التضخم الجامح في اليمن يسير بأقصى سرعته..

الثلاثاء 02 أكتوبر-تشرين الأول 2018 الساعة 09 صباحاً / مأرب برس- د. محمد الميتمي
عدد القراءات 4185
  



تتآكل قيمة الريال اليمني، مقوّمة بالدولار وسلة العملات الرئيسية، بصورة مقلقة. وتهدد معدلات انهيارات الريال المتسارعة ما تبقى من وميض خافت للعيش دون المستوى المقبول للملايين من اليمنيين ويجرّدها مما تبقّى لها من أصناف قائمة الطعام القليلة والتي تتوارى من مائدتها مع كل ارتفاع معدلات التضخم.
وانخفضت قيمة الريال بمعدل أكثر من 200 بالمئة خلال أقل من سنتين ليصل إلى 770 وحدة محلية مقابل الدولار مع نهاية سبتمبر من العام الجاري وتبلغ معدلات التضخم السنوي اليوم أكثر من 40 بالمئة على أقل تقدير.
وكمحصلة لهذا الانهيار المتسارع تدافعت أسعار السلع والخدمات إلى الأعلى لتنطلق معها موجة من التضخم الجامح الذي ندر حدوثه في اليمن. ومن المؤكد أن يدفع هذا التآكل المحموم لقيمة الريال ملايين إضافية من اليمنيين إلى حافة المجاعة القاتلة.
والخشية أن هذه اللحظة الفارقة ما بين الأمل وفقدانه تدفع إلى نشر الفوضى والعنف الجماعي والتطرف، بل قل الانهيار الشامل للمجتمع. وهو اليوم الذي كنت قد حذّرت من قدومه وبصوت عال قبل أكثر من عام من هذا التأريخ.
ما يعقّد المشكلة اليمنية هو توقف المعاملات الاقتصادية مع العالم الخارجي بشكل شبه كلي مما قاد إلى نضوب العملة الصعبة في البنك المركزي وبقية البنوك التجارية
التضخم هو واحد من أخطر العلل الاقتصادية التي تصيب الأوطان، وأشدها فتكا وضررا. وتحدد السرعة والحدة اللتين يتحرك بهما التضخم في قنوات التداول مصيرها. وتذكرنا روايات درامية من التاريخ بما فعله التضخم الجامح في تلك الأوطان: (ألمانيا عام 1921 والمجر عام 1945 وتشيلي بينوشيه عام 1973 والأرجنتين عام 1989 ونيكارغو 1990 وزيمبابوي عام 2000 واليونان عام 2010 وآخرها اليوم فنزويلا الغنية بالنفط التي دفع التضخم الجامح فيها الملايين من مواطنيها للهجرة إلى الدولة المجاورة، وهو الأمر الذي دفع بخمس دول من دول أميركا اللاتينية للمطالبة بإحالة حكومة فنزويلا للمساءلة.
قال الاقتصادي البريطاني الشهير جون مينارد كينز “ليس ثمة وسيلة أكثر خبثا وضمانا لقلب الأسس القائمة لوجود المجتمع من تدهور العملة”، كما قال جون هتري “التضخم آفة مميتة، ما إن تمسك بخناق النظام الاقتصادي-الاجتماعي حتى تسممه برمته”.

مصادر التضخم

يعد الإفراط في خلق الأرصدة النقدية واحدا من أبرز مصادر التضخم وأسبابه المتعددة. ويطلق عليه بالتضخم النقودي بحيث تغدو هناك كمية هائلة من الأوراق النقدية تطارد سلعا قليلة وهو الحالة السائدة اليوم في الاقتصاد اليمني.
رغم أن الأشكال الأخرى من التضخم كالتضخم المدفوع بالعجز والتضخم المدفوع بالطلب، والتضخم المدفوع بالتكاليف والتضخم الائتماني قد تبقى سائدة وبدرجات متفاوتة وتسهم في زيادة سعر التضخم، غير أن الدور الرئيسي الآن يظل حكرا على التضخم النقودي.
لكن ما ينبغي قوله هنا إن التضخم الجامح الذي ينتشر كالسرطان اليوم في جسد الاقتصاد اليمني والمصحوب بانهيار سريع للعملة الوطنية الريال، هو اليوم أكبر من مجرد ظاهرة اقتصادية. إذ أن الحرب الدائرة وغياب الأمن في اليمن والنزعات الإقليمية الساعية إلى تمزيق اليمن والتشرذم السياسي للأحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والقبلية ومساعيها ضيقة الأفق لتحقيق مكاسب آنية على حساب مستقبل اليمن هي المحرك الأول لماكينة التضخم الجامح.
وبالتالي فإن أي وصفات لعلاج التضخم ووقفه بأدوات اقتصادية بحتة ليست أكثر من مجرد أمنيات ومصيرها الفشل. تلك الوصفات الارتجالية التي يتم الإعلان عنها بين الفينة والأخرى لن تحل المعضلة بل تطلق عفاريت التضخم المكبوت من قماقمها لتجهز على من تبقّى من آمال في القيادة والسيطرة.
إن مظاهر التضخم وديناميتها وخصائصها تتباين أوقات الحرب عنها في أوقات السلم. فتمويل الإنفاق الحربي، وبروز الفصائل والجماعات المسلحة المتربّحة من الحرب ونمطها الاستهلاكي الشره يجعل من تسارع معدلات التضخم أشبه بسرعة فيضان جارف انهارت أمامه كل الحواجز. كما أن انهيار المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية بفعل وقائع الحرب يدفع السلطات في ظل الحرب للّجوء إلى طباعة النقود من دون غطاء لتمويل احتياجاتها العسكرية والمدنية.
مما يزيد الطين بلة هو تنافس القوى المتحاربة على طباعة النقود الورقية كل في حدود ونطاق قدرته في فعل ذلك. وحتى الربع الثالث من عام 2018 ومنذ بداية الحرب المشؤومة، استقبلت قنوات التداول النقدي ما يزيد عن 3.5 تريليون ريال يمني من دون غطاء لتغطية نفقات الأجور والمرتبات ونفقات الحرب بشكل رئيسي. ومما يفاقم من تعاظم المشكلة هو تزايد سرعات النقود بفعل المخاوف من تآكل قيمتها لتعتلي ظاهرة “النقود الساخنة” و”الدولرة” مسرح الأزمة الراهنة.
انهيار الريال اليمني

تعقيدات الأزمة

ما يعقّد المشكلة اليمنية هو توقف المعاملات الاقتصادية مع العالم الخارجي بشكل شبه كلي مما قاد إلى نضوب العملة الصعبة في البنك المركزي وبقية البنوك التجارية في بلد الصراع. وبفعل انعدام أدوات التقييم والرقابة والسيطرة على السياسية النقدية التي من شأنها أن تضبط حجم الكتلة النقدية وترشّد السلوك الاستهلاكي في المجتمع ينشأ ما أطلق عليه “الوهم النقدي”.
تعتقد السلطات النقدية، ومن دون حجج قوية، ويشاركها في ذلك طيف واسع من الفئات الاجتماعية بإمكانية السيطرة على تدهور قيمة العملة في الظروف السائدة بمجرد الحصول على مبالغ محدودة من العملة الأجنبية كما هو حال الوديعة المقدمة من المملكة العربية السعودية.
يميز علماء الاقتصاد بين مرحلتين من التضخم، الأولى يطلق عليها التضخم التدريجي والثانية التضخم الجامح. في المرحلة الأولى تكون العلاقة بين الكتلة النقدية والكتلة السلعية مقومة بالنقود في حالة من الاختلال المحدود. فمع زيادة الكتلة النقدية في قنوات التداول تنمو تبعا لهذا الشكل من تضخم الأسعار بمعدلات أقل من زيادة الكتلة النقدية.
وعلى العكس ففي ظروف التضخم الجامح ترتفع الأسعار بمعدلات أسرع وأكبر من ارتفاع الكتلة النقدية. وتكون سرعة دوران النقود أسرع بمرات من سرعة الزيادة في الكتلة النقدية ويظهر بفعلها ما نطلق عليه بالنقود الساخنة.
في هذه المرحلة، تتنافس كافة الفئات الاجتماعية للتخلص من النقود المحلية بسبب فقدانها المتواصل لقيمتها المقومة بالعملات الأخرى وذلك في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ثرواتها وأصولها المادية. ولذلك يمكن الافتراض بأن الكتلة النقدية اليوم في اليمن مضروبة في سرعة دورانها والذي نقدره بـ(5-3 دورات) تبلغ ثلاثة أضعاف تقريبا حجمها الفعلي في قنوات التداول.
عند هذه المرحلة يطرأ على العملة من عجز كبير في القيام بوظائفها الرئيسية الأربع (وظيفتها كمقياس للقيمة، ووظيفة وسيط لتبادل السلع والخدمات، ووظيفة الاكتناز، ووظيفة المدفوعات الدولية) حتى تتوقف تماما عند النقطة الحرجة للتضخم التي تصبح فيه ليست أكثر من مجرد ورقة لا قيمة لها. وانهيار المارك الألماني في الفترة من سنة 1921 إلى 1923 يعتبر مثالا كلاسيكيا لانهيار العملة في ظل الحرب وما بعدها.
عند بلوغ هذه النقطة تنهار ثقة المتعاملين تماما في العملة المحلية إلى درجة يندفعون معها وبهوس شديد للتخلص منها عبر شراء العملات الأخرى ليظهر ما يطلق عليه ظاهرة “الدولرة”.