تقرير..مأساة الفقر وراء تسرب الفتاة من التعليم

السبت 16 يناير-كانون الثاني 2010 الساعة 09 مساءً / مأرب برس – السياسية
عدد القراءات 6436

لم تجد مروى، 12سنة - سادس ابتدائي، حيلة، ‏عند ما أجبرتها الضائقة المعيشية الصعبة التي ‏تعانيها أسرتها سوى ترك المدرسة في وقت مبكِّر ‏من العام الدراسي؛ نتيجة لعدم قدرة الأهل على ‏تحمل النفقات المالية المترتبة على تعليمها ‏وأخواتها الخمس، الأمر التي استدعي بقاءها في ‏المنزل لتخفيف الضغوط الحياتية على الأب ‏ومساعدة والدتها في الأعمال المنزلية والاهتمام ‏بأخواتها الصغار. ‏

كانت مروى ضمن 80 طالبة تقطعت بهن سُبل ‏الظروف المعيشية ما أدى إلى انقطاعهن عن ‏الدراسة للأسباب نفسها، حيث تمكّنت إدارة تعليم ‏الفتاة في مكتب التربية والتعليم بعدن خلال الفصل ‏الدراسي الأول للعام الدراسي 2009 / 2010، ‏من إعادتهن مرة أخرى إلى مقاعد الدراسة بفضل ‏جهود مضنية تدخلت فيها أيادي الخير في محاولة ‏لاستقطاب الفتيات إلى أمكانهن المناسبة في حُجرة ‏الدراسة والالتزام بمُراعاة الأوضاع المعيشية التي ‏تمر بها تلك الأسر وتوفير المناخات الملائمة لهن، ‏حتى يتمكّن من إنهاء مراحل التعليم العام والثانوي ‏بنجاح.‏

‏"السياسية" تسلط الضوء على واقع التعليم الفتاة ‏والصعوبات التي تواجه الأداء التربوي والتعليمي ‏في محافظة عدن مع عدد من الجهات المختصة ‏بهذا الشأن. ‏

صمام أمان للفتاة‏

يعاني وضع تعليم الفتاة بالمجتمع اليمني مشاكل ‏عديدة، تجعل منها في كثير من الأحيان موضع ‏اعتبارات وأنماطا لما هو عليه حال الواقع الذي ‏تعيشه الفتاة في محيطها، فإذا كان وضع تعليم ‏الفتاة في المناطق الريفية والنائية يتعثّر بعوائق ‏تختلف باختلاف الخصائص الاجتماعية الثقافية ‏والاقتصادية لتلك المناطق، والتي تقف حجر عثرة ‏في تنفيذ العديد من الخطط والبرامج التي توليها ‏وزارة التربية والتعليم ضمن أجندة استراتيجياتها ‏لتطوير التعليم الأساسي والثانوي، نتساءل عن ‏مشكلة التعليم في محافظات رئيسية مشهود لها ‏بسبق في مجال التعليم والتحصيل العلمي ونسبة ‏التحاق الفتيات لخوض مراحله المختلفة، ناهيك ‏عن انتشار الوعي الثقافي والاجتماعي بين أفراد ‏المجتمع بأحقيّة إعطاء الفتاة الفرص المتساوية لنيل ‏التعليم والارتقاء للدراسات العليا.‏

‏ ‏مشكلات ما بعد الالتحاق

تشير دراسة بحثية متعلقة بتعليم الفتاة ومشكلات ‏ما بعد الالتحاق بالمدارس التعليمية، للدكتور أنيس ‏الطايع، إلى أن مشكلات اقتصادية واجتماعية ‏وتعليمية، خاصة الأخيرة، تلعب دورا مؤثرا في ‏نسبة التحاق الفتيات بمراحل التعليم العام ‏بمحافظتي عدن ولحج. ‏

‏ وأضافت الدراسة إلى عدم قُدرة الأهل على ‏الإنفاق وتحمّل تكاليف الدراسة من أهم المشاكل ‏التي تواجهها الفتيات بعد التحاقهن بالمدارس، ‏مبيّنة أن قلة وعي الأهل بأهميّة تعليم الفتاة ‏وتخوّفهم الدائم من التعليم يؤدي إلى الاختلاط ‏بالأولاد والرجال تأتي بمراتب متقدِّمة بالنسبة ‏لاختيار الطالبات بالمحافظتين. ‏

واستعرضت عيِّنات الدراسة المكونة من 320 ‏طالبة، تمثل طالبات المراحل النهائية من التعليم ‏الأساسي والثانوي بمحافظتي عدن ولحج، أهم ‏الصعوبات التي تقف دون استمرار الفتيات في ‏التعليم العام، متمثلة بعدم ملاءمة المبنى الدراسي ‏وكثافة إعداد الطالبات في الصف الواحد، وما ‏يرافقه من كثرة الواجبات المدرسية مع الانشغال ‏بالأعباء المنزلية عند كثير من الفتيات، مشيرة إلى ‏حاجة الطالبات للمعاملة الطيّبة القائمة على ‏الاحترام المتبادل مع المعلمين والمعلمات، إضافة ‏إلى تنظيم الدورات التأهيلية لطاقم الهيئة التدريسية ‏والتعليمية لتوفير مثل هذه الأجواء التربوية ‏المناسبة والمشجِّعة على الاستمرار في التعليم.‏

سندان الأعراف

يتلخص أهم الأسباب التي تمنع الفتيات من ‏مواصلة تعليمهن وإنهاء المرحلة الدراسية التي هن ‏فيها -حسب رأي مديرة إدارة تعليم الفتاة في ‏مكتب التربية والتعليم بعدن ابتسام صالح علي- ‏في عدم توافق دخل الأسرة مع متطلّبات الحياة ‏الضرورية نلاحظ جزءا كبيرا من دخل الأسر، ‏وخاصة الفقيرة، يتم إنفاقه في أشياء غير أساسية ‏مثل: تعاطي القات تفضيل بعض الأسر تعليم ‏الذكور، بينما الفتاة يتم تزويجها؛ لأن الفتاة ‏مصيرها البيت ممّا يؤثر على نفسيتها ويشعرها ‏بالنقص، وليس لها أهميّة تُذكر.‏

التفكك الأسري له دور مؤثر في سلوك الفتاة ‏وينعكس على الجانب التعليمي لانشغال الوالدين ‏بالصراعات والمشاكل فيما بينها واستخدام الفتاة ‏كأداة، دون مُراعاة لمشاعرها، إضافة إلى إهمال ‏الأسرة لدورها الرئيسي في تربية الأبناء ومتابعتهم ‏من خلال غرس الوازع الديني والأخلاقي في ‏نفوس الفتيات والتواصل بين المدرسة والمنزل ‏لمتابعة سلوكيات الفتيات ومستواهن الدراسي ‏وتدني الوعي الثقافي لبعض الأسر غير المتعلّمة ‏المتمسكة بالعادات والتقاليد القديمة المتشددة في ‏أفكارها، حيث تميل الأسرة إلى تزويج الفتاة ‏مبكرا؛ باعتباره الوضع الطبيعي في نظرهم أو ‏تفضيل بقائها في المنزل للمساعدة في الأعمال ‏المنزلية.‏

تفعيل الدور التربوي

وأشارت إلى أن الإدارة تواجه صعوبات لتفعيل ‏دورها التربوي والتعليمي، تتمثل بعدم وجود ‏موازنة تشغيلية للإدارة نفسها، وهذا يعيق العمل ‏في أحيانا كثيرة، خاصة إن نشاطنا ميداني، حيث ‏لا يمكن زيارة كافة مدارس الفتيات، وخاصة في ‏المناطق النائية والأطراف، واختيار أخصائيين ‏اجتماعيين وفقا للمعايير التربوية الحديثة، القادرين ‏على التواصل مع الطالبات، وفهم مشاكلهن ‏واحتياجاتهن.‏

وأضافت: إدارة تعليم الفتاة في المكتب بعدن تتبنّي ‏عددا من البرامج والخطط التي من شأنها تعزيز ‏الوعي المعرفي بأهميّة تعليم الفتاة، حيث تمكّنت ‏الإدارة منذ نشأتها من إعادة مجموعة من الطالبات ‏المنقطعات عن الدراسة منذ عشر سنوات، وتذليل ‏كافة الصعوبات لهن، التي قد تحول دون ‏مواصلتها لعامها الدراسي. لافتة إلى إقامة عدد من ‏المحاضرات التوعية بالتعاون مع اتحاد نساء اليمن ‏في عدن للتوعية بأهميّة تعليم الفتاة، وكذا التنسيق ‏مع جهاز محو الأميّة لاستقطاب الطالبات في ‏صفوف المتابعة لتأهيل عودتهن إلى صفوف ‏الدراسة (التعليم البديل)، والإشراف على توزيع ‏التغذية المدرسية للفتيات والمشاركة في تشكيل ‏وتدريب مجالس الآباء والأمّهات والأخصائيين ‏الاجتماعيين؛ ليعلبوا دورهم الاجتماعي والتربوي ‏في تشجيع الفتيات على التعليم.‏

إعفاء من الرسوم

ويتفق مدير التوجيه التربوي في المكتب، عوض ‏با شطح، مع مديرية تعليم الفتاة أن ما تم تنفيذه ‏على صعيد الواقع العملي للإستراتيجية الوطنية ‏لتطوير التعليم الأساسي والثانوي بمدارس ‏المحافظة كان له الأثر الواضح في عودة الطالبات ‏إلى المدارس.. موضحا أنه تم تطبيق مبدأ اعفاء ‏الطالبات من الرسوم المدرسية من 1-6 بنات ‏و1-3 بنيين، إقامة العديد من المشاريع مثل بناء ‏مدارس جديدة للفتيات وفصول إضافية، وتوفير ‏مصادر التعليم (الحاسوب) في كثير من مدارس ‏الفتيات، وتفعيل مادة التدبير المنزلي في عدد من ‏مدارس البنات بالمحافظة.‏

‏ ‏ بيئة ملائمة للفتيات

وحول كيفية خلق جو تعليمي تفاعلي للفتيات، ‏أضاف مدير التوجيه التربوي في المكتب: أنه يتم ‏عن طريق إيجاد بيئة مدرسية ملائمة للفتيات في ‏كافة النواحي وتفعيل الأنشطة اللاصفية كالرياضة ‏النسوية والتدبير المنزلي وتدريسها من قبل ‏مؤهلين متخصصين في هذا المجال، إضافة إلى ‏مراعاة ميول وقدرات الفتيات نحو التعليم والعمل ‏المستقبلي وتعزيز حلقة التواصل المستمر بين ‏المدرسة والأسرة لتنفيذ البرامج التكميلية بما يسهم ‏من تحسين مستوى التلقي والمشاركة عند الفتيات ‏ويخدم مخرجات العملية التعليمية والتربوية.‏

‏ ‏ إحصائيات عن شبح الأمية.. للنساء

تعكس إحصائيات منظمة اليونيسيف بأن 70 ‏بالمائة من فقراء العالم هم من النساء.. منوهة إلى ‏أن النساء حول العالم يكسبن في المعدل فقط ثلاثة ‏أرباع ما يكسبه الرجل، وأنهن يؤدين ثلثي ساعات ‏العمل في العالم سنويا، كما أنهن لا يملكن سوى ‏عُشر ثروة العالم، ونسبة قليلة جدا من الممتلكات.. ‏مبيّنة أن ثلثي الأميين الراشدين في العالم، وعددهم ‏‏875 مليونا، هم من النساء، ممن أجبرتهن ‏ظروفهن المعيشية والاقتصادية الخروج والابتعاد ‏عن التعليم.‏

في حين يبيّن تقرير وضع المرأة في اليمن لعام ‏‏2007 وجود 526 من الإناث في العُمر 6 - 41 ‏سنة خارج صفوف الدراسة في المرحلة الأساسية ‏ومن بينهن 63 بالمائة، من الإناث عُمر 6 سنوات ‏غير مقيدات في الصف الأول أساسي، وارتفاع ‏نسبة التسرّب بين الإناث في المرحلة الأساسية ‏لتصل إلى 15 بالمائة، وتزداد النسبة بين الإناث ‏في الصف الأول أساسي لتصل إلى 22 بالمائة في ‏العام 2006.‏

‏ كما بيّن التقرير أن بقاء 46 بالمائة من الإناث ‏و28 بالمائة من الذكور في الأعمار 6 -41 سنة ‏متسربين من التعليم سيمثلون المصدر الخصب ‏للامية في اليمن في السنوات المقبلة.‏

المرأة تزرع وغيرها يحصد‏

تبدأ أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عدن ‏الدكتورة سميرة سعيد قولها: "أخطر وسائل هدم ‏لكيان المرأة، والفتاة خاصة، الوصول إلى الشعور ‏بالنقص وعدم الجدوى من فاعليتها في المجتمع، ‏وهذا يتسبب في حصر شخصيتها وهدر طاقاتها ‏وإعاقة نموها الاجتماعي والإنساني فنجدها تتحول ‏إلى شخصية ضعيفة مهزوزة لا تستطيع التعامل ‏بثقة بما يجري في محيطه". مبينة أن الصف هو ‏المكان الأمان التي تستطيع الفتاة أن تبزر قدراتها ‏وإبداعها وصقل شخصيتها في شتى النواحي ‏العلمية والفكرية والثقافية.. مؤكدة على أهميّة ‏تعزيز تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في ‏ميدان التعليم لضمان حصول الفتيات والفتيان على ‏فرص متساوية في الحياة.‏

لكل شخص ألحق في التعليم

العلم فرض على كل مسلم ومسلمة، حثُّ الفتاة ‏على التعليم يعود عليها بمنافع كثيرة تعمّ فائدتها ‏على الأسرة والمجتمع، فالتعليم يمكّن الفتاة من ‏زيادة الوعي المعرفي والثقافي لها، ويزيد من ثقتها ‏وقدراتها في اختيار القرارات المناسبة لأمور ‏حياتها وأسرتها، هذا ما يؤكده رئيس جمعية علماء ‏اليمن - فرع عدن، الشيخ صادق محمد ‏العيدروس، مشيرا إلى أن واجب الخطباء ‏والمرشدين والمرشدات القيام بدورهم المأمول في ‏توعية وتنوير المجتمع حول تشجيع تعليم الفتاة ‏باعتباره حقا من حقوقها الحياتية، التي كفلتها ‏الشريعة الإسلامية الغراء.‏

التعليم أولا.. وثانيا.. وثالثا‏

‏ يقول إسماعيل أحمد موظف سابق في مكتب ‏المعاشات بعدن (أب لولدين وبنت): لا أعرف ‏التفرقة بين تعليم بنت وولد، الجميع يُعامل نفس ‏المعاملة، وأقسو على الأولاد قليلا لكي يركزوا ‏على دراستهم ومستقبلهم، أما البنت لله الحمد دائما ‏متفوّقة، وأنا فخور بها".. موضحا "أن من واجب ‏رب الأسرة توفير سُبل العيش الكريم لأولاده ‏وتعليمهم بأحسن المدارس لتأمين مستقبلهم، ‏وخاصة نحن في زمن الشهادة مهمّة للحصول ‏على وظيفة، ولا أرى من الصواب الطلب من ‏ابنتي البقاء في المنزل بسبب ظروف عائلية أو ‏مادية؛ لأن بقاءها لن يقدّم أي حل للمشكلة".‏

أما سناء. ش، 16سنة، تقول: "تزوجت في السنة ‏الماضية، وبعد ثمانية أشهر تم الطلاق، بسبب عدم ‏التفاهم مع أسرة زوجي ومقدرتي العيش مع أمّه ‏وإخوانه في المنزل نفسه، لم يحصل وفاق بيننا، ‏استغل ذهابي إلى منزل والدي في شهور الحمل ‏الأولى، قام بتطليقي بضغط من والدته". وأضافت: ‏‏"والدي لم يشجّعني على الزواج كان يرغب بإكمال ‏دراستي ودخول الجامعة، لكن خروج صديقاتي ‏من المدرسة شجّعني على عدم الاستمرار ‏بالتعليم.. اليوم أنا خجولة من والدي وولدتي في ‏السابق كانوا ملزمين بتربيتي والاهتمام برعايتي ‏أنا وأخواتي، الآن زاد الحمل عليهم بوجود ابنتي ‏التي رفض والدها الإنفاق عليها".‏

شعور إسماعيل وسعادته في تربية أبنائه وحمايتهم ‏وحكمة والد سناء لطيش ابنته وعدم صبره تفتقده ‏كثير من الفتيات اللاتي أضاعتهن مشاكل التفكك ‏الأسري تارة وسيادة التقاليد تارة أخرى مع توسّع ‏الفجوة في العلاقة الحميمة بين الفتاة وعائلتها، التي ‏أخذتها دوّامة الحياة من هموم ومشاكل وغلاء في ‏زمن ندر فيه الحلول وتكالبت عليه المشاكل؛ ‏لتكون أحد ضحاياه فتيات صغيرات يبحثن عن ‏آذان صاغية وقلوب عطوفة تتلمس احتياجاتهن ‏ومتطلباتهن.‏

اكثر خبر قراءة طلابنا