هكذا يتم نهب ذهب السودان عبر فاغنر....

الثلاثاء 07 يونيو-حزيران 2022 الساعة 07 مساءً / مارب برس - غرفة الأخبار
عدد القراءات 2210

 نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا لديكلان وولش تحدث فيه عن نشاطات يفغيني بريغوجين، حليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في السودان الذي ينقب فيه عن الذهب. 

وأشار التقرير إلى كيفية استغلال الكرملين تواجد مجموعة فاغنر في السودان تحت غطاء شركة روسية للتنقيب عن الذهب، من أجل تهريب المعدن النفيس إلى روسيا

. وبحسب الصحيفة، فإن فاغنر تنهب الذهب من السودان بدعم من بوتين، بينما تساعد المجموعة العسكر على سحق حركة الديمقراطية

النص الكامل للمقال. مترجما

في منطقة محروقة غنية بالذهب على بعد مائتي ميل شمال العاصمة السودانية، حيث تنبع الثروة من الصخر الصحراوي المنحوت، يهيمن على العمل هناك مشغل أجنبي غامض. 

ما يطلق عليه الناس المحليون اسم "الشركة الروسية" هو عبارة عن مصنع يخضع لحراسة مشددة، ترتفع من داخله أبراج براقة، ويقع في قلب الصحراء. يتم داخل هذا المصنع تحويل أكوام من الركاز المغبر إلى سبائك من الذهب شبه المكرر. يقول عمار الأمير، وهو عامل منجم وأحد قيادات المجتمع المحلي في العبيدية، وهي بلدة قاحلة تعيش على التعدين وتقع على بعد عشرة أميال من المصنع: "يدفع الروس أفضل الأجور. وإلا فإننا لا نعرف الكثير عنهم." في الواقع، يظهر من سجلات الشركة والحكومة السودانية أن منجم الذهب ما هو سوى أحد المراكز الأمامية لمجموعة واغنر، تلك الشبكة الغامضة من المرتزقة الروس وشركات التعدين وعمليات النفوذ السياسي – والتي يتحكم بها ويديرها حليف مقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – الآخذة بالتوسع بشكل قوي في مختلف أرجاء القارة الأفريقية.

 يعرف عن واغنر أنها مُورّد للبنادق المستأجرة، إلا أنها تطورت خلال السنين الأخيرة فغدت أداة أكثر تعقيداً وأوسع انتشاراً للنفوذ الروسي، بحسب ما يقوله خبراء ومسؤولون غربيون يرصدون توسعها. 

وبدلاً من كونها كياناً واحداً، فقد باتت واغنر وصفاً لعمليات مترابطة يتم من خلالها خوض الحروب وجني الأموال وممارسة النفوذ، بأقل التكاليف، وبأساليب قابلة للإنكار، بما يخدم طموحات السيد بوتين داخل قارة تحظى فيها روسيا بدعم مرتفع نسبياً. وظهرت فاغنر في عام 2014 كفرقة من المرتزقة المسنودة من قبل الكريملين لدعم أول غزوة يقوم بها السيد بوتين في شرق أوكرانيا، ثم ما لبثت من بعد أن نشرت عناصرها في سوريا. وفي الأشهر الأخيرة، ظهر ما لا يقل عن ألف من مقاتليها في أوكرانيا بحسب ما تؤكده مصادر المخابرات البريطانية. العنصر المحوري في عمليات فاغنر، كما يقول المسؤولون الغربيون، هو يفجيني بريغوجين، وهو أوليغاركي روسي اشتهر بلقب "طاهي بوتين" والذي أدين في الولايات المتحدة بتهم التلاعب بالانتخابات الرئاسية التي أجريت في عام 2016. تمددت عمليات فاغنر في عام 2017 لتصل إلى أفريقيا، حيث غدا مرتزقتها عاملاً بارزاً، ومحورياً في بعض الأوقات، في سلسلة من الصراعات التي تدور رحاها في عدد من البلدان، منها ليبيا وموزمبيق وجمهورية أفريقيا الوسطى ومؤخراً مالي، حيث تتهم فاغنر في هذه البلدان وفي غيرها بارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين. إلا أن فاغنر أكثر من مجرد آلة حرب في أفريقيا، وعند التأمل عن قرب في نشاطاتها داخل السودان، ثالث أكبر منتج للذهب في القارة الأفريقية، يظهر بوضوح مدى انتشارها. حصلت فاغنر على امتيازات هائلة للتنقيب والتعدين في السودان، بما يعود عليها بسيل متدفق من الذهب، كما تشير السجلات – الأمر الذي من شأنه أن يعزز مخزون الكريملين من الذهب الذي يقدر بمبلغ 130 مليار دولار ويخشى المسؤولون الأمريكيون أن يستخدم لتقويض مفعول العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، وذلك من خلال تمكين الروبل. تقوم فاغنر في شرق السودان بالمساعدة في تنفيذ مشروع الكريملين لإنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر تكون ملاذاً لسفنه الحربية التي تعمل بالطاقة النووية.

وفي غرب السودان، وجدت فاغنر منصة انطلاق للعمليات التي ينفذها مرتزقتها في البلدان المجاورة – ولربما تجد هناك أيضاً مصدراً لليورانيوم. منذ أن استولى الجيش السوداني على السلطة في انقلاب في شهر أكتوبر/ تشرين الأول، كثفت واغنر من شراكتها مع قائد عسكري متعطش منذ أن استولى الجيش السوداني على السلطة في انقلاب في شهر أكتوبر/ تشرين الأول، كثفت واغنر من شراكتها مع قائد عسكري متعطش للسلطة هو الفريق محمد حمدان، الذي زار موسكو خلال الأيام الأولى من الحرب الأوكرانية، والتي اندلعت في شهر فبراير/ شباط.

وقدمت فاغنر الدعم العسكري للفريق حمدان وساعدت قوات الأمن السودانية في إخماد الحركة الجماهيرية الهشة الداعمة للديمقراطية، كما يقول المسؤولون الغربيون. يقول صموئيل راماني من معهد الخدمات الملكية المتحدة، وهو مركز دراسات دفاعية مقره لندن، ومؤلف كتاب سيصدر قريباً حول التواجد الروسي في أفريقيا: "تتغذي روسيا على السرقات الحكومية والحروب الأهلية والصراعات المهلكة في أفريقيا، وتملأ الفراغ الذي ينجم عن تخلي الغرب أو عن عدم اهتمامه." ويضيف السيد راماني قائلاً إن السودان نموذج للبلد الذي تزدهر فيه فاغنر. ينفي الكريملين وكذلك السيد بريغوجين أي ارتباط بفاغنر، والتي يقال إنها اكتسبت اسمها من ريتشارد فاغنر، الموسيقي المفضل لدى هتلر وأن الذي منحها ذلك الاسم هو العسكري الذي أسسها والذي طالما كان معجباً بما تمثله النازية له من رمزية ومن تاريخ. يحيط السيد بريغوجين نشاطاته بسرية تامة، ويسعى جاهداً لإخفاء ارتباطاته بفاغنر من خلال شبكة من الشركات الوهمية والتنقل عبر القارة الأفريقية باستخدام طائرة خاصة لعقد الاجتماعات مع الرؤساء والقادة العسكريين. إلا أن وزارة الخزانة الأمريكيين والخبراء الذين يرصدون تحركات السيد بريغوجين

ونشاطاته يقولون إنه يملك أو يتحكم بمعظم، إن لم يكن جميع، الشركات التي تتكون منها فاغنر. وكما تظهر عملياته في السودان، تركت تلك الشركات من خلفها آثاراً من الورق تدل عليها. وذلك أن سجلات الجمارك الروسية والسودانية والمؤسسات ذات الصلة، والتي تم الحصول عليها عبر مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة – وهو مؤسسة غير ربحية مقرها واشنطن، وكذلك وثائق التعدين، وسجلات الرحلات الجوية والمقابلات التي أجريت مع مسؤولين غربيين وسودانيين، تكشف جميعها عن حجم امبراطوريته التجارية في السودان – وعن الأهمية الخاصة للذهب. 

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد صرحت في بيان لها يوم 24 مايو/ أيار إن مجموعة فاغنر "تركت من خلفها أثراً يدل عليها جله من الأكاذيب وانتهاكات حقوق الإنسان" في مختلف أرجاء أفريقيا، وأن السيد بريغوجين هو "مديرها وممولها." معظم المسؤولين تحدثوا عن السيد بريغوجين وعن فاغنر شريطة عدم الإفصاح عن هويتهم، متعذرين بظروف السرية التي تحيط بوظائفهم أو في بعض الأوقات، بسبب الخشية على سلامتهم الشخصية. ورفض الفريق حمدان وكذلك مبارك أردول، المسؤول في الدولة السودانية عن قطاع التعدين، طلبات لإجراء المقابلات معهما. 

في إجابة مطولة ومكتوبة على أسئلة وجهت إليه، نفى السيد بريغوجين وجود أي مصالح تعدينية له في السودان، وأدان العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، ورفض ضمنياً، وجود المجموعة التي اشتهر عنه ارتباطه بها. وقال: "للأسف، لم يكن لدي في أي يوم من الأيام شركات تعدين. وأنا لست رجلاً عسكرياً روسياً. وأسطورة فاغنر، ما هي إلا أسطورة." المفتاح إلى أفريقيا بدأت عمليات فاغنر في السودان في عام 2017 بعد لقاء جرى في المنتجع الساحلي الروسي سوتشي. بعد ما يقرب من ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي، بدأ رئيس السودان عمر حسن البشير يفقد قبضته على السلطة. فسعى أثناء لقاء مع السيد بوتين في سوتشي إلى تشكيل تحالف جديد، مقترحاً على روسيا أن يكون السودان مفتاحها إلى أفريقيا مقابل تقديم المساعدة له،

وذلك يتدفق الرجال الفقراء، الذين يمنون أنفسهم بتحقيق ثراء سريع، نحو العبيدية، بلدة مناجم الذهب شمالي الخرطوم على ضفاف نهر النيل. بعد نحت الصخور الثرية بالذهب من الجبال في الصحراء، يجلبونها لكي تسحق في سوق البلدة المتداعي، حيث يستخلصون الذهب باستخدام تقنية متخلفة تعتمد على الزئبق، تشكل مخاطر جسيمة على صحتهم. إلا أن أرباحاً أعظم يمكن أن تُجنى من خلال تمرير الركاز عبر عملية ثانية لاستخلاص الذهب أكثر تعقيداً داخل مجمع للورشات الصناعية يقع على بعد عشرة أميال، حيث تقوم على إدارة أضخم هذه الورشات شركة ميرو غولد. في مقابلات أجريت معهم، تحدث الباعة حول كيف جاء الروس إلى السوق ليأخذوا عينات ويشتروا ركاز الذهب، وكيف أنهم كانوا يدفعون ما يصل إلى 3600 دولار لحمولة شاحنة تزن

تسعة أطنان من الركاز. وقالوا إن الروس، في بعض الأوقات، كانوا يحظون بحماية قوات تابعة لقوات الدعم السريع بقيادة الجنرال حمدان. عندما اقترب فريق من صحيفة ذي نيويورك تايمز من بوابة ورشة مور غولد، أبدى المهندس السوداني أحمد عبد المنعم الرغبة في المساعدة قائلاً إن ما يقرب من ثلاثين روسياً وسبعين سودانياً يعملون هناك، ومشيراً إلى مقرات السكن والمعامل والأبراج المعدنية البراقة. ولم يكن وارداً أن يتحدث الروس أنفسهم مع أحد من الصحفيين بسبب ما أشيع عن ارتباط الشركة بمجموعة فاغنر، وهو الأمر الذي نفى صحته. قبل أن يستفيض، وردت رسالة باللغة الروسية عبر جهاز اللاسلكي. ثم اصطفت حافلة صغيرة خارج البوابة يقودها شخص أبيض تبدو عليه ملامح الرجل الرياضي ويرتدي بنطلوناً قصيراً، ويضع على عينيه نظارات شمسية،

ويكتسي بقميص تي شير كاكي أخضر اللون. بدا واضحاً أنه يتجنب التواصل البصري مع أفراد فريقنا. انطلقت الحافلة وعلى متنها السيد عبد المنعم، ثم طلب منا المغادرة. ارتفع بشكل حاد إنتاج الذهب في السودان بعد عام 2011، عندما انفصل جنوب السودان وأخذ معه جل الثروة النفطية، ومع ذلك لم يحظ بالثراء سوى حفنة قليلة من السودانيين. هيمنت عائلة الفريق حمدان على تجارة الذهب، بحسب ما يقوله الخبراء والمسؤولون السودانيون. ويتم تهريب ما يقرب من سبعين بالمائة من إنتاج السودان إلى الخارج، بحسب تقديرات صادرة عن البنك المركزي السوداني حصلت عليها صحيفة ذي نيويورك تايمز. يمر معظم ذلك الذهب عبر الإمارات العربية المتحدة، المركز الرئيسي للذهب الأفريقي المهرب. يقول المسؤولون الغربيون إن الذهب الذي ينتجه الروس يتم تهريبه في الأغلب بهذه الطريقة، مما يسمح للمنتجين تجنب الخضوع للضرائب الحكومية وربما كذلك التهرب من دفع النصيب المستحق للحكومة السودانية من الأرباح التي يجنيها المنتجون. يقول لاكشمي كومار الذي يعمل في مؤسسة غلوبال فاينانشال إنتغريتي، وهي جهة غير ربحية مقرها واشنطن متخصصة في البحث في التدفقات المالية غير القانونية: "بإمكانك أن تدخل الإمارات العربية المتحدة وفي يدك حقيبة مملوءة بالذهب، ولن يوجهوا إليك أي أسئلة." لقد غدا وقف تدفق الذهب الروسي من أولويات الحكومات الغربية. ففي شهر مارس / آذار، هددت وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على أي شخص يساعد السيد بوتين في غسيل ما لدى البنك المركزي الروسي من ذهب تقدر قيمته بما يقرب من 130 مليار دولار. يقع الجزء الأكثر إظلاماً فيما تمارسه فاغنار في السودان في إقليم دارفور، تلك المنطقة التي مزقها الصراع والمعروفة بثرائها باليورانيوم. بإمكان المقاتلين الروس هناك التسلل إلى داخل القواعد التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال حمدان، كما يقول مسؤولون غربيون وموظفون يعملون في الأمم المتحدة – وفي بعض الأوقات يستخدمون تلك القواعد للانطلاق نحو جمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وأجزاء من تشاد. وهذا العام زار فريق من علماء الجيولوجيا الروس منطقة دارفور لتقييم مقدراتها من اليورانيوم، بحسب ما صرح به مسؤول غربي. منذ أن بدأت الحرب في أوكرانيا، تعمل شبكات التضليل المعلوماتي الروسية داخل السودان على توليد تسعة أضعاف ما كانت تولده من قبل من أخبار كاذبة، وذلك سعياً منها لنيل الدعم لصالح الكريملين، بحسب ما يقوله أميل خان من مؤسسة فيلانت بروجيكتس، وهي شركة مقرها لندن وتعمل في مجال رصد تدفق المعلومات المضللة. إلا أن تلك الرسالة لا تجد ترحيباً من الجميع. فقد انطلقت عدة احتجاجات ضد عمليات ميرو غولد في مناطق التعدين. بل لقد حققت مقاطع فيديو لشخصية سودانية معروفة عبر اليوتيوب باسم "الثعلب" أعداداً ضخمة من المشاهدات، وجل هذه المقاطع مخصص لرفع الغطاء عن عمليات ونشاطات فاغنار. ويرى متظاهرون من داعمي الديمقراطية أن موسكو كانت تقف من وراء الانقلاب العسكري الذي وقع في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وتمخض عنه استيلاء العسكر على الحكومة السودانية. جاء في ملصقة ظهرت في الخرطوم مؤخراً العبارة التالية: "روسيا دعمت الانقلاب، ولذلك فقد تسرق الذهب."