الشباب يدعون للتوريث
بقلم/ محمد الأغبري
نشر منذ: 7 سنوات و 11 شهراً و 25 يوماً
الأربعاء 28 إبريل-نيسان 2010 06:25 م

في زمن يقل فيه أصحاب الخبرة من الشيوخ أصحاب التجارب الرزينة ،من عصروا التجارب وعصرتهم الأيام ،فخرجت عصارة سالت خلال أسوار الأعوام وتجازت طوال السنين،فأضحت بين أيديهم كغرفة من ماء زمزم.تجارب أكسبتهم سعة في الصدر ،وصبراً على الأزمات واستجلاء للمستقبل من التحديات.

لكنهم ينضبون دونما أي استفادة مما يحملون.

تملأ نفسك الأيام كبتاً حينما ترى رجلاً صاحب تجربة عامرة ،تعدى عتبة السنين ،فانزوى في مسجد يعتكف فيه لعله يلق الله تالياً لكتابه ،أو ساجداً في صلاته، أو حينما ترى رجلاً سبعينياً من القيادات الرشيدة في زمانه،يجلس أمام بيته على كرسي متأرجح يرقب شباب الجيل الذي لا ينتبه، فيتقطع قلبه حيرة وأسى .

وفي زمن يكثر فيه الشباب ، شباب ملأ قلبه حس الإيمان ، وحب الدين والوطن، مستعد للتضحية متى ما اشتاقت إليه التضحيات،يقلب كفيه فلا يرى إلا القوه،وينظر أمامه فلا يرى إلا المواجهة. يمر بالمواقف فيفتقر عندها للحكم الرشيد ،فيقع في منزلقات وقع فيها غيره قبله ،ورأيته يتخبط في التكرار ،وعندما تبحث في الأسباب تراها قلة الإحتكاك مع أهل الخبرة من الأسلاف القريبين ،أصحاب النظرات الثاقبة والآراء السديدة.فتصرخ بملئ فيك وأيم الله لو أنهم استدركوا الخلل لقلت في الطريق الأخطاء ولارتوت النتائج بماء الوفاء من قرب الأصفياء.

في زمن التنمية لا مجال للتجربة والخطأ ، هكذا يقول الخبراء،وفي زمن التنمية لا بد للجيل الصاعد أن يمتلك الحد الأدنى من مقومات القيادة التي تؤهلهم إلى مواقع السيادة ،واتخاذ القرار ، وحتى لا تخطئ السهام هدفها ،وجب صواب التسديد.

حينما ننظر إلى تاريخنا الإسلامي الحافل بالمنجزات العظيمة ،نرى أن التوريث الفكري والعقدي ظاهرة أدت نتائجها إلى بروز قيادات شابة ،كان لها عظيم الأثر في صناعة القرار.فالإحتكاك بين المربي صاحب التجربة الموغلة في عمق الحياة ،والإنجازات الضاربة في أكناف الواقع وبين التلميذ النبيه العقل السريع البديهة أدى إلى استيعاب التلميذ لتجربة القائد وهضمها واستنساخها في حياته.فأضحت تجربة قائده تجربته ، تحدد مسارات حياته وأنماط اتجاهاته،يسيتضئ بنورها في ظلمات الليل الحالكة ،فينتج عنها أروع الإنجازات رغم صغر السن.

وفي تاريخنا تجارب......

مع ابن عباس:

روى الأمام الترمذى رحمه الله ، عن عبد الله بن عباس قال : (كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما قال يا غلام ، إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك بشيء إلا قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

"كنت خلف النبي" "يا غلام ""إني أعلمك "، كل هذه الأساليب المقترنة في لحظة واحدة من أعظم عظماء الأرض ،خير البرية عليه أفضل الصلاة والسلام لتنبئ بسنة مهجورة ،نسيناها أو تناسيناها في خضم الأمواج المتلاطمة والرياح العواصف.

وبالإحتكاك ،والأدب والوصية ننتج أعظم نتاج ،وتورق أزهارنا في أسرع زمن.وبأقل التكاليف.

أسامة بن زيد

الحب بن الحب،قائد الجيش في عمر الزهور ،يقود جيشاً فيه أبو بكر وعمر،وعثمان وعلي.

ما الذي أودع فيه صفات القيادة وطرائق الريادة ،ولم تكتمل سنه بعد؟

إنها بيئة التوريث ،حياة مع النبي وأبو بكر وعمر ،ثم حب وتقريب ،ملازمة وتأديب،ثم إنه ابن قائد مؤتة ،حب رسول الله ،أسامة بن زيد.صاحب النظرة السديدة والرأي الرشيد.

صلاح الدين الأيوبي:

سليل أهل الريادة ،آباؤه قادة ،وأعمامه شهداء،احتك بالرؤساء منذ صغره ،ورضع لبان الزعامة أيام طفولته،درس على أيدي العلماء،وحفظ القرآن والحديث،ثم فتح الأمصار وأنقذ الأقصى فصار رجلاً لا ينسى.

محمد الفاتح:

أرسل أبوه إلى شيخه (أن أدبه بهذه العصا إن عصا ،فإني أعلمه عنيداً)،وأنعم به من عنيد.

تولى الحكم شاباً،فأرسل إلى أبيه ،أن النصارى تحشد لنا الحشود فاخرج على رأس الجيش ،فرد أبوه بالعزوف والإعتذار،فأرسل إليه : (إن كنت أنت السلطان ،فاخرج لمواجهة أعدائك،وإن كنت أنا السلطان،فإني آمرك بالخروج على رأس الجيش لقتال النصارى)أهـ

وبعناده بعد التربية والتسوية والتقويم والإحتكاك بأهل الرشاد،حمل السفن على الجبال وعبر بها الصحارى فكان أن فتح القسطنطينية، فنعم الجيش ذلك الجيش ونعم القائد ذلك القائد.

ومن العصر الحديث :

يقول وليد الأعظمي صاحب الشعر المعروف بالفروسية والنجابة: (لو سألني الله يوم الدين ماذا قدمت للإسلام فسأجيبه بأني قدمت محمد أحمد الراشد).

ومن الراشد؟...

راشد بمعنى الكلمة ،صاحب نظرة علمية ،تربوي متمرس ،مفكر لامع ،وفنان تشكيلي إسلامي أصيل ،ألف المؤلفات وصنف المصنفات وخرج الدفع من الدعاة المخلصين،صاحب كلمة حق لا يخاف ورجل مواقف لا يتراجع ،وصاحب قلم متجرد لله،هكذا نحسبه والله حسيبه.

حماس فهمت أساس الإستمرار.....

عند الإنتفاضة الفلسطينية الأولى ،توقعت قيادة حماس أن تكون في الأسر في أية لحظة،فأضمرت إلى نفسها تشكيل قطاعات القياديين من الصف الثاني والثالث والرابع للخلافة،وكان كلما أسر قائد خلفه من بعده،في متوالية من القيادات المؤسسة المتدربة على أسس من الإيمان يحدو بها نحو الجنان،وتجرد من الدنيا،وعمق رؤية وسداد تخطيط.إنها الكياسة التنظيمية، الناتجة عن احتكاك مستمر بين التلميذ وقائده ،فلا يَفتقِد الأثر أن فقد صاحبه،بل يراه أمامه كأنه يُرشده.وهكذا وصلت إلى الحكم.

إنه التوريث......

وحتى لا ينقطع الحبل بين جيل الشباب ، وبين من سبقوا من قادة ،أو علماء ، سياسيين أو أدباء، لا بد من مصارحتهم بالحاجة إلى رؤية حياتهم للشباب تروى ،وتجاربهم لهم تقرأ ،وحتى تستقيم الخطى على طريق الأبرار،لا بد أن يطلبوا من الشباب خدمتهم والعيش بين أيديهم يراقبونهم فيتعلمون ،ويروا سلوكهم فيستزيدون ،فالتعلم بالإحتكاك المتواصل يؤدي إلى الحرارة اللازمة لإحداث الإشتعال الكافي لإنارة الطريق الطويلة.

إنها رسالة تحتاج إلى إجابة عملية لنرقع الخرق ،ونملأ الفراغ ونسد الهوة ،والله المقصود وله الحمد في الأولى والآخرة.

Mohammed.a90@hotmail.com