هل يمكن حل الأزمة السياسية في تونس بالحوار أم فات الأوان؟

الخميس 29 يوليو-تموز 2021 الساعة 12 صباحاً / مأرب برس - عربي بوست
عدد القراءات 4923

 مع استمرار الأزمة التونسية ودخولها مرحلة أكثر غموضاً، تُثار تساؤلات حول سيناريوهات الخروج من هذه الأزمة، وهل يمكن حل الأزمة عبر الحوار التونسي الداخلي، أم أن الوقت قد فات؟

 

وتصاعدت الدعوات الغربية للتهدئة وإعادة العمل بالمؤسسات الدستورية، فيما طالبت حركة النهضة بضرورة الحوار التونسي.

 

في المقابل، بدا أن مواقف القوى السياسية في البلاد مرتبكة فهي متحفظة على ما حدث دون أن تؤكد على الحاجة إلى الحوار التونسي الداخلي.

 

فالاتحاد العام التونسي للشغل دعا إلى ضمانات دستورية مرافقة لقرارات الرئيس قيس سعيد، وأكد رفضه لجوء أي طرف مهما كان موقعه أو موقفه أو دواعيه إلى العنف.

 

كما شدد على ضرورة ضبط أهداف التدابير الاستثنائية، وتحديد مدة تطبيق الإجراءات الاستثنائية والإسراع بإنهائها حتى لا تتحول إلى إجراء دائم.

 

ودعا إلى ضرورة ضمان احترام الحقوق والحريات بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية دون تجزئة، مع الاحتكام إلى الآليات الديمقراطية والتشاركية في أي تغيير سياسي، في إطار خارطة طريق تشاركية واضحة تسطر الأهداف والوسائل والرزنامة وتطمئن الشعب وتبدد المخاوف.

 

وهو موقف يبدو فيه أن الاتحاد يؤيد قرارات الرئيس قيس سعيد، وفي الوقت ذاته يريد أن يضمن نفوذه عبر وضع حدود لقرارات سعيد.

 

وعلى نفس المنوال، رفض مجلس القضاء الأعلى في تونس، الإثنين 26 يوليو/تموز 2021، قرار قيس سعيد ترؤس النيابة العامة ضمن مجموعة القرارات المفاجئة التي اتخذها الأخير، كما أكد المجلس استقلالية السلطة القضائيّة، وضرورة النأي بها عن كلّ التجاذبات السياسية، ولكنه لم يشر إلى بقية قرارات الرئيس.

 

مواقف الأحزاب التونسية

أما الأحزاب التونسية، فبينما مالت في أغلبها إلى إدانة خطوة الرئيس إلا أنها اختلفت في الدرجة بين أحزاب أدانت هذه الخطوة بشدة، مثل النهضة، وائتلاف الكرامة الإسلامي الذي يعد أكثر محافظة من النهضة.

 

كما اتخذ حزب قلب تونس، الذي يترأسه رجل الأعمال نبيل القروي، موقفاً مماثلاً.

 

فلقد وصفت كتلته النيابية، وهي الثانية من حيث الوزن البرلماني، أيضاً عن القرارات المتخذة من قِبل سعيّد بأنها خرق جسيم للدستور ولأحكام الفصل الثمانين وأسس الدولة المدنية، وتجميعاً لكل السلطة في يد رئيس الجمهورية والرجوع بالجمهورية التونسية للحكم الفردي.

 

أما التيار الديمقراطي، وهو حزب يساري، فكان أول الأحزاب المعارضة الذي يصدر موقفاً من قراءة قيس سعيد للمادة 80 من الدستور التونسي.

 

وقال المكتب السياسي للحزب وكتلته النيابية في بيان أمس الأول الإثنين، إنه يختلف مع تأويل السيد رئيس الجمهورية للفصل 80 من الدستور، ويرفض ما ترتب عنه من قرارات وإجراءات خارج الدستور.

 

لكن بيان الحزب شدّد على تحميل مسؤولية الاحتقان الشعبي المشروع والأزمة الاجتماعية والاقتصادية والصحية وانسداد الأفق السياسي للائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة وحكومة هشام المشيشي داعياً التونسيين إلى "عدم الانسياق وراء دعوات التجييش من الداخل والخارج".

 

وكان الرئيس السابق لهذا الحزب محمد عبو قد دعا في ديسمبر/كانون الأول الماضي، في تدوينة مطولة على فيسبوك الرئيس التونسي إلى حل البرلمان من خلال تطبيق المادة 80 من الدستور كحل للأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها البلاد.

 

أما حزب العمال اليساري فاعتبر في بيان أن خطوة رئيس الدولة "تدشن مسار انقلاب باتجاه إعادة إرساء نظام الحكم الفردي المطلق من جديد".

 

من جانبه، اعتبر رئيس حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري لطفي المرايحي أن القرارات التي اتخذها قيس سعيّد "تتجاوز أحكام الدستور وتمثل انقلاباً لا غبار عليه".

 

لكنه طالب بتفعيل الفصل 80 من الدستور، وبـ"محاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة وإصلاح المسار".

 

وأكد المرايحي أنه "يتفهم استبشار الشعب، ولكن ما يحدث يفتح أبواب الدكتاتورية والاستبداد".

 

في المقابل، اعتبرت رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى، في فيديو نشرته على صفحتها الرسمية على الفيسبوك، أن رئيس الجمهورية قيس سعيد قام بتفعيل الفصل 80 من الدستور بالطريقة التي رآها صالحة، معربة عن تأييدها لقراراته.

 

ويشير ذلك إلى أغلب الطبقة السياسية والقضائية في البلاد ضد ما فعله سعيد، حتى المُعادي منها للنهضة، وقد يرجع ذلك إلى أنها تعلم مثلما حدث في مصر أن نهاية الانقلاب قد تقصي الإسلاميين، أو حتى تضعهم في السجون، ولكن ستعني قيام نظام يقوم على هيمنة الرئيس وينهي دورها تماماً، وعليها إما أن تصفق للرئيس أو تلقى مصير الإسلاميين.

 

وبالنظر إلى أن الأزمة لم تصل إلى اعتقالات أو عنف حتى الآن، وبما أن هناك شبه اتفاق من الجميع أنه حتى قبل تحركات سعيد فإن البلاد كانت في وضع لا يمكن أن يستمر.

 

فتبدو الدعوات للحوار قد تكون حلاً منطقياً، وأن المساعي الرامية لتحقيق تسوية بين الأطراف قد تكون هي المسار الأكثر قابلية للتحقيق، خاصة أن الرجل في النهاية قادم من خارج مؤسسسات الدولة، كما أنه يسود اعتقاد بأن تونس ليست مصر، وأن الدولة والمجتمع لن يقبلا بانفراد سعيد بالحكم.

 

ولكن يجب ملاحظة أن قيس سعيد حتى قبل أن يصل للسلطة فإنه كان يجاهر بدعوته لتغيير النظام البرلماني في البلاد، ولم يكتفِ فقط بالدعوة لنظام رئاسي، بل تحدث عن نظام رئاسي يقوم على علاقة مباشرة بين الشعب -وخاصة الشباب- وبين الرئيس، وتاريخياً مثل هذه الدعوات التي يلجأ الرؤساء عادة للاستفتاءات لتنفيذها، تكون بداية الاستبداد، مثل نابليون بونابرت.

 

وبالتالي بعيداً عن جائحة كورونا، وعن الأزمة الاقتصادية، فما حدث تعبير عن موقف سابق للرجل حيث سبق أن كشف موقع Middle East Eye البريطاني عن وجود خطط سابقة لديه للانقلاب حتى قبل تدهور الأوضاع في البلاد لهذه الحالة.

 

وجاء في الوثيقة، التي نشرها موقع Middle East Eye قبل أشهر، أنه قيس سعيد خطط لاستدراج رئيس الوزراء هشام المشيشي ورئيس مجلس النواب راشد الغنوشي إلى القصر واحتجازهما هناك، وبعدها كان سيُعيَّن اللواء خالد اليحياوي مدير الأمن الرئاسي وزيراً للداخلية بالإنابة، وهو ما حدث تقريباً.

 

اللافت أيضاً أن قيس سعيد وقع في خلاف مع رئيس الوزراء هشام المشيشي، الذي قام هو نفسه بتعيينه، حيث كان مستشاره القانوني، ثم عيّنه وزيراً للداخلية، ثم رئيساً للحكومة.

 

وبالتالي فإن الرجل لم يستطع التفاهم مع الشخص الذي اختاره، لمجرد أن هذا الشخص أراد أن يمارس صلاحيته التي وفرها له الدستور، لأن الدستور التونسي يمنح معظم السلطات لرئيس الحكومة، باستثناء السياسة الخارجية والدفاع.

 

كما أن قيس سعيد لم يتحرج أن يقول إنه لتنفيذ الفصل الثمانين الذي برر به هذه الإجراءات فإنه استشار رئيس الحكومة الذي أقاله، ووضعه رهن الإقامة الجبرية في منزله، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي الذي جمد عمل البرلمان الذي يترأسه.

 

وقبل ذلك سبق أن سفّه قيس سعيد دعوات الحوار التونسي الداخلي التي دعا إليها الاتحاد التونسي العام للشغل.

 

وحول الحلول الممكنة للخروج من الأزمة، قال الباحث في الجامعة التونسية، سامي براهم لوكالة الأناضول، إن " الحوار التونسي الداخلي كان معطّلاً في السابق بين الأطراف السياسية، إذ كان رئيس الدولة يرفض أن يكون الحوار تحت سقف مخرجات الدستور".

 

وأردف: "الرئيس منذ توليه الحكم كان يعبّر مراراً وتكراراً عن رفضه لكل المنظومة السياسية، بما فيها البرلمان ونظام الاقتراع (الانتخاب)، بل يرفض حتى دستور 2014، الذي يعلن اليوم أن قراراته مطابقة له، ودعا صراحة سابقاً إلى اعتماد دستور 1959".

 

وبالتالي فإن الافتراض بعد كل ذلك أن الحوار التونسي الداخلي سوف يؤدي إلى نتيجة وقد يفضي إلى الحفاظ على المسار الديمقراطي في تونس يبدو غير مرجح، خاصة أن تحركات قيس سعيد تحظى بتأييد شعبي لا يمكن إنكاره، بعد أن تم شيطنة البرلمان ولاسيما حركة النهضة، وتم تجاهل دور سعيد نفسه في الأزمة السياسية في البلاد.

 

ومن هنا، فإن دعوات الحوار التونسي الداخلي، سوف تؤدي في الأغلب إلى إعطاء فرصة لقيس سعيد لتمرير مزيد من القرارات، وتعزيز قبضته على السلطة، وهو ما ظهر حين أعلن عن وجود دعاوى قضائية ضد النهضة، وحزب قلب تونس بشأن تلقي تمويل خارجي.

 

ما البديل إذا فشلت الدعوات للحوار؟

ما تحتاجه البلاد قبل أي إطلاق أي شكل من أشكال الحوار التونسي الداخلي هو توحد القوى السياسية بشكل فاعل لتوجيه رسالة للداخل والخارج ولقيس سعيد وللمؤسسات الأمنية والعسكرية، برفضها لهذه الإجراءات، وتقديم مسوغات قانونية بأنها غير شرعية، وأن يكون الرد موحداً وفي إطار الشرعية، ولكن سعي كل قوة سياسية تونسية لحماية نفسها فقط سيعني أن دورها سيحين بعد أن يقضي قيس سعيد على الإسلاميين وقلب تونس، أو أنها في أفضل الأحوال ستقبل أن تعمل مدجنة تحت راية رئيس لا يخفي احتقاره للعمل الحزبي.

 

ولكن ما لم يفهمه قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري الذي أعاد تأويل الدستور على مقاسه، أن التخلي عن الشرعية القانونية والدستورية قد يكون اليوم في صالحه، ولكن الواقع أن هذا قد يجعل الجيش قادراً على استغلال نفس المبررات للسيطرة على البلاد.

 

فكما استغل قيس سعيد أزمة كورونا للإطاحة بالحكومة والبرلمان، فقد يحدث الأمر نفسه من قبل الجيش في أزمة أخرى، خاصة أن الرجل قادم من خارج المؤسسات العسكرية والأمنية، وافتراضه أنه قادر على السيطرة عليها دوماً هو افتراض ليس له أسس قوية.

 

ورغم أن الجيش التونسي كان ضامناً التجربة الديمقراطية التونسية ورفض الإنحياز للرئيس الراحل زين العابدين بن علي أمام الثورة عام 2011، ولكن تشجيع الجيش على عدم احترام الدستور والشرعية قد ينقلب على قيس سعيد.

 

وإذا كان سعيد يراهن على النموذج المصري فعليه أن يتذكر أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قادم من قلب المؤسسة العسكرية المصرية، بل من قلب العقل المدبر والكاشف لكل ثنايا وخبايا الجيش المصري، أي المخابرات الحربية.

 

وبالتالي السير على النموذج المصري قد ينقلب عليه بعد أن يقضي سعيد على الشرعية الدستورية والثورية، ويصبح هو والجيش وحده في الساحة، في هذه الحالة فإن الجنرالات الذين أيدوا خروج سعيد عن الشرعية قد يرون أنفسهم أحق بالحكم، بعد أن تفقد كلمة الشرعية قيمتها، وقد تعود تونس للحكم العسكري الصريح.