نصر طه مصطفى
واشنطن ويمن ما بعد صالح
نصر طه مصطفى
نشر منذ : 5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً | الأربعاء 28 مارس - آذار 2012 06:53 م
 

كانت محاولة تفجير الطالب النيجيري عمر الفاروق لطائرة الركاب الأميركية عشية أعياد الميلاد في نهاية عام 2009، والذي تم تدريبه في اليمن، هي نقطة التحول الرئيسية في الرؤية الأميركية تجاه حكم الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ومنها اتجهت الإدارة الأميركية إلى بناء تصورات جديدة لكيفية التعامل مع هذا النظام، الذي أصبح على أبواب الفشل والانهيار، ولا بد في نظرها من بذل محاولة أخيرة لإنقاذه، وإلا فلا بد من إجراء عملية جراحية بتغييره، حتى وإن كان البديل هو نجل الرئيس، الذي يقود الحرس الجمهوري، إذا لم يكن هناك أي خيارات أخرى.

وعلى الفور، وبالاتفاق مع رئيس الوزراء العمالي البريطاني حينذاك (غوردن براون)، تمت الدعوة لعقد مؤتمر لأصدقاء اليمن على مستوى وزراء الخارجية في العاصمة البريطانية لندن أواخر يناير 2010، ولم يكن أمام نظام الرئيس صالح سوى الموافقة على حضور المؤتمر، بعد مداولات ساخنة في أروقته نتيجة المفاجأة، خاصة مع حديث براون عن أن النظام في اليمن أصبح فاشلاً.

 وتقررت المشاركة في المؤتمر بوفد رفيع المستوى يرأسه د. علي مجور رئيس الحكومة آنذاك، الذي ألقى خطاباً كشف فيه معظم الثغرات الاقتصادية والتنموية والخدمية التي يعاني منها اليمن، فيما كانت كلمات وزراء خارجية الدول المشاركة في المؤتمر، تركز في جوانبها الأساسية على ضرورة انتشال اليمن من وضعه الاقتصادي والسياسي المتعثر، وركزت بنسبة بسيطة على مخاطر الإرهاب والقاعدة في اليمن، وتلك كانت مفاجأة في حد ذاتها.

لكن المؤتمر تمخض عن قرار بضرورة وقف الحرب السادسة التي كانت قائمة آنذاك مع الحوثيين، وضرورة التوجه إلى إجراء توافق مع المعارضة والحراك الجنوبي، والتركيز على محاربة القاعدة والإرهاب كشروط لتدفق المساعدات. وتم الاتفاق على عقد مؤتمر وزاري آخر خلال شهرين في العاصمة السعودية الرياض، تكون الحكومة اليمنية قد أنجزت خلالهما كل تلك الالتزامات وغيرها، حيث سينشئ اجتماع الرياض صندوقاً لدعم التنمية في اليمن.

ما كان ينبغي إنجازه في شهرين أخذ من نظام صالح ثمانية أشهر، بما في ذلك اتفاق مع المعارضة الممثلة بأحزاب اللقاء المشترك، بشأن آليات جديدة لإجراء الانتخابات النيابية، التي كانت مقررة في أبريل 2011، كان هذا الأداء البطيء مزعجا بالنسبة للدول الراعية لأصدقاء اليمن، والتي اجتمعت مجدداً في نيويورك خلال شهر سبتمبر 2010 على هامش الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة، ووضعت بنوداً جديدة ينبغي تنفيذها قبل اجتماع إنشاء صندوق دعم التنمية في الرياض مطلع 2011. ومن بين البنود الجديدة بند يتعلق بالشفافية في مكافحة الفساد في المجال النفطي، وهو من البنود التي وضعت نظام صالح في زاوية حرجة لم يستطع أن ينجز فيه شيئاً يذكر.

وفي الأثناء ظل الرئيس صالح يلح على إدارة الرئيس أوباما أن تستقبله، فيما ظلت هذه الإدارة تتهرب بسبب إدراكها أن الغرض من الزيارة ليس أكثر من الاستقواء على المعارضة في الداخل، والحصول على مساعدات أمنية وعسكرية جديدة لحرب غير جادة يخوضها ضد القاعدة.

ومع هذا الإلحاح وصلت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى صنعاء في 11 يناير 2011، في زيارة مفاجئة، للضغط على صالح لتلبية متطلبات انعقاد الاجتماع القادم لأصدقاء اليمن، وحثه على التقارب مع المعارضة، خاصة بعد إعلانه ـ عن طريق حزبه ـ عزمه على إجراء تعديل دستوري يقتلع عداد الرئاسة، ويفتح أمامه المجال لدورات رئاسية مفتوحة، تمهيداً لتوريث نجله الرئاسة، وتوجيه الدعوة له ـ أي لصالح ـ لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس أوباما في فبراير 2011.

كان صالح منزعجاً من تخصيص كلينتون أثناء زيارتها وقتاً للقاء قادة أحزاب اللقاء المشترك وقيادات العديد من منظمات المجتمع المدني، المصنفة بأنها معارضة للنظام، وقيل حينها إن كلينتون ناقشت مع المشترك البدائل المحتملة لصالح. ورغم أن زيارتها لصنعاء جرت في ذروة أحداث الثورة التونسية، لكن لم يكن أحد يتوقع ذلك السقوط المدوي للرئيس زين العابدين بن علي خلال أيام من تلك الزيارة، بما في ذلك الأميركيون أنفسهم، وهو السقوط الذي فتح الأبواب مشرعة لانطلاق ثورات الربيع العربي، وتغيرت معها المعادلة الأميركية تجاه اليمن، الذي انطلقت فيه التظاهرات والمواجهات في اليوم التالي لسقوط بن علي.

ولم تأت الأيام الأولى من شهر فبراير 2011، حتى كانت الإدارة الأميركية قد اعتذرت عن استقبال الرئيس صالح، إذ إنها لم ترد تقوية موقفه في وجه الانتفاضة التي أخذت تتسع وتتنامى مع إشراقة كل يوم جديد، وأدركت معها إدارة أوباما أن أمامها فرصة ثمينة للخلاص من حكم صالح، من خلال مساندة إرادة الشعب اليمني لتحقيق ذات الهدف، فإذا كان أصدقاء اليمن قد وصلوا إلى قناعة مبكرة منذ نهاية عام 2009، بأن استمرار هذا الرجل في الحكم أصبح خطراً على أمن واستقرار ووحدة اليمن والمنطقة، فها هي إرادة الشعب اليمني تمضي في نفس التوجه، وسيتبقى فقط تنظيم وترتيب عملية خروجه من الحكم لتجنيب اليمن أية صراعات جانبية أو احتمالات حدوث حرب أهلية.

منذ لحظة جريمة جمعة الكرامة في 18 مارس 2011، اتخذت الإدارة الأميركية قراراً نهائياً بطي صفحة صالح في الحكم، والمضي في الترتيب له، وإعداد اليمن لما بعده. وبالتأكيد أصبحت واشنطن الطرف الدولي الأساسي في عملية التغيير، ومعها الرياض الطرف الإقليمي الأساسي، لضمان تحقيق الثورة السلمية الشعبية اليمنية هدفها الجوهري في التغيير.

ويدرك الأميركيون أن التغيير المنشود في اليمن يجب أن يكون جذرياً، كما أنه ينبغي أن يكون نموذجاً يحتذى في العالم الثالث، وليس في الوطن العربي فقط. ولا يمكن أن يكون التغيير جذرياً إلا إذا حدث تغيير جذري في منظومة الحكم التي أنتجت الفوضى والفساد، وهما السببان الرئيسيان في استشراء الإرهاب والحركات الاحتجاجية المسلحة والعنف، وانهيار هيبة الدولة وسيادة القانون، واقتراب اليمن من مرحلة الفشل التام، وعلى ذلك لا بد من رحيل العائلة الحاكمة، ومعها كل أصحاب النفوذ الاستثنائي الذين أوصل معهم صالح البلاد إلى هذا الوضع الصعب.

ويدرك الأميركيون أن عملية هيكلة الجيش، ستشكل العملية المفصلية في النقل الكامل للسلطة وترسيخ سلطة الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي، والذي أصبح وجوده على رأس الحكم مع حكومة الوفاق الوطني، المرتكز الأساسي الذي ستبني عليه الولايات المتحدة علاقاتها المستقبلية مع اليمن، بعد إدراكها اليقيني أن صالح وأقاربه في الجيش لم يعودوا قادرين على توفير أبسط مقومات الأمن والاستقرار لليمن.

  nasrtahamustafa@yahoo.com

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 9
    • 1) » لندن
      مبروك بروك للكاتب هذا الحليل الماخوذ عن اخيه السفيرالسابق في لندن محمد طه مصطفي تحياتي
      5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً 1   
    • 2) » اذا اراد الشماليين الوحدة مع حضرموت والجنوب العربي هناك شروط
      دولة حضرموت هذه الشروط هي
      1-مكافحة الفساد بكل حزم
      2-محاربة ظاهرة حمل السلاح ومنع واغلاق سوق السلاح والقبض على تجار السلاح
      3- محاربة القات وتجريم من يزرع القات وحضره في الدوائر الحكومية
      4-الرابع وهو المهم الثورة على مشايخ الفبائل والحد من نفوذهم والتحرر منهم وعدم الاعتراف بهم
      5-بسط الأمن وضرب كل من تسول له نفسه الاخلال بالأمن
      6- الركيز على التعليم والاستثمار في التعليم
      7-انشاء بنك للمغتربين واستثمار اموالهم مناصفة مع الحكومة بحيث يستفاد من الفائدة لصالح الشعب
      8-تقنين النسل وتنظيم الأسرة وهذا من اهم المهمات وتحديد سن الزواج
      9- انعاش القطاع السياحي حيث ان اليمن بلد سياحي بالدرجة الأولى
      10- بناء المدن الصناعية في كل محافظة
      11-الاهتمام في مجال الصناعات البحرية حيث ان اليمن يمتلك شريط ساحلي طويل جدا
      5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً    
    • 3) » خاور مستحي
      بن حمود على الأمريكان أن يقتنعوا بانه لاتغيير في اليمن طالما بقي أنصار النظام السابق مسيطرين على المناصب الحساسة وعلى رأسها الجيش أما خصومهم كقائد الفرقة الأولى مدرع فبمجرد رحيلهم لن يكون هناك مبرر لبقائة فالرجل صرح بانه مستعد لترك منصبة فهو يدرك أنه سيترك هذا المنصب حتى من باب تطبيق قانون التقاعد يجب إيعاد أصحاب الإجندات وتصفية الحسابات من المشهد السياسي لنجاح المبادرة وسلامة وأمن اليمن وشركائه
      5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً    
    • 4) » خاور مستحي
      بن حمود أحترم الكاتب والمحلل السياسي الأخ نصر طة إلا أنني أراه في تحليلاته يحاول تلميع سياسة أمريكا في اليمن وبرايي أن رغبة أمريكا للتغيير هي رغبة خاور مستحي كما يقال فهي لاتريد التغيير الشامل في اليمن ولو أرادته لنجحت في ذلك وأفادت وإستفادت ولكن عرقلتها لإعادة الهيكلة وتصريحات السفير الأمريكي هي التي أدت إلى توقف العملية السياسية والرجوع بالأزمة لاوضاع سابقة وهنا أتسائل أنه إذا قبل بشار الأسد بالحل اليمني وغادر إلى موسكو هل سيسمح المجتمع الدولي بعودته إلى سوريا وترأسه لحزب البعث!!!!!!
      5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً    
    • 5) » وجه من صفحات
      محمد عيسى الكاتب وضع حقائق لا باس بها ولكن ما وجه التحليل الان يا نصر الم تكن تلمع سياسة صالح الم تكن تلمع حتى جزمة ابنه الصغير وكنت على استعداد للقيام بذلك لماذا لم تخرج هذه الحقائق كلها ايام ما كنت على ذلك الم تكتب مقالا آنذاك تبارك قيادة فخامة الرئيس السابق وتجعله من ملائكة الحكم الم تقر بنفسك ان الرئيس صنع تاريخ بحكمه الرشيد هل هذا كله علشان فمن نافق في كتاباته فلعنة القلم والصفحات والصحف عليه لو انا مكانك لاعتزلت الحياة الاعلامية ولكن نفستيك دنيئة وتلهث وراء المناصب اينما وقع بك الحال
      5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً    
    • 6) » المعلق راقم 2
      على الداووادي تشكر على هذا التعليق والله يكثر من امثالك هذ اللي نريد
      5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً    
    • 7) » الصنمية البشرية أخطر من الصنمية الحجرية
      د/احمد الصبري على مدار 33عام والحافة اليمنية تسبح بحمد الطاغية عفاش حتى صار في نظرهم قادر على كل شيئ وهذه حقيقة العبادة للصنم البشري والاخ نصر طه يصعب عليه ان يصدق ان صنمه هبل اليمني قد سقط بالفعل منعوذبالله من شر الصنمية
      5 سنوات و 7 أشهر و 22 يوماً    
    • 8) » الله بحفظك يا نصر
      د/محمد بصراحه موقفك يا استاد نصر طه من ثورة الشباب السلميه بعد جمعة الكرامه تماما...برأت ذمتك من العمل مع النظام العائلي الفردي الملكي...لن ينسى لك اليمنيون ذلك اليوم على الاطلاق فكانت فرحتنا بانضمامك للشعب اكبر من فرحتنا بانضملم اللواء علي محسن حفظكم جميعا الله
      5 سنوات و 7 أشهر و 21 يوماً    
    • 9)
      تبتب مطبل يوم بالسلطه ويوم مع المعارضة ..............هات يابي هات
      5 سنوات و 7 أشهر و 21 يوماً    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية