهو منصوص عليه في الماده (1) الفقرة – ب – من القرار الخاص بانشاء جهاز الامن القومي سنجد ان هذه المادة قد نصت على تبعية الجهاز المباشرة لرئيس الجمهورية وعلى ان مسؤليته عن تنفيذ المهام المنصوص عليها في القرار تقتصر امام رئيس الجمهورية فقط ووما لاشك فيه ان الحاق تبعية الجهاز برئيس الجمهورية مباشرة وفقاً لما نص عليه القرار واستثناءه من التبعية للحكومه المقرره بموجب الدستور يعد مخالفة صريحة وواضحة لاحكام ونصوص الدستور لايترتب عليها اعتبار الجهاز مؤسسة غير دستورية فقط بل يترتب عليها فقدان الجهاز لصفته كمؤسسة حكومية تابعة للدولة

3) على الرغم من ان ما بيناه من مخالفات ثابته تضمنها ونص عليها القرار الجمهوري الخاص بانشاء جهاز الامن القومي يكفي للجزم والتقرير بعدم دستورية هذا القرار الا اننا ولغرض الايضاح نحب ان نبين ان هناك العديد من المخالفات الدستورية التي تضمنها القرار والتي لايتسع المجال لتناولها جميعاً ضمن هذه الدراسة الموجزة وبالتالي فاننا وبالاضافة الى ما بيناه من مخالفات صريحة وواضحة جاء بها القرار سنكتفي بالاشاره هنا وبشكل موجز الى بعض اهم المخالفات التي لاتقل اهميه عن ما بيناه والتي منها على سبيل المثال ما ورد في نص المادة (6) من القرار والتي تقتصر مسؤلية رئيس الجهاز امام رئيس الجمهورية فقط وهذا مخالف لاحكام الدستور باعتبارة تعطيل لحق الرقابة المقرر في الدستور للسلطة التشريعية على السلطة التنفيذية كما انه يعد تعطيل ايضاً لمبداء المسؤلية المالية والادارية المقرر بموجب الدستور لرئيس الحكومة على جميع الادارات والاجهزة الحكومية وللوزراء كلاً فيما يتعلق بشئون وزارته كما انه من المخالفات الدستورية التي تضمنها القرار ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة سته المشار اليها انفاً وكذا ما نصت عليه المادة (12) من القرار حيث نصت الفقرة الثانية من المادة (6) على انه يكون لرئيس الجهاز عدد من الوكلاء يصدر بتعيينهم قرار من رئيس الجمهورية وتبين اللائحة التنظيمية مهامهم واختصاصاتهم كما نصت المادة (12) على ان تصدر اللائحة التنظيمية للجهاز بقرار من رئيس الجمهورية حيث انه وفقاً لنص المادتين يتم تعيين وكلاء الجهاز واصدار اللائحة المنظمة للجهاز بقرار من رئيس الجمهورية وليس بقرار جمهوري وهذا بالتاكيد مخالف لاحكام ونصوص الدستور وبالتحديد نص المادة (120) منه والتي تنص على ان يتم اصدار القرارات واللوائح المتعلقة بتنظيم الاجهزة والادارات العامة بموجب قرارات جمهورية تصدر بناء على عرض الوزير المختص وبعد موافقة مجلس الوزراء كما ان ماتضمنه القرار يعتبر ايضاً مخالفه صريحة وتعطيل لصلاحيات الحكومة المقررة بموجب نص المادة (137) من الدستوروبالتحديد الفقرة – و – والفقره – ز – منها والتي تنص على اختصاص الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء بتوجيه وتنسيق ومراجعة اعمال الاجهزة والادارات التابعة للدولة وكذا تعيين وعزل الموظفين القيادين في اجهزة الدولة

هذا باختصار هو اهم ما رئينا التطرق اليه فيما يتعلق بالقسم الاول من الدراسة ونستكمل في القسم الثاني المخالفات القانونية التي تضمنها قرار انشاء جهاز الامن القومي والتي تجعل من الجهاز مؤسسة غير دستورية.

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 1
    • 1) » شجاعةوابداع
      عزان العزاني اشكرالاستاذحسين هذةالدراسةالمتيزه في هذا الموضوع المهم والحساس وهذايدل على شجاعة الكاتب وتميزه وابداعه
      "ولي ملاحظه على مارب برس حيث وبرغم اهمية الموضوع الاان مارب برس لم تضعه على صفحتهاالرئسية فهل السبب الخوف ام ياترى التبعية "
      8 سنوات و أسبوعين و يوم واحد    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية
 
اكثر خبر قراءة ثقافة
إختيارات القراء
قراءة
تعليقاً
طباعة
إرسال