النفط وفرنسا ومآرب أخرى.. لهذه الأسباب يزور أردوغان 3 دول إفريقية بوفد كبير ورفيع

الأربعاء 20 أكتوبر-تشرين الأول 2021 الساعة 10 مساءً / مأرب برس - عربي بوست
عدد القراءات 2989
 

تُمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى ثلاث دول من غرب إفريقيا وجنوبها، جزءاً من استراتيجية تركيّة متوسطة وطويلة الأمد للشراكة مع إفريقيا، انطلقت منذ أكثر من عشرين عاماً، ومن المرتقب أن تدخل حقبة جديدة قبل نهاية هذا العام. 

 

وتأتي زيارة أردوغان إلى كل من أنغولا وتوغو ونيجيريا، ما بين 17 و20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في سياق دولي أهم ما يميزه تزعزع مكانة فرنسا وهيبتها لدى مستعمراتها السابقة في القارة السمراء، بعد إخفاقها في منطقة الساحل وإفريقيا الوسطى.

 

في الوقت الذي تسعى فيه تركيا لتوسيع نفوذها بإفريقيا، ومزاحمة النفوذ الصيني والروسي المتصاعد بالقارة، واستغلال فرصة تراجع الاهتمام الغربي بمشاكل وتطلعات الأفارقة.

 

وفي هذا السياق يُقدم أردوغان تركيا كشريك وصديق وَفيّ للأفارقة، في مواجهة القوى الاستعمارية القديمة والجديدة.

 

ويرافق أردوغان وزراء الخارجية مولود تشاووش أوغلو، والدفاع خلوصي أكار، والتجارة محمد موش، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز، بالإضافة إلى رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة فخر الدين ألطون.

   

ويعكس مستوى الوفد الرئاسي نوعية ملفات التعاون الثقيلة التي يحملها الرئيس أردوغان، سواء تلك المتعلقة بالتجارة أو الاستثمار، بل حتى التعاون الأمني والعسكري، في قارة يشكل الهاجس الأمني أحد أهم الأسباب التي تعيق نموها الاقتصادي.

 

إذ إن تطور الصناعات العسكرية التركية في الأعوام الأخيرة، والشهرة العالمية التي أصبحت تحظى بها طائرات بيرقدار المسيّرة عالمياً، لدورها في حسم عدة معارك في أذربيجان وليبيا وسوريا، جعلها محل اهتمام عدة دول إفريقية، نظراً لفاعليتها في مكافحة الإرهاب، وسعرها الذي يقل بأكثر من 20 مرة عن الطائرات الحربية المكلفة.

 

واختيار أردوغان لكل من أنغولا ونيجيريا وتوغو لم يكن اعتباطياً، بل يمثل كل بلد أهمية خاصة في استراتيجية تركيا لتوسيع شراكتها مع الدول الإفريقية، ليس فقط من خلال القوة الناعمة، بل انتقلت إلى مرحلة القوة الصلبة من خلال تصدير الأسلحة، ومساعدة الدول الإفريقية في مكافحة الإرهاب والقرصنة.

 

وتُمهد هذه الزيارة لانعقاد المنتدى التركي الإفريقي الثالث للاقتصاد والأعمال، يومي 21 و22 أكتوبر الجاري، قبل أن تستضيف إسطنبول قمة الشراكة التركية الإفريقية الثالثة، يومي 17 و18 ديسمبر/كانون الأول.

 

ويُعول الرئيس أردوغان أن تدخل العلاقات بين تركيا والاتحاد الإفريقي، بعد هذين الحدثين "حقبة جديدة". 

 

أنغولا.. الطاقة والسلاح

 

زيارة أردوغان لأنغولا، التي تعد الأولى من نوعها لرئيس تركي، جاءت بعد ثلاثة أشهر فقط من زيارة الرئيس الأنغولي "جواو مانويل لورنسو" إلى أنقرة، ما يعكس رغبة لدى البلدين للارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى آخر، وبسرعة أكبر.

 

وتكمن أهمية أنغولا بالنسبة لتركيا، في كونها ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث إنتاج النفط، بمعدل 1.777 مليون برميل يومياً في 2015، إلا أن هذا الإنتاج تراجع بشكل حاد في السنوات الأخيرة، ولم يتعدّ 1.150 مليون برميل يومياً في الربع الأول من 2021، بحسب موقع الطاقة، ما أتاح لليبيا تخطيها بفضل ارتفاع إنتاجها اليومي إلى 1.3 مليون برميل.

 

وأنغولا التي لم تستقل عن البرتغال إلا في 1975، تعاني نقصاً حاداً في الاستثمارات بقطاع النفط، ما تسبب في تراجع إنتاجها، بالإضافة إلى آثار كورونا على اقتصادها، والتزام البلاد بحصتها التي حددتها لها منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).

   

وهذا الوضع يمثل فرصة لتركيا وأنغولا لتعزيز تعاونهما في قطاع الطاقة، ليس فقط تجارياً، بل أيضاً من خلال ضخ استثمارات تركية لإنعاش هذا القطاع.

 

وهو ما أشار إليه أردوغان، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأنغولي، قائلاً "أنا على ثقة أن هناك فرصاً كبيرة للتعاون بين تركيا وأنغولا في مجال الطاقة".

 

فالتبادل التجاري بين البلدين متواضع جداً ولم يتجاوز 177.5 مليون دولار في 2020، ويهدف البلدان بحسب أردوغان، إلى رفع هذا الرقم إلى 500 مليون دولار.

 

كما أن مكافحة الإرهاب والقرصنة، إحدى مجالات التعاون المهمة، التي من المفترض أن تأخذ نصيبها من اهتمام البلدين.

 

فأنغولا التي خاضت حرباً أهلية طويلة (1975-2002)، وعانت من تداعيات حرب الكونغو الثانية (1998-2003)، تواجه حالياً انتشار القرصنة والإرهاب البحري والهجوم على ناقلات النفط في خليج غينيا، ما يهدد صادرات النفط الأنغولية.

 

والتزم أردوغان في هذا الصدد بمواصلة تركيا "الوقوف بجانب السلطات الأنغولية في مكافحة الإرهاب".

 

ولم ينس أردوغان الحديث عن جوانب التعاون الأخرى، سواء التعليمية أو الثقافية أو السياحية، في بلد يبلغ فيه عدد السكان أكثر من 32 مليون نسمة، قائلاً "أنا على ثقة أن الخطوات التي سنقطعها في مسألة التأشيرة ستُسهم في تعزيز التعاون البشري والسياحي".

 

توغو.. لقاء رباعي في عشّ فرنسا الإفريقي

 

لا تملك توغو نفس الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها نيجيريا وأنغولا، سواء نفطياً أو سكانياً أو من حيث المساحة، فهي من أصغر البلدان الإفريقية مساحة (57 ألف كلم مربع)، وأقلهم سكاناً (7.5 مليون نسمة).

 

ومع ذلك جاءت زيارة أردوغان، الأولى من نوعها إلى توغو، لتوجه رسالة تحدٍّ إلى فرنسا، التي تعتبر مستعمرتها السابقة امتداداً لنفوذها في غرب إفريقيا.

 

واكتست الزيارة أهمية أكبر، لأنها جمعت أردوغان برئيسي بوركينافاسو "كريستيان كابوري"، وليبيريا "جورج ويا"، إلى جانب رئيس الدولة المضيفة "فور غناسينغبي". 

 

والدول الثلاث كانت جميعها خاضعة للنفوذ الفرنسي، وهذا ما يفسر اهتمام الصحافة الفرنسية بهذه الجولة، وقلقها من نتائجها، على نفوذ بلادها في الساحل وغرب إفريقيا.

 

فكل من توغو وبوركينافاسو وليبيريا لا تملك اقتصادات قوية أو موارد ذات أهمية استرتيجية كبيرة، لكن حاجتها إلى دعم تركيا في مكافحة الإرهاب ملحة، بل مصيرية.

   

فبوركينافاسو، تعاني منذ سنوات من تمدد الجماعات الإرهابية الموالية لتنظيمي القاعدة وداعش من مالي والنيجر إلى شمالها المضطرب.

 

بينما تخشى توغو المجاورة لبوركينافاسو من الجنوب أن تصل إليها الجماعات الإرهابية إلى أجزائها الشمالية، القريبة من منطقة الحدود الثلاثة بين مالي والنيجر وبوركينافاسو، والتي استولى تنظيم "داعش الصحراء الكبرى" على أجزاء واسعة منها.

 

أما ليبيريا، فتعاني على غرار توغو وأنغولا ونيجيريا، المطلة جميعها على خليج غينيا، من القرصنة البحرية، التي تهدد التجارة العالمية بهذه المنطقة الحيوية من القارة.

 

ورئيس توغو كان صريحاً في التعبير عن هذه الحاجة، حينما قال إن بلاده "ترغب في الاستفادة من خبرات تركيا العسكرية، والتعاون معها في مجال مكافحة الإرهاب".

 

وتعاني البلدان الثلاثة كغيرها من دول العالم من انتشار وباء كورونا، ووعد أردوغان بتقديم تبرعات لها من اللقاحات المضادة للفيروس.

 

كما أن زيارة توغو كانت فرصة لتجفيف أذرع "منظمة غولن" في إفريقيا، حيث أشاد أردوغان بوقوف رئيس توغو إلى جانب تركيا في مكافحة التنظيم، من خلال تعليماته بإغلاق المدرسة التابعة له في العاصمة لومي، والسماح لوقف المعارف التركي بافتتاح مدارس بالبلاد.

 

نيجيريا.. حجر الزاوية

 

تمثل نيجيريا حجر الزاوية في استراتيجية تركيا في دول إفريقيا جنوب الصحراء، بالنظر لكونها أكبر منتج للنفط في القارة، وتملك أكبر احتياطات الغاز الطبيعي بإفريقيا، ناهيك عن أنها الأكبر على الإطلاق من حيث عدد السكان قارياً.

 

هذا ما يجعل من نيجيريا عملاقاً إفريقياً وشريكاً هاماً لتركيا، بفضل سوقها الواعدة التي تضم أكثر من 206 ملايين مستهلك، واقتصادها الأكبر من حيث الناتج الداخلي الخام، متفوقة على دول كبيرة في القارة مثل جنوب إفريقيا.

 

لذلك فالتعاون التركي النيجيري ليس حديثاً كما هو الحال بالنسبة لأنغولا وتوغو، بل إن أبوجا أكبر شريك تجاري لأنقرة بين دول إفريقيا جنوب الصحراء، بحجم مبادلات سنوية يصل إلى ملياري دولار.

 

إذ تستورد تركيا الغاز المسال من نيجيريا منذ إنتاجه أول مرة في 1999، وبلغ حجم الغاز المستورد 1.5 مليار متر مكعب سنوياً منذ 2015.

 

وتحتاج نيجيريا لدعم تركيا في تمويل مشاريعها الغازية خاصة أنبوب (AKK) الرابط بين حقول الغاز في دلتا النيجر بالجنوب ومدينة كانو في أقصى الشمال، خاصة بعد تراجع شركات صينية عن تمويله. 

   

غير أن هذا العملاق الطاقوي ليس بالقوة التي توحي بها هذه الأرقام، إذ إن نيجيريا تعاني من شمالها إلى جنوبها تحديات أمنية صعبة، ففي الشمال ذي الغالبية المسلمة يسيطر تنظيم "داعش غرب إفريقيا" على معظم أجزاء ولاية بورنو (شمال شرق)، بينما تراجع تنظيم "بوكو حرام" نحو المناطق الغربية والوسطى غير بعيد عن العاصمة أبوجا، ناهيك عن عصابات الخطف والحرابة المنتشرة في أجزاء واسعة شمالي البلاد.

 

وفي الجنوب، ذي الغالية المسيحية، والغني بالنفط، تنتشر جماعات متمردة مثل "منتقمو دلتا النيجر"، بالإضافة إلى قراصنة خليج غينيا، والتي تهدد تطور صناعة النفط والغاز بدلتا النيجر.

 

وهذه الأوضاع الأمنية الصعبة شمالاً وجنوباً لم تسمح لنيجيريا بلعب دور "شرطي غرب إفريقيا"، رغم قوتها النفطية والبشرية، بل اضطرت للسماح لدولة صغيرة مثل تشاد لدخول أراضيها ومطاردة عناصر بوكو حرام وداعش غرب إفريقيا في منطقة حوض بحيرة تشاد.

 

الأمر الذي يجعل حاجة نيجيريا إلى تعاون وثيق مع تركيا في مكافحة الإرهاب مسألة مصيرية، خاصة أن اتفاقية التعاون العسكرية بين البلدين دخلت حيز التنفيذ في 2018، والتي تشمل مكافحة قراصنة البحار، وتنفيذ مناورات ثنائية، وتبادل الوفود العسكرية، وإرسال مراقبين لمناورات البلدين.

 

ومن المرتقب أن يتم توسيع التعاون العسكري بين البلدين، خاصة ما تعلق ببيع أسلحة تركية لنيجيريا لمكافحة إرهاب داعش وبوكو حرام، على غرار الطائرات المسيرة من نوع بيرقدار، المناسبة لعمليات مكافحة الإرهاب.

 

وواجهت أبوجا صعوبات في الحصول على أسلحة نوعية لمكافحة الإرهاب من دول غربية، حيث علقت الولايات المتحدة الأمريكية في يوليو/تموز الماضي، صفقة أسلحة مع نيجيريا لبيع 12 طائرة هليكوبتر هجومية من طراز كوبرا، بقيمة 875 مليون دولار، بسبب اتهامات بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان.

 

وتعد تركيا أحد الخيارات المتاحة أمام أبوجا لاستيراد أسلحة نوعية في مواجهة التهديد الإرهابي لأراضيها.

 

وتأتي زيارة أردوغان إلى تركيا لترفع سقف التعاون بين البلدين إلى مستويات أعلى، اقتصادياً وأمنياً، خاصة أن البلدين يملكان فرصاً هائلة للتعاون والتكامل.

 

إلا أن هذه الجولة الـ15 لأردوغان كرئيس للوزراء، ثم رئيس لتركيا، إلى إفريقيا، ليست سوى حلقة في استراتيجية أنقرة لتعزيز شراكتها مع القارة السمراء