أعلن أنه المهدي المنتظر ..تعرف على قائد الثورة المهدية الذي حلم بتوحيد المسلمين

السبت 22 مايو 2021 الساعة 10 مساءً / مأرب برس - وكالات
عدد القراءات 4846

عندما قدم محمد علي باشا إلى مصر وأصبح حاكماً لها عام 1805، ضمّ السودان إلى أراضي مصر. استمر حكم الأسرة العلوية للسودان مستتباً حتى عهد الخديوي إسماعيل، ولكن مع إرغامه على التخلي عن العرش وتسلم ابنه الخديوي توفيق الحكم عام 1879م بدأت الاضطرابات في الظهور ليس فقط في الأراضي المصرية، بل السودانية أيضاً، خاصة مع دخول قوات الاحتلال البريطاني إلى مصر.

 

كان السودان يعاني من وطأة الضرائب التي كانت تفرضها الحكومة المصرية على السودانيين، وتمييزها بين الفقراء والأغنياء، والتي كانت تعفيهم عن الكثير من الضرائب، ليس ذلك وفقط، بل واجه الشعب السوداني الأمرّين بمواجهته لعنف وتشريد الحكومة لكل من يعترض وينكر على الحكومة أفعالها، وبهذا تهيّأت الأوضاع لاشتعال الثورة في السودان قبل اشتعالها في مصر، فقبل قيام الثورة العرابية عام 1882م سبقتها الثورة المهدية في السودان، والتي كُلّلت بالنجاح، وكُتب لها أن تحرر أراضيها ولو لحين. 

  

ظهور المهدي وبدء الاقتتال في السودان

قبل ذكر مسببات قيام الثورة المهدية في السودان وأحداثها يحكي لنا نعوم بك شقير في كتابه "تاريخ السودان" أن في تلك الفترة التي بدأت الاضطرابات فيها بالظهور في الداخل المصري والسودان مع اعتلاء الخديوي توفيق العرش، كان هناك أحد مشايخ الطرق الصوفية في السودان، في جزيرة أبا، حيث تتبعه جموعٌ غفيرة من المريدين، وهو ما أذاع صيته في أرجاء السودان، وجعل الكثير من الناس يتوافدون عليه رغبة في الالتحاق بطريقته، واسمه محمد أحمد.

 

ولما رأى هذا الشيخ أن الكثير من الناس كارهون للأوضاع السياسية ويودون التغيير، لكنهم ينتظرون ظهور المهدي، الفكرة التي آمنوا بها، لينقذهم من الحال التي وصلوا إليها، تشجَّع محمد أحمد بأخذ تلك الدعوى على عاتقه، والادعاء بأنه المهدي المنتظر، خاصة أن الكثير من مريديه ظنوا فيه ذلك، وبذلك أصبح يلقِّب نفسه منذ ذلك الوقت بـ"محمد أحمد المهدي"، وذلك في مارس/آذار 1881م.

 

أعلن الشيخ أنَّه المهدي المنتظر، وبدأ يسعى لضم مشايخ الطرق والقبائل تحت لوائه، داعياً الناس لمبايعته وللجهاد في سبيل الله معه. كما ذكر المهدي أنَّه قابل النبي محمد وقد أخبره أنّه المهدي وقلده سيفاً يهزم به كل أعدائه، وكان المهدي وقتذاك على مشارف الأربعين عاماً.

 

ولما بلغ حكمدار السودان رؤوف باشا دعوى المهدي، أرسل إليه يدعوه للقدوم إلى الخرطوم، وذلك بعد إجماع العلماء الذين جمعهم الحكمدار على وجوب القبض على المهدي، إلا أن المهدي رد على مبعوث الحكمدار أنه جاهز بمقاتلة الحكومة، وبدأ في استنفار طلابه ومريديه والقبائل المحيطة به بالنفير، وذلك في شهر أغسطس/آب من عام 1881.

 

انقضّ أتباع المهدي على الجنود مع وصولهم إلى أبا، مقر دعوة المهدي، وقتلوا كثيراً من الجنود ولم يستطع الهرب إلا قليل، وبذلك نجح المهدي في معركة أبا، وهي أولى المعارك التي خاضها والتي انتشر خبرها في جميع أرجاء السودان، حتى اعتبر الكثير أنها من كرامات المهدي العظمى.

  

أخبر المهدي أتباعه أنّ الرسول أمره بالهجرة إلى جبل قدير، فجهّز أتباعه العتاد وأخذوا أسلحة الجنود المقتولين، وانتقلوا إلى الجبل، ولما بلغ راشد بك مدير تلك المنطقة التي يقع فيها الجبل، استأذن حكمدار السودان رؤوف باشا في الخروج لملاقاة المهدي، فلم يأذن له، فعزم راشد بك على الخروج دون علم رؤوف باشا، واتجه إلى المهدي سراً كي يباغته بقوة قوامها 1400 مقاتل.

 

إلا أن أمرأة رأت قوات راشد بك وأخبرت المهدي، كما يذكر لنا نعوم بك في كتابه عن تاريخ السودان. وقد كان عدد أتباع المهدي في ذلك الوقت قد وصل إلى 8 آلاف، فاتجه بهم إلى الغابة. 

 

كانت نتيجة المعركة قتل وأسر الكثير من جند راشد بك، كما قتل راشد بك نفسه، والاستحواذ على قدر كبير من الغنائم: مال وسلاح وذخائر، وهو ما زاد من قوّة المهدي وجيشه. ومع انتشار خبر انتصاره مرةً أخرى ذاع صيت المهدي وأخذ الكثير يتوافدون عليه، وادَّعوا أنه يحوِّل الرصاص إلى ماء فلا يتضرر أنصاره. 

 

لما علم رؤوف باشا بأمر معركة المهدي مع راشد بك جهَّز قوة للتوجُّه إلى منطقة فاشودة، وبعث إلى الحكومة المصرية طالباً المدد، إلا أن الحكومة المصرية كانت مشغولة بالقضاء على الثورة العرابية في ذلك الوقت، فلم يسعها إلا عزل رؤوف باشا، وأوكلت الحكم إلى عبدالقادر باشا حلمي، وذلك في مايو/أيار 1882.

 

في ذلك الوقت تجهَّز جيش تحت قيادة يوسف باشا الشلالي وتوجَّه إلى المهدي، إلا أن المهدي وصلته أخبار قدوم الجيش ففاجأهم بهجومٍ مُباغت، حتّى قُتل الشلالي شخصياً، كما جمع جيش الثورة المهدية الكثير من الغنائم. 

  

كانت هذه هي المعركة الثالثة التي تخسرها الحكومة أمام جيش الثورة المهدية، وكان هذا كفيلاً بفقد الحكومة السودانية هيبتها في البلاد. بينما زاد أنصار المهدي الذين زاد عددهم بعد هذه المعركة ليصل إلى حوالي 20 ألفاً، ما جعل المهدي يكوّن جيشاً قوياً نظامياً، جعل على رأسه أربعة قادة تشبّهاً بالخلفاء الراشدين الأربعة، وأطلق عليهم لقب "خلفاء". وكان أولهم عبدالله التعايشي، كما أسس جهازاً قضائياً للحكم في المسائل الشرعية والحقوق المتعلّقة بالغنائم وبيت المال.

  

بعد مقتل يوسف باشا الشلالي في المعركة اشتعلت أرجاء البلاد، منظمّة للثورة المهدية ضد الحكومة، وفي الوقت الذي كان يعمل فيه المهدي على تنظيم شؤون دولته الوليدة، عمل الحكمدار عبدالقادر باشا على تأمين الخرطوم وتحصينها، كما بدأ في مهاجمة البؤر الثورية، وعمل على إخمادها واحدةً تلو الأخرى.

 

في تلك الفترة دعا مجموعة من قادة إقليم كردفان المهدي للقدوم إلى الإقليم، كما أن المهدي وجد أن مقدَّرات عاصمته "قدير" لم تعد تفي باحتياجات أتباعه، وهو ما شجّعه للتوجه إلى كردفان. 

 

على إثر ذلك قدم المهدي بجيشه إلى مدينة الأبيض في إقليم كردفان، وانضم إليه مثل عدد جيشه من أهل المدينة الذين يودون الالتحاق به، كل هذا قبل أن يدخل المدينة، فأضحى عدد الجيش حوالي 50 ألفاً كان من بينهم 5 آلاف فارس. 

 

مع تقدم قوات المهدي نحو أسوار المدينة، انصبّ وابل الرصاص عليهم، ما أفقد المهدي الكثير من المقاتلين، والذي قدره نعوم بك في كتابه من 10 آلاف إلى 12 ألف مقاتل، من بينهم العشرات من خاصته والمقربين له وعشيرته، أما خسارة حامية المدينة فقُدرت بنحو 300 من الجند فقط، وبهذا فرَّ المهدي بباقي جيشه وعسكر في كابا.

 

بعد هذه الخسارة، أشار عبدالله التعايشي، وهو الذراع اليمنى للمهدي، بالعودة إلى مدينة قدير، إلا أن إلياس باشا، أحد قادة مدينة الأبيض المنضمّين لصفوف المهدي حديثاً أقنعه أنّ قواته قادرة على حصار مدينة الأبيض، وأكد له أن هذا سيضطرها للتسليم، فخرج المهدي على الجموع وقال لهم إن الرسول أمره بمحاصرة مدينة الأبيض، وكان ذلك في سبتمبر/أيلول 1882.

 

ومع اشتداد الحصار على مدينة الأبيض، قلّت موارد المدينة وغلت الأسعار، وصار أهل المدينة وعساكرها يأكلون كل ما يقابلون في طريقهم، ما جعل الكثير من العساكر يهربون من الفاقة والجوع متجهين إلى المهدي، وفي 18 يناير/كانون الثاني 1883، وبعد أن عصف بهم الحصار ولم تعد لديهم قدرة على مواجهته، توجه قادة المدينة بكتابٍ إلى المهدي يطلبون فيه العفو والخروج لمبايعته.

 

دخل المهدي مدينة الأبيض منتصراً، وجمع بيت المال 140 ألف ريال من أموال الضباط، و7500 ريال من خزينة المدينة وأخذ المهدي خمسها. كما جمع 16400 بندقية و13 مدفعاً و7 صواريخ والكثير من الذخائر، كما ضم إلى جيشه 5 آلاف مقاتل.

  

أثناء حصار المهدي لمدينة الأبيض، كان الأنجليز قد احتلوا مصر بعد قضائهم على الثورة العرابية، وذلك في سبتمبر 1882.

 

بعد استتباب حكم الإنجليز في مصر، اتجهت أنظار الإنجليز والحكومة المصرية الموالية لها إلى السودان، فعُزل عبدالقادر باشا، وأُرسل علاء الدين باشا والياً على السودان وهكس باشا الإنجليزي رئيساً لأركان الحرب. 

 

ومع قدوم هكس إلى الخرطوم ترقى ليصبح قومنداناً عاماً، وجاء أمر الحكومة من مصر بمهاجمة المهدي في مدينة الأُبَيِّض، فسار إليها هكس إلا أن الطريق كان قد أرهق قواته، ومع عدم تواجد آبار المياه الكافية، أصبح وضع الجنود في خطر وجعلهم منهكين، كل ذلك ولم يبدأ القتال بعد.

 

وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1883 اتجه جيش هكس إلى وادٍ يتواجد على جانبيه غابتان ذواتا أشجار كثيفة، وكان ذلك الوادي بالقرب من منطقة تدعى شيكان، فدخل جيش المهدي إلى الغابات حتى صار يحاصر جيش هكس من الجهات الأربع، وافترس جيش المهدي قوات هكس ولم تمضِ ساعة حتى قُتل الجيش برمته وفيهم هكس وعلاء الدين باشا وجميع الضباط الإنجليز والمصريين، كما يذكر نعوم بك في كتابه عن تاريخ السودان.

 

لم ينجُ إلا 300 جندي فقط، أُسروا جميعاً إلا جنديين فقط استطاع واحد منهما الفرار إلى مصر والثاني مات بعد مدة في كردفان.

 

أدى هذا الانتصار الساحق للقضاء على نفوذ الحكومة التابعة لمصر في الخرطوم، ووفد أهل الخرطوم على المهدي في مدينة الأبيض يبايعونه، وانتشر خبر المهدي في أرجاء العالم الإسلامي، فجاءت الوفود من الحجاز والهند وتونس ومراكش تزور المهدي، وبدأ في إرسال بيانات النصر إلى أقاليم السودان المختلفة لإخضاع كامل البلاد لإمرته، ثم أخذ يستعد للزحف على العاصمة الخرطوم. 

 

في تلك الأثناء وجَّه المهدي جيشاً تحت قيادة محمد خالد زقل إلى إقليم دارفور والذي أرسل بدوره إلى حاكم الإقليم رسالة ليسلم له المدينة، فخضع له وسلمها دون قتال وذلك في شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 1883، ونتيجة لذلك استسلمت عدة مدن ودخلت تحت لواء المهدى.

 

سقوط الخرطوم في يد المهدي

مع وصول المهدي إلى هذه المرحلة وانتصاراته المتتالية، اضطرت الحكومة المصرية إلى تغيير سياستها نحو السودان، فأرسلت غوردون باشا الإنجليزي حاكماً ومفوَّضاً على السودان، والذي أعلن خفض الضرائب وإعفاء جميع الموظفين الأتراك والمصريين واستبدالهم بحكامٍ من أهل البلاد.

  

كما أعلن المهدي سلطاناً على كردفان وأرسل إليه باقةً من الهدايا النفيسة، وبذلك اتخذت الحكومة كل الخطوات التي تبيّن للسودانيين نيتها "إخلاء البلاد وتسليمها إلى أهلها". 

 

كما أراد غوردون باشا أن يولي أمر السودان شخصاً بنفس قوة المهدي وقادراً على القضاء عليه، فأرسل إلى الحكومة المصرية لإرسال الزبير باشا، وهو أحد كبار الزعماء في السودان والمحتجز في مصر آنذاك، والمحبوب من قبل الكثير من السودانيين أيضاً.

 

إلا أن قرار الحكومة النهائي كان بعدم إرسال الزبير باشا، فعدل غوردون عن خطته وتراجع عنها وأخذ يستدعي الجند من جديد وبدأ في تحصين المدينة.

 

ومع زحف أتباع المهدي -من القبائل المحيطة بالعاصمة- صوب الخرطوم؛ دخلت قوات غوردون في عدة معارك معهم إلا أن قوات المهدي استطاعت في نهاية الأمر حصار الخرطوم، فعمل غوردون على زيادة عدد الحامية من المتطوعين، أما المهدي فقد وجَّه جيشه ليلتحق بالقبائل التي تحاصر الخرطوم، وذلك تحت قيادة أبا قرجة والذي زحف نحو الخرطوم. 

 

وفي 26 يناير عام 1885، وقبل طلوع الفجر بدأت قوات المهدي في الهجوم على الخرطوم واستطاعت النفاذ داخل المدينة عبر ثغرة، وتوجهوا مباشرة إلى سراي الخرطوم الذي يتواجد به غوردون باشا، ولما لم تستطع الحامية ردعهم، قُتلوهم عن بكرة أبيهم واقتيد غوردون إلى الخارج وقُطع رأسه وأرسلوه إلى المهدي، وبذلك سقطت الخرطوم في يد المهدي، كما روى نعوم بك في كتابه "تاريخ السودان". 

  

يبدو أنّ دخول المهدي إلى الخرطوم لم يكن نهاية أحلامه، فقد حلم بضمّ مصر والشام وإسطنبول ومكة وإخضاع المناطق الإسلامية كلها، وبذلك أخذ يستعد لغزو مصر. بل وأرسل رسالة إلى الخديوي يحثه فيها على اتباعه، وراسل أهل مصر عامة وعلماءهم خاصة يعلمهم أنه يود فتح مصر ويحثهم على اتباعه كما أرسل رسله وقادته إلى أقطار وبلاد العالم الإسلامي.

 

وبدأ المهدي في تنظيم شؤون مملكته فسكّ العملة باسمه وبدأ في جمع الزكاة، وفي أثناء تنظيمه شؤون مملكته والتجهيز لحملته على مصر؛ أصابت المهدي حُمَّى تعرف في السودان بـ"باب الدم" وهي مرض الالتهاب السحائي الشوكي.

  

وفي يوم 22 يونيو/حزيران سنة 1885 توفّى المهدي، وتسلم عبدالله التعايشي الحكم وأُعلن خليفةً من بعد، والذي ظل في الحكم حتى عام 1899 إذ قُتل في معركة أم دبيكرات التي قاوم فيها الاحتلال البريطاني؛ وقد انتهى بمقتله وجود الدولة المهدية ودخول السودان في عهد الاحتلال البريطاني.