بعد عدة لقاءات عقدتها المخابرات التركية مع الامارات طحنون يهرول إلى أردوغان ويتعهد باستثمارات عملاقة في تركيا

الخميس 19 أغسطس-آب 2021 الساعة 08 مساءً / مأرب برس - القدس العربي
عدد القراءات 4077

 

على عكس ما يعتبر الكثيرون، فإن التقارب التركي- الإماراتي الذي تجسد مؤخراً في اللقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد آل نهيان لم يكن مفاجئاً وإنما سبقه الكثير من المؤشرات والسياقات وحتى التصريحات التي مهدت للإعلان عن هكذا لقاء يتوقع أن يكون مقدمة للقاءات سياسية على مستوى أرفع على المديين القريب والمتوسط.

فإلى جانب السياق العام الذي مهد للإعلان عن هذا التقارب، يوجد الكثير من العوامل السياسية والاقتصادية المشتركة والخاصة بكل بلد لفهم الدوافع التي ساعدت في حصول هذا التقارب وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام آفاق للتعاون الاقتصادي بين البلدين، يُتوقع أن يسبق تقدم كبير في التقارب السياسي، الذي سيحتاج إلى وقت أطول لكسر الجمود وبناء الثقة التي فقدت طوال سنوات من العداء المعلن بين البلدين.

السياق العام

تعتبر التغيرات السياسية والاقتصادية التي عصفت في العالم في السنوات الأخيرة من أبرز العوامل التي دفعت البلدين نحو عملية إعادة الحسابات وتقييم العلاقات، فعلى الجانب السياسي يعتبر وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الحكم من أبرز المتغيرات التي دفعت أنقرة وأبوظبي نحو تنويع التحالفات السياسية، واقتصادياً تعتبر الآثار الكارثية لانتشار وباء كورونا من أبرز العوامل التي دفعتهما للبحث عن شراكات جديدة.

أما خصوصية الجانب التركي، فتتمثل في التوجه العام للرئيس أردوغان الذي بدأ منذ نحو عام التركيز على محاولة تقليل الأعداء والخلافات والعودة لسياسة صفر مشاكل، التي اتبعها حزب العدالة والتنمية منذ وصوله للحكم قبل نحو 20 عاماً لكنها انتهت بحزمة كبيرة جداً من المشاكل مع معظم دول الإقليم. هذا التوجه السياسي ركز بدرجة أساسية على محاولة تحسين العلاقات مع محور مصر والإمارات والسعودية.

خطوات تمهيدية

ومرت مساعي تحسين العلاقات بين تركيا والإمارات بخطوات تدريجية معلنة وغير معلنة، ففي رمضان الماضي تبادل وزيرا خارجية البلدين التهاني بحلول الشهر في اتصال هاتفي هو الأول منذ 5 سنوات، وترافق ذلك مع تصريحات إيجابية صدرت عن مسؤولين من البلدين كان أبرزها لوزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، التي شدد فيها على أن بلاده “لا تعتز بأي خلاف مع تركيا”، لافتاً إلى أنها “الشريك التجاري الأول لتركيا في الشرق الأوسط”. وأكد في تصريحات أخرى أن بلاده ترغب في تطبيع العلاقات مع تركيا. ورد وزير الخارجية التركي بالقول إن بلاده “تلقت رسائل إيجابية من الإمارات وإنها تأمل بأشياء ملموسة”.

وفي ضوء هذه التصريحات، أقدم الجانبان على عدد من الخطوات منها تخفيف الإمارات بعض القيود التي فرضت على التجار ورجال الأعمال الأتراك، واستئناف الرحلات الجوية بين البلدين وتخفيف قيود منح التأشيرة من قبل الإمارات، إلى جانب تسمية أنقرة سفيراً جديداً لأبوظبي وقبوله من قبل الأخيرة، وتخفيف حدة التصعيد الإعلامي من قبل وسائل الإعلام الرسمية بين البلدين.

بشكل عام، ظهر الخلاف التركي- الإماراتي طوال السنوات الماضية على أنه وصل مرحلة العداء الشديد وبدا على أنه أعقد وأعمق بكثير من الخلاف التركي- السعودي الذي بقي محكوماً في أطر محددة وساهم في ظل الاتفاق الضمني بين البلدين طوال السنوات الماضية على إبقاء على قناة تواصل أساسية بين أردوغان والملك سلمان منعت انزلاق العلاقات ظاهرياً لمستويات أصعب.

لكن جوهرياً، بقيت الخلافات التركية- الإماراتية متعلقة بالتنافس الإقليمي والمواقف الصدامية حول الكثير من الساحات المشتعلة، إلا أن حدة هذه الخلافات هدأت بدرجة كبيرة جداً مع عودة الهدوء لتلك الساحات بغض النظر عن الطرف الذي حقق مكاسب على حساب الآخر، ليبقى جوهر العلاقات المباشرة بين البلدين غير معقد بحسابات مباشرة تمنع حصول تقارب كما أنه لا توجد خلافات معقدة مباشرة يصعب تفكيكها سوى وجود إرادة حقيقية من الجانبين لوضع الخلافات جانباً وفتح صفحة جديدة وما يعزز هذا التوجه الدراماتيكية التي تتمتع بها الإدارة السياسية في الإمارات والتي تتيح لها تبرير وتسويق مكاسب أي تقارب متوقع مع تركيا.

وعلى عكس الخلافات التركية- السعودية المتشعبة، لا يوجد خلافات تركية- إماراتية جذرية تتعلق بملفات حساسة مباشرة، وإنما تصاعد الخلاف حول قضايا تتعلق بملفات الإخوان المسلمين والرئيس عبد الفتاح السيسي ومصر بشكل عام، والخلاف الخليجي مع قطر والتنافس الإقليمي الذي كان أقربه في ليبيا، التي تشهد حالياً عملية سياسية بعدما تراجع الخيار العسكري. وباعتبار أن ملفي قطر ومصر كانا من أبرز مسببات الخلاف الإماراتي- التركي، فإن المصالحة الخليجية وتقدم مساعي التقارب بين أنقرة والقاهرة أعطت دفعة قوية لمساعي التقارب التركي- الإماراتي.

كما يعتقد أن الخلافات التي تصاعدت مؤخراً ولم يعد بالإمكان إخفاؤها بين السعودية والإمارات قد شجعت أبوظبي أكثر على التقارب مع تركيا في مسعى لتنويع تحالفاتها وتوجيه رسالة قوية للسعودية التي تبدي تعنتاً أكبر في مساعي التقارب مع تركيا نتيجة حجم الخلافات المباشرة الأكبر بين البلدين.

استثمارات إماراتية

وبحسب بيان الرئاسة التركية، فإن لقاء أردوغان وطحنون بحث العلاقات بين البلدين وقضايا إقليمية و”استثمارات الإمارات في تركيا”. وفي لقاء تلفزيوني قال أردوغان إن الإمارات ستقوم قريبا باستثمارات كبيرة في تركيا لافتاً إلى أنه ناقش مع طحنون موضوع الاستثمارات الإماراتية في تركيا ومجالات ونوع الاستثمارات الممكن إقامتها وخارطة الطريق لتطبيق ذلك بحضور نائب رئيس صندوق الثروة السيادية ورئيس مكتب الاستثمار التركيين، وأضاف أردوغان: “حددنا كيف ومن سيتخذ الخطوات على خارطة الطريق، لديهم (الإمارات) أهداف وخطط استثمارية جادة للغاية”.

وحول سؤال عما إذا كانت الزيارة الإماراتية تعني ذوبان الجليد بين البلدين، قال الرئيس التركي إن “مثل هذه التقلبات يمكن أن تحصل وحصلت بين الدول، وهنا أيضا حدثت بعض المواقف المماثلة

كما كشف الرئيس التركي أن جهاز الاستخبارات التركي عقد خلال الأشهر الماضية بعض اللقاءات مع إدارة أبوظبي، وتم التوصل خلالها إلى نقطة معينة. وتابع: “سنعقد بعض اللقاءات مع محمد بن زايد في الفترة المقبلة، وبعد اجتماع اليوم (الأربعاء) أعتقد أنها ستُعقد إن شاء الله”، معرباً عن تمنيه في أن تحل بعض المشكلات في المنطقة خلال هذه اللقاءات.. نولي أهمية لأن يجري الفاعلون الرئيسيون في المنطقة محادثات مباشرة وأن يتفاوضوا ويحلوا مشكلاتهم معا”.

من جهته، قال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إن التعاون والشراكات الاقتصادية كان محور لقاء أردوغان مع طحنون، وكتب قرقاش عبر تويتر: “اجتماع تاريخي وإيجابي للشيخ طحنون بن زايد مع فخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان التعاون والشراكات الاقتصادية المحوّر الرئيسي للاجتماع”، مضيفاً: “الإمارات مستمرة في بناء الجسور وتوطيد العلاقات، وكما أن أولويات الازدهار والتنمية محرّك توجهنا الداخلي فهي أيضا قاطرة سياستنا الخارجية”.

كما ذكرت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية أن أردوغان بحث مع وفد إمارتي، برئاسة مستشار الأمن الوطني “سبل تعزيز العلاقات الثنائية، خاصة التعاون الاقتصادي والتجاري والفرص الاستثمارية في مجالات النقل والصحة والطاقة، بما يحقق المصالح المشتركة بين البلدين، وعدد من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك”.