هل يتسبب صندوق النقد بغرق مصر في الديون.. لماذا؟

الأحد 07 يونيو-حزيران 2020 الساعة 08 مساءً / مأرب برس - وكالات
عدد القراءات 3550

أعلن صندوق النقد الدولي، الجمعة، موافقته على تقديم قرض "استعداد ائتماني" لمصر بقيمة 5.2 مليار دولار لمدة عام، ما فتح باب تساؤلات حول برامج الصندوق المصاحبة لهذا القرض، والتي عادة ما تؤثر على سياسات وهيكل الاقتصاد للدولة المقترضة.

واعتبرت أوما راماكريشنان، التي قادت المحادثات مع مصر أن الاتفاق "يدعم جهود السلطات للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي في ظل صدمة كوفيد-19، مع مواصلة المضي قدما في إصلاحات هيكلية مهمة".

وقالت: "إن التمويل سيدعم أيضا الإنفاق الصحي والاجتماعي، ويحسن الشفافية المالية، ويحفز نموا يقوده القطاع الخاص وخلق الوظائف..".

ويأتي الاتفاق بالتزامن مع انخفاض ملحوظ بقيمة الجنيه المصري بنسبة 2.2 بالمئة مقابل الدولار، وهو أكبر هبوط له منذ آذار/مارس 2017.

وقال جيمس سوانستون من كابيتال إيكونوميكس إن انحراف الجنيه المصري بعيدا عن مستوى 15.7 مقابل الدولار الذي ظل عنده في أغلب فترات الشهور القليلة الماضية يشير إلى أن "البنك المركزي المصري بدأ تخفيف قبضته على العملة".

وتوقع المحلل لدى رينسانس كابيتال أحمد حافظ، تراجع الجنيه إلى 17 مقابل الدولار بحلول نهاية العام.

وبعد إعلان الموافقة على القرض، توقع اقتصاديون أن الصندوق سيتطلع إلى "خفض معتدل لقيمة العملة المصرية"، بحسب ما نقلت "رويترز".

ومما أثار التساؤلات أيضا أن الموافقة على القرض الجديد جاءت بعد حصول مصر على قرض سابق الشهر الماضي بقيمة 2.7 مليار دولار من الصندوق، بذريعة مواجهة وباء كورونا، وبهدف مساعدة مصر على تقليص فجوة ميزان مدفوعاتها.

وينتظر القرض وضع اللمسات النهائية عليه من المجلس التنفيذي للصندوق، والذي قال إن "القرض سيحمي مكاسب اقتصادية حققتها مصر في السنوات الثلاث الأخيرة، ويضع البلاد على أساس قوي لتعاف مستدام".

وأشار الاقتصاديون إلى أن مصر بدأت التفاوض بشأن قرض الاستعداد الائتماني قبل تفشي فيروس كورونا، وبعدما أتمت برنامج اقتراض من الصندوق بقيمة 12 مليار دولار مدته ثلاث سنوات (2016-2019).

في المقابل، يمكن ملاحظة أن صندوق النقد يتحفظ على منح قرض للبنان الذي يمر بأزمة اقتصادية خانقة. كما تشير استفادة دولتين عربيتين غير مصر وهما "الأردن وتونس" من مساعدات الصندوق الطارئة لمواجهة كورونا، بقيمة 1.3 مليار دولار و754 مليون دولار لكل منهما، إلى وجود تساهل من الصندوق بمنح مصر قروضا متتالية.

وفي ضوء الموافقة على القرض لصالح مصر، ينبه الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي إلى إجراءات عمدت الحكومة المصرية لاتخاذها ستدفع باتجاه "اشتعال أزمة سعر الصرف في السوق السوداء".

ومن هذه الإجراءات: إصدار الحكومة أذون خزانة بالدولار في السوق المحلي بنحو 975 مليون دولار في أيار/مايو الماضي، لتحسين صورة الاحتياطي من النقد الأجنبي. ومن المتوقع أن تصدر أذونا أخرى في 8 حزيران الجاري بقيمة 500 مليون دولار، ما يعني "تجفيف الموارد الدولارية لدى الجهاز المصرفي، والتي ستهبط بالجنيه المصري أكثر".

  

وبسبب الغموض الذي يكتنف "شروط القرض" طرح الصاوي تساؤلات عدة حول ما سيتحمله الفقراء والعاطلين من أعباء؟ وإلى أي حد ستنخفض قيمة الجنيه المصري؟ وعن تأثيراته على موظفي القطاع العام؟ وعن خصخصة الأصول المالية المصرية بعدما سيطر عليها الصندوق السيادي لمصر.

ويعتقد بأن أزمة كورونا كانت "شماعة" للطرفين، للنظام المصري بالتغطية على ادعاءاته بأن مسار الاقتصاد الصحيح وتحميل الأزمة سبب إيقاف وتعطيل هذا المسار. ومن ناحية الصندوق وجد مبررا لإعطاء القرض ضمن ما أعلنه عن مساعدة الدول المتضررة من الأزمة.

ويقول الصاوي: "يجب أن ننظر إلى أن الأزمة كشفت عن حقيقة أن الاقتصاد المصري هو اقتصاد ريعي، ويفتقر إلى وجود قاعدة إنتاجية تمكنه من الأداء الطبيعي على الصعيد المحلي والدولي".

ومع أن الخبيرة القانونية والمصرفية سابين الكك تقر بوجود قواعد تنظم علاقة صندوق النقد بالدول الأعضاء على أسس قانونية ودولية ونقدية، لكنها تعتقد أن العلاقة تخضع أيضا "لاعتبارات سياسية ودولية ودبلوماسية".وتنبه إلى أن "الأرقام تعطي مؤشرات جيدة على مستوى حكومة مصر، لكن على مستوى المعيشة ونسب التضخم والفقر والدخل الفردي فالأزمة تفاقمت".

وتستبعد أن يكون صندوق النقد "متساهلا مع مصر"، لكنه على حد قولها "لا يملك خيارات أخرى، لأنه أخفق في برامجه مع تونس والجزائر، وتجربته في البلاد العربية بشكل عام ليست مشجعة".

وترى الكك أن صندوق النقد يحاول من خلال "التجربة المصرية" أن "يثبت نجاحا ما، بالرغم من كل الأحوال الاقتصادية السيئة، ولذلك يتساهل بعض الشيء، لأنه سيخسر كل ما قدمه لمصر، وستخسر مصر كل ما فرضته من سياسات اقتصادية صارمة في حال لم يستمر الصندوق النقد بمد يد العون إليها".

  

وتابعت: "برامج صندوق النقد كلفت مصر الكثير من التضحيات (...) ورغم أن النجاح في البرامج الجديدة ليس مضمونا، إلا أن توقف صندوق النقد عن دعم مصر سيكون فشلا كبيرا ومزدوجا، وهو ما يحاول الصندوق تجنبه في هذا الفترة تحديدا".

وتشير إلى أن اختلاف تعامل الصندوق مع الدول يتبع عدة اعتبارات، فتعامله مع الأردن على سبيل المثال "سيخضع في الفترة المقبلة للريبة بعد الفضيحة التي طالت الجهات الرسمية من تحويل أموال قروض البنك الدولي إلى الملاذات الآمنة".

أما في لبنان، فالمشهد مختلف نظرا "لحالة التخبط في خطة التعافي للحكومة الحالية، وظاهرة الفساد المنتشرة منذ عقود، وضعف الخطوات الفعلية حيال ذلك، ويضاف إليه الأزمة المصرفية النادرة التي يمر بها".

آثار "فقاعة الديون"

ويلخص الأكاديمي الاقتصادي الدكتور أشرف دوابة تنفيذ مصر لبرنامج الصندوق النقد الدولي خلال السنوات الثلاثة الماضية (2016-2019) بأنه شهد "تعويم الجنيه المصري، ورفع الدعم، وزيادة الضرائب، وتحمل المواطن تبعات ذلك مزيدا من أعباء المعيشة وتوسيعا لدائرة الفقر".

وكشفت بيانات الموازنة العامة لمصر عن العام 2020/2021 أن فوائد الدين العام فقط بلغت 569 مليار جنيه، بما يمثل نسبة 36 في المئة من إجمالي المصروفات، وهو ما يدل على "فداحة مستقبل إدمان القروض، وما يتضمنه من سياسات تقشفية تمس الشعب المصري"، على حد تعبير الدكتور دوابة.

 

ويرى بأن "فقاعة التنمية المظهرية تستخدم لخدمة فقاعة الدين"، مؤكدا "لن يكون أثر لتنمية مع توغل الدين".

ويشير إلى أن سياسة الاستدانة "تزيد من الأعباء الضريبية على المواطنين لسداد تلك القروض، فضلا عن الظلم الاقتصادي للأجيال اللاحقة".