ماراتون الحرب اليمنية: مأرب أم المعارك

الإثنين 22 نوفمبر-تشرين الثاني 2021 الساعة 09 صباحاً / مأرب برس ـ العربي الجديد
عدد القراءات 3144

حرب مأرب تنتظر جولة جديدة أقوى من سابقاتها، بعد أن وصلت المساعي الدبلوماسية إلى طريق مسدود، ولم يفلح المبعوثان الأممي هانس غروندبرغ والأميركي تيم ليندركينغ، في إقناع الأطراف المحلية والإقليمية، بالتوصل إلى وقف إطلاق النار. وبدأ الطرفان الحشد من أجل المعركة الجديدة. قوات الجيش الوطني التابع للحكومة اليمنية الشرعية دفعت بتعزيزات كبيرة ومدربة إلى المحافظة، توزعت على الجبهات، للاشتراك في العمليات العسكرية التي يشنها الجيش الوطني وقبائل مأرب. من جانبهم، واصل الحوثيون حرب الاستنزاف بقصف مأرب بالصواريخ، في محاولة لإنهاك الجيش الوطني والقبائل، وفي موازاة ذلك تستمر غارات التحالف في محافظتي البيضاء ومأرب وصنعاء وصعدة، في الوقت الذي كثّف الحوثيون من عمليات القصف باتجاه المنشآت الحيوية والمقرات العسكرية السعودية في الأسبوع الأخير، على نحو تجاوز كل عمليات التصعيد السابقة.

بدأ الحوثيون هجومهم الكبير على المحافظة في فبراير/شباط الماضي، بعد أيام من إعلان الإدارة الأميركية نيّتها رفعهم عن لوائح الإرهاب، وتلا ذلك قرار واشنطن تعيين مبعوث خاص. وضاعف الحوثيون هجماتهم في مأرب للسيطرة عليها، كونها أهم وآخر معاقل الحكومة الشرعية والمقر الرئيسي لوزارة الدفاع، فضلاً عن تمتعها بثروات النفط والغاز، وفيها محطة مأرب الغازية، التي كانت قبل الحرب تغذي معظم المحافظات بالتيار الكهربائي، وبالإضافة إلى ذلك هي آخر ورقة يلعبها الحوثي في شمال اليمن، وعليها يترتب الربح والخسارة في الحرب الدائرة منذ أكثر من سبعة أعوام.

كادت مأرب أن تسقط في الفترة الماضية لولا تدخّل أحزاب عدة

ومرت حرب الحوثيين على مأرب بمحطتين أساسيتين. الأولى في مطلع عام 2015 بعد أن استولت الجماعة الحوثية على محافظة البيضاء، التي وصلت إليها في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2014 بعد إحكامها السيطرة على العاصمة، وكانت الوجهة التالية محافظة مأرب الاستراتيجية التي تبعد عن صنعاء 170 كيلومتراً. وهاجم الحوثيون المحافظة بوحدات من الحرس الجمهوري التابع للرئيس السابق علي عبدالله صالح، والتي كانت تتمركز في أطراف المدينة، وعدد كبير من عناصرهم داخل مأرب، لكن وقت الهجوم كان قد تأخر إلى حدّ ما، فقد استكمل الطرف الآخر استعداداته المتاحة لخوض معارك عنيفة أعاقت التقدم الحوثي، وقام محافظ مأرب اللواء سلطان العرادة بدور كبير في هذا السياق. فهو من الشخصيات التي وقفت إلى جانب الحكومة الشرعية، ومن موقعه القبلي دفع برجال القبائل وما تبقى من قوات عسكرية مناهضة للحوثيين للمعركة. وفي إحدى المواجهات قُتل نجل العرادة في معارك الدفاع عن مأرب في أغسطس/آب 2015، ما بعث برسالة مفادها أن أهل المحافظة على استعداد للتضحية بأعز ما يملكون في سبيل دحر الحوثي عن أرضهم. ودفع صمود مأرب التحالف الذي تقوده السعودية لاتخاذ قراره بالتدخل الميداني الحاسم الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تحرير سد مأرب في أواخر سبتمبر/أيلول 2015، والتقدم في تحرير باقي مناطق المحافظة وصولاً إلى مشارف محافظة صنعاء، والاقتراب من العاصمة. وتحوّلت مأرب بعد ذلك إلى منطلق لتحرير محافظة الجوف القريبة وأجزاء من محافظة صنعاء.

أما المحطة الثانية فتمثلت بالحملة العسكرية، التي تشنها جماعة الحوثيين منذ يوليو/تموز 2020 للسيطرة على المحافظة، وتم الهجوم من ثلاثة محاور رئيسية الأول من محافظة الجوف، والثاني من جهة الجنوب غرب في المديريات الحدودية مع محافظة البيضاء، والثالث جنوباً في صرواح وغرباً في مديرية نهم. واشتد الهجوم الحوثي في فبراير ومارس/آذار 2021. واعتبر محللون أن الأطراف المتحاربة تسعى لتحسين أوضاعها الميدانية قبل أي محادثات، وأحرز الحوثيون تقدماً في مأرب في الأشهر الماضية نتيجة لعدة أسباب، على رأسها تراجع دعم التحالف والتركيز على جبهات أخرى مثل الساحل الغربي. والسبب الثاني هو حالة التعب التي لحقت بالمقاومة المحلية، التي تشكل عماد القوة الأساسية التي تدافع عن المحافظة منذ عام 2012.

كادت المنطقة أن تسقط بعد أن خسرت القوات التي تدافع عنها عدة مواقع استراتيجية في النصف الثاني من أكتوبر الماضي، الأمر الذي استنفر أحزابا سياسية في المحافظة معربة عن استغرابها الشديد من إخفاق التحالف فيما وصفته بـ"سوء إدارة المهمة التي أنيطت به". ودانت تلك التشكيلات، في بيان شديد اللهجة، ما وصفته بخذلان قيادة الحكومة الشرعية لمحافظة مأرب. واعتبر مراقبون أن هذا البيان جاء متأخراً، وما عبّرت عنه الأحزاب لا يتوافق مع قيادتها على المستوى الوطني، ذلك أن فروع الأحزاب في مأرب لها مواقف تتجاوز الصراع الحزبي خارج المحافظة، وهو الأول من نوعه لمكونات سياسية مشاركة في الحكومة، وتتمتع بعلاقات وثيقة مع التحالف بقيادة السعودية، وهي: المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الناصري. ورجح البعض وجود صفقة ستسمح لأطراف من التحالف بمحاصرة مأرب كما حدث في محافظة تعز، وهذا معطوف على الموقف الأميركي من الحوثيين، ورفع بعض العقوبات عنهم.

وضع الحوثيون منذ مطلع عام 2020 عدة أهداف في مقدمتها تأمين صنعاء من أي هجوم بري محتمل، وتمكنوا من كسب عدة مواجهات مع الجيش اليمني الشرعي، وأهم تقدم عسكري حققوه كان في مديرية نهم بصنعاء في أواخر يناير/كانون الثاني 2020، بعد أربع سنوات من استيلاء القوات الحكومة اليمنية عليها. ونهم هي سلسلة جبلية تقع على بعد 40 كيلومتراً شرق العاصمة صنعاء. ومكّن ذلك الحوثيين من التقدم نحو محافظتي الجوف ومأرب. وتوغلوا في الجوف، الغنية بالنفط، المحاذية لمحافظة صعدة معقلهم والمجاورة للسعودية. وفي يونيو 2020 تقدم الحوثيون في محافظة البيضاء، وبالتالي باتت محافظة مأرب محاصرة من عدة محاور، ولذلك تقدموا في يوليو 2020 نحو منشآت النفط والغاز في منطقة صافر ومدينة مأرب.

تبدو معركة مأرب للحوثي وجودية بالنظر إلى كل ما حققه من تقدم على الأرض، بدءاً من السيطرة على صنعاء في سبتمبر 2014، وبعد أن استولى على القسم الأكبر من مساحة شمال اليمن لم يبق في طريقه سوى هذه المحافظة التي تعد الوحيدة الموالية للشرعية والسعودية. في الجنوب يسيطر المجلس الجنوبي الانتقالي، وفي الساحل الغربي قوات طارق صالح. وفي حال نجح الحوثي بالاستيلاء على المحافظة، فإن ذلك يعني إنهاء الحكومة الشرعية، وخسارة السعودية للحرب، وسيصبح الحوثي هذه المرة على حدود السعودية، وسيمد ذلك إيران بورقة قوة مهمة جداً.

تُعتبر معركة مأرب وجودية للحوثيين بالنظر إلى ما حققوه من تقدم ميداني

الموقع الجيوبولتيكي والمردود الاقتصادي يغريان الحوثي بمواصلة الحرب على المحافظة، التي كانت تزوّد اليمن باستهلاكه من النفط والغاز، وتعود على الموازنة العامة بحوالي 2.2 مليار دولار سنوياً. ومنها سوف ينفتح طريق الحوثيين باتجاه منطقة حضرموت ذات الاحتياطي النفطي الكبير في اليمن الموجود في وادي المسيلة، وكذلك مركز تسييل الغاز في بلحاف، علاوة على منفذ بحري على بحر العرب كانت تحلم به السعودية منذ زمن طويل. وستكون معركة حضرموت سهلة إذا نجح الحوثيون في السيطرة على مأرب التي تشكل آخر عقدة في وجه مشروعهم، وذلك بسبب طبيعتهما القبلية، وهذا أحد أهداف الحوثي من احتلال المحافظة التي تعد معقلاً قبلياً رئيسياً ومتماسكاً.

ويؤدي المحافظ العرادة دوراً أساسياً في ذلك، وينسب له الفضل في توجيه الحراك القبلي من أجل تحقيق مكاسب سياسية للمحافظة واليمن، وقبل أن يختلف عام 2010 مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ويغادر حزب المؤتمر الشعبي العام كانت محافظة مأرب مفتوحة على النزاعات القبلية، ومخترقة من تنظيم القاعدة. وجاء العرادة ليوحّد كلمتها، وصار يلعب دوراً على مستوى البلد، وهذا ما تجلى خلال ثورة 2011 التي أيدها وانضم إليها، وهو شيخ قبيلة ولواء سابق في الجيش وقيادي في الحزب الحاكم. ولم ينجح صالح في ثنيه عن موقفه، واستمر في ذلك ووقف مع المبادرة الخليجية للحل في اليمن، وكان أهم قرار اتخذه الرئيس عبد ربه منصور هادي هو تعيين العرادة محافظاً لمأرب. وهذا ما أثار ارتياحاً شعبياً وقاد إلى ترتيب وضع المحافظة التي تقف اليوم كآخر معقل للشرعية في وجه العاصفة الحوثية، وما تبقى من قبائل خارجة عن سيطرة الحوثي. وهذا ليس تفصيلاً بل هو أحد مفاتيح حكم اليمن، فما كان للإمامة أن تخسر المعركة لو لم تقف ضدها قبائل البيضاء ومأرب والجوف. ومن هنا، فإما أن ينكسر المشروع الحوثي ويتراجع من مأرب، أو يتجاوز هذه العقدة ويتمدد جنوباً، وتلك جولة أخرى قد تقود إلى إعادة التشطير. إلا أن خسائر الحوثي في الشهرين الأخيرين تجعل مهمة السيطرة على مأرب عسيرة، فالجماعة الحوثية اعترفت بسقوط 14700 قتيل في صفوفها في مأرب منذ يونيو الماضي، والتحالف أعلن عن مقتل 27 ألف مقاتل حوثي في المعركة.

اكثر خبر قراءة أخبار اليمن