كارثة تنتظر دول الخليج.. وكالة دولية تتحدث عن انهيار الصناديق السيادية للخليج وعن الأسلحة الكافية لخوض الحرب القادمة

السبت 25 إبريل-نيسان 2020 الساعة 01 صباحاً / مأرب برس - بلومبيرغ
عدد القراءات 10093

 

تشكل ثروة النفط لأغلب دول العالم لعنةً؛ إذ أهدرت الدول التي تتمتع بوفرة من الاحتياطيات الهيدروكربونية مثل نيجيريا وأنغولا وكازاخستان والمكسيك وفنزويلا المنافع المقترنة بهذه الثروة.

لكن في منطقة الخليج وحدها، شكَّل النفط نعمة أسهمت في بناء الدول؛ إذ حوَّلت الاكتشافات النفطية في منتصف القرن العشرين منطقة تعاني الفقر المدقع والفوضى إلى واحدة من أغنى المناطق على وجه الأرض، وأصبحت قطر والكويت والإمارات أغنى من سويسرا، وحتى السعودية والبحرين وعمان أصبحت على قدم المساواة مع اليابان أو بريطانيا. 

وكان هذا التحول كاملاً، لدرجة يَسهُل معها التصديق أنَّ هذه الثروات مستمدة من أحد قوانين الطبيعة الخالدة. ومع ذلك، هذا ليس صحيحاً، فلن تُسفر حرب الأسعار الدائرة حالياً في أسواق النفط إلا عن تعجيل اللحظة التي تؤول فيها الطبيعة غير المستدامة لاقتصاديات الخليج لنهاية قاسية، بحسب تقرير لوكالة Bloomberg الأمريكية.   

في الوقت الحالي تُشارك دول مجلس التعاون الخليجي الست مع روسيا في إغراق سوق النفط الخام بالمعروض، وطرد المنتجين ذوي التكلفة الأعلى. وبالرغم من أنَّ الزيادة التي تخطط لها السعودية بمقدار 2.5 مليون برميل يومياً هي أكبر موجة يشهدها هذا التسونامي، فإن جيرانها لا يبدون أي نية للتراجع. فوفقاً لشركة Rystad Energy للاستشارات، ستضيف دولة الإمارات يومياً نحو 200 ألف برميل أو أكثر، في حين سترفع الكويت الإنتاج بمقدار 110 آلاف برميل. ومن جانبها ستزيد روسيا الإنتاج اليومي بمقدار 200 ألف برميل.

حرب أسعار النفط

لا يرجع هذا الإفراط في المعروض إلى أسباب جيوسياسية؛ بل هو نتيجة حسابية لهبوط أسعار النفط؛ نظراً لتراجع العوائد الدولارية عن كل برميل من الخام، تحتاج ممالك الخليج إلى ضخّ كميات أكبر بكثير للاستمرار في الحفاظ على معدل إيرادات قريب من المعدل الحالي.    

من حيث المبدأ، هناك أسلحة كافية لخوض هذه الحرب؛ إذ تعادل تكلفة ضخ برميل نفط واحد من حقل نفط في الخليج نفس تكلفة شراء زجاجة من المياه المعدنية الفاخرة. وحتى في حالة حدوث سيناريو متطرف، حيث تنخفض أسعار النفط الخام إلى 10 دولارات للبرميل، وتُمنى صناعة النفط العالمية بأكملها تقريباً بخسائر مالية، لن ينتهي الحال بالمنتجين الخليجيين إلى مأزق مالي، لكن تكمن المشكلة في اقتصاديات الخليج، التي تحتاج إلى سعر نفط أعلى بكثير حتى لا تعاني ميزانياتها من العجز وتدعم عملاتها المرتبطة بالدولار.

وقد جمعت البنوك المركزية في المنطقة وصناديق الثروة السيادية مبالغ هائلة كافية لتتجاوز الدول هذه الأزمة، وكذلك مخاطر استمرار انخفاض الطلب على المدى الطويل. ومع ذلك، في مواجهة انخفاض الأسعار، يمكن أن تُستنزَف احتياطات الأمان هذه سريعاً.

7 أعوام وقد تنفد الخزائن!

انظر مثلاً إلى صافي الأصول المالية التي تحتفظ بها الحكومة السعودية؛ وهي احتياطيات البنك المركزي، بالإضافة إلى أصول صندوق الثروة السيادية، بعد خصم الدين الحكومي. وانخفضت هذه الأصول إلى 0.1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2018، مقارنة بنسبة 50% في السنوات الأربع السابقة، وذلك بسبب انخفاض سعر النفط الخام عن مستوى 100 دولار للبرميل في نهاية عام 2014. ومن المرجح أن تتحول المملكة الآن إلى صافي الدين في المستقبل المنظور، حتى لو ارتفع سعر البرميل لأعلى من 80 دولاراً.

وعلى مدى السنوات الأربع السابقة لـ2018، انخفض صافي الأصول المالية التي تمتلكها دول الخليج الست بنحو نصف تريليون دولار، وصولاً إلى نحو 2 تريليون دولار، وفقاً لدراسة أجراها صندوق النقد الدولي الشهر الماضي. ووفقاً للصندوق، حتى إذا لم يصل الطلب على النفط لذروته حتى عام 2040، فيمكن استنفاد الأصول المتبقية بحلول عام 2034. ومع وصول سعر النفط إلى 20 دولاراً للبرميل ستنخفض هذه الأصول بوتيرة أسرع، وهو ما سيؤدي إلى إفراغ خزائن الدول بحلول 2027.

وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في تقرير، العام الماضي، إلى أنَّ تراوح أسعار النفط بين 50 و55 دولاراً للبرميل، سيُخفِّض قدرة الاحتياطي الأجنبي للسعودية على تغطية الواردات لنحو خمسة أشهر فقط بحلول عام 2024. وينبغي أن يكون هذا نذيراً مزعجاً، إذ سيؤول بالمملكة في غضون بضعة أشهر إلى أزمة غير متصورة في ميزان المدفوعات والتخلي عن ربط عملتها بالدولار، وهو ما دعم تجارة النفط العالمية على مدى جيل، ومع ذلك فإنَّ الأسعار التي نراها الآن تجعل هذا السيناريو يبدو شبه إيجابي.

لا تزال هناك فرصة لتغيير هذا المستقبل، لكن سيشمل ذلك تغييرات جوهرية في أفكارنا عن الخليج ودوره في الاقتصاد العالمي.

حلول مؤقتة

تبنت الحكومات في المنطقة تخفيضات مفرطة في الميزانية، في أعقاب انخفاض الأسعار في عام 2014، من خلال رفع الدعم الحكومي وفرض ضرائب على المبيعات بطريقة تتسبب في تلاشي دول الرفاهية الفارهة. وإذا سقطت هذه الدول إلى مستوى أقل من ذلك، فسيولد ذلك ضغطاً لفرض مزيد من الضرائب وتقليص الخدمات المدنية المتضخمة. ولن يحظى أي من النتيجتين بالقبول لدى المواطنين، الذين لم يُسمَح لهم مطلقاً بالتصويت الديمقراطي. وقد تضطر المملكة أيضاً إلى تخفيض الإنفاق الدفاعي والأمني المفرط، الذي يمثل ما يقرب من ثلث ميزانية الدولة.

ربما نحن على وشك أن نشهد نهاية العصر الذي كانت تشبه فيه دول الخليج وصناديق ثروتها السيادية آلات نقدية سحرية مستعدة لدفع مبالغ طائلة لشراء أصول في كل قارة. وقد تضطر هذه الدول للتحول إلى بائعين صافين. وسيؤثر ذلك بلا شك على مؤسسات أجنبية، بدايةً من سوق الخزانة الأمريكية، حيث تمتلك السعودية نحو 183 مليار دولار من الأوراق المالية، وحتى شركة Softbank Group التي قد تجد الرياض شريكاً أقل سخاءً لتمويل الرؤى الموسعة للرئيس التنفيذي ماسايوشي سون.

على مدى نصف القرن الماضي أو نحو ذلك، ركبت دول الخليج موجة الثروات، لكن كل موجة لا بد وأن تتكسر في النهاية. ولن ترى الأجيال القادمة أبداً الثروة التي تمتعت بها الأجيال الحالية. ربما لم يسلم الخليج من لعنة النفط في نهاية المطاف، لكن ما حدث هو أنَّ تلك اللحظة تأخرت.