لماذا لم توقف الدوحة مشاريع المونديال رغم التفشي المخيف لفيروس كورونا في قطر عموما وعمال المونديال خصوصا؟

الأحد 17 مايو 2020 الساعة 12 صباحاً / مأرب برس-رأي اليوم
عدد القراءات 2893

 

  

تبدو حجم الإصابات بفيروس كورونا بالنسبة لمساحة قطر، وعدد سكّانها المُقدّر العام 2019 (2 مليون و760 ألف)، مُقلقةً بالنسبة للسلطات هُناك، فالبلد الصغير مساحةً، وحجماً وسكّاناً، يُسجِّل إصابات بالآلاف يوميّاً، بعد تسجيله المئات يوميّاً، وهو ما يشي بعدم سيطرة على الوضع الوبائي، ويطرح التساؤلات حول عدم مقدرة قطر على وضع خطط لاحتواء الفيروس، وكالتي جرى وضعها في بلاد تملك أعدادًا أكبر من السكان، ومساحة أراضي أوسع.

وبحسب آخر أرقام وزارة الصحّة القطريّة الخميس، جرى تسجيل 1733 حالة إصابة، وبذلك يصل المجموع الكلّي إلى 26 ألفاً و539، إلى جانب 14 حالة وفاة مُعلنة، ويبدو أنّ عدد الإصابات القطري يتسارع، لينافس نظيره السعودي، والذي وصل الجمعة إلى 49167 مع فارق عدد السكّان بين البلدين.

ومع تزايد أعداد الإصابات في البلاد، اضطرّت السلطات إلى فرض عقوبات صارمة على عدم ارتداء الكمّامات الأقنعة الواقية، بعقوبةٍ تصل إلى السجن أو الغرامة بنحو 55 ألف دولار، وسط انتقادات مُوجّهة للسلطات، حول تعاملها مع العمّال، والذين فُصلوا من عملهم، ولم يُمنحوا أجور، مع عدم السماح لهم العودة لبلادهم، على وقع وأثر أزمة كورونا، وإغلاقاتها للرحلات الجويّة، والحدود.

وتستعين قطر بالعمالة الأجنبيّة، لتنفيذ مشاريع كأس العالم، والذي تستضيفه عام 2022، ويتعرّض هؤلاء بحسب تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” إلى انتهاكات جسيمة، كالتلاعب بأجورهم، وإخضاعهم لظروفٍ صعبة في الظروف الاعتياديّة، ويبدو أنّ أزمة كوورنا قد ضاعفت من مُعاناتهم، حيث يعيش هؤلاء في مُعسكرات مُزدحمة، لا تخضع لأي معايير تطبيق التباعد الاجتماعي، وكان تقرير للصحيفة ذاتها قد حذّر من تساهل السلطات في التعامل مع التكدّس الحاصل مع العمّال، ومعسكراتهم التي ترفع أعداد الإصابات بالفيروس.

وتؤكّد منظّمة العفو الدوليّة “أمنستي” اتّهامات عدم حصول العمّال على كامل حقوقهم، والرعاية الصحيّة، وكشف المنظّمة عن احتجاز السلطات القطريّة لمئات من العمّال المُهاجرين، بعد أن طردتهم من أعمالهم، وبحجّة خضوعهم لفحص الكورونا، الدوحة في المُقابل رفضت تلك الاتّهامات، وكشفت عن أولى الإصابات بين عمّال ورش المونديال، كما أنها أكّدت أنّه جرى القبض على العمال، لتورّط أفراد منهم في أنشطة غير قانونيّة، وغير مشروعة.

ويبدو أنّ الدوحة، عاقدةٌ العزم على استضافة المونديال، رغم مُعوّقات كثيرة تلوح في الأفق تمنع إجراءه وفق الأصول، نظرًا للحصار الذي تفرضه السعوديّة والإمارات عليها، هذا عدا عن توقّف الأنشطة الرياضيّة حول العالم، خوفاً من التجمّعات التي تستضيفها الملاعب، وسُهولة انتقال العدوى بين الآلاف على المدرّجات، وبالرغم من نسبة تسجيل الإصابات العالية، فإنّ الدوحة استمرّت في ورش العمل، وبناء الملاعب، والبنى التحتيّة، فيما أغلقت المساجد والمطاعم والمتاجر.

وتُطرح تساؤلات بالتالي، حول ادّعاءات السلطات القطريّة باحتجاز العمّال لاحتماليّة إصابتهم، وفحصهم، وقولها إنّ الإصابات المُرتفعة مُسجّلة بينهم، لكن في المُقابل يستمر العمل في ورش المونديال، رغم المخاطر المُترتّبة على اختلاط العمّال، وتكدّسهم في معسكراتهم السكنيّة.

وجهة النظر القطريّة، تبني آمالاً كبيرةً على استضافة المونديال العالمي كأوّل بلد خليجي وعربي يستضيفه، وسط مُنافسة شديدة سياسيّة، ورياضيّة، بينها وبين السعوديّة، لاستضافة البطولات الكرويّة العالميّة، لكن عدا عن المُعوّقات السعوديّة ومُقاطعتها، والتي ستُبقي قطر جزيرةً معزولةً، مع عدم وجود بوادر مُصالحة وانتهاء أزمة، وتزايد الحديث على المنصّات عن نيّةٍ قطريّةٍ هذه الأيّام الانسحاب من مجلس التعاون الخليجي، وتداول المنصّات السعوديّة شائعات انقلاب في قطر، قد يُغفل المسؤولون في قطر، تنبؤ منظّمة الصحّة العالميّة بخُصوص بقاء فيروس “كوفيد-19″، وأنه قد يُرافق البشريّة طويلاً، وقد لا يختفي أبدًا، والسلطات القطريّة يشملها تحذير الصحّة العالميّة، والذي قالت فيه إنه “لا يُمكن لأحد التنبّؤ في الوقت الذي سيستمر انتشاره”، وهو ما يشي بأنّ 2022 عام المونديال، لا يبدو بعيد المنال عن الفيروس التّاجي القاتل.

وقد يبدو المشهد صادماً للدوحة، فيما لو عصف الفيروس القاتل كورونا بمونديالها المُنتظر، فبحسب تقرير “كورنرستون غلوبال” للاستشارات، فإنّ قطر ستُنفق على استضافة المونديال 200 مليار دولار، مُقابل استضافة جنوب إفريقيا العام 2010 التي قدّرت تكلفتها بثلاثة مليارات، واستضافة البرازيل للمونديال العام 2014 بحوالي 15 مليار، لكن هذا الإنفاق، يجب أن تُقابله أرباح تعوّل عليها قطر بالمليارات، فعلى سبيل المثال، نجحت روسيا ومونديالها العام 2018، بتحقيق 13 ونصف مليار أرباحاً من استضافتها، والمشهد في العام المذكور كان خالياً تماماً من خطر كورونا.

الصحافة القطريّة من جهتها، وعلى مدار أعوام، رفعت من توقّعات الأرباح التي ستجنيها الدوحة جرّاء استضافة المونديال، لكن الرعاة والمُعلنين العالميين الذين سيضعون إعلاناتهم في شوارع وملاعب قطر، وتحدّثت عنهم مجلّة “فرونت أوفيس سبورت”، ويُسارعون ما قبل كورونا لضمان حملاتهم الإعلانيّة، لن يكونوا وفق ما يرى مراقبون على ذات قدر الحماسة بعد زمن الفيروس، وخطط العالم للتعايش معه، فقطاع الطيران يشهد خسارات مهولة بعد إغلاق المطارات، والراعي الرسمي الخطوط الجويّة القطريّة كشريك رسمي للفيفا، قد لا تحصل كما التقديرات على قاعدة أكبر من المسافرين، فهؤلاء لن يكونوا في المزاج الذي يدفعهم للمُغامرة والسفر من الأساس، فاحتماليّة انتقال العدوى داخل جسم الطائرة وفق خبراء صحّة أعلى بكثير، وهي التي بدأت (الخطوط القطريّة) بالأساس الاستغناء عن موظّفيها، بفِعل الأزمة.

مشهد المونديال القطري، تُحاصره الكثير من المخاطر، فعدا عن أزمة كورونا المُستمرّة، ومُقاطعة السعوديّة، والإمارات، تطل برأسها أزمة انخفاض أسعار النفط والغاز، وتعصف بالاقتصاد القطري، فحتى الحماية التركيّة للدوحة لها ثمن، والليرة التركيّة للحليف العثماني الإسلامي بانتظار من ينتشلها من الانهيار!