عالم المكارثية وكيّ الوعي.. غزة مسرح الجريمة المقدّسة

الخميس 23 نوفمبر-تشرين الثاني 2023 الساعة 12 صباحاً / مأرب برس_متابعات خاصة
عدد القراءات 882

لأكثر من شهر ونصف الشهر، تعيش غزة كلّ يوم على وقع جرائم حرب وإبادة وتطهير عرقي مُكتملة الأركان والأوصاف وفق التعريفات الدقيقة لعديد الخبراء في القانون الدولي.

ورغم أن المأساة الإنسانية في “القطاع المحاصر” استحوذت على اهتمام العالم بأسره لأسابيع من حيث الأحداث الدرامية، فإن إحدى أخطر القضايا الماثلة بقوة للعيان، لم تحظ بالنقاشات الموسعة، ولم تنل حظا وافرا من التحاليل المعمّقة. استبطان التعوّد والمقصـود هنا تحديدا ظاهرة “التعوّد” بل بالمعنى الأدق “تعويد” المجتمع البشري على مشاهد مروّعة لا تمت بصلة للقانون الإنساني الذي يحكم النزاعات المسلحة منذ عام 1949، ومن ثمة إرغامه على اقتحام دائرة عالم مُشبع بالوحشية والهمجيّة وأسوإ الفظائع ضد الضعاف، فاق في الحالة الفلسطينية “قانون الغاب” بالمفهوم الفلسفي عند توماس هوبز.

وفي الواقع يُستبطن هذا “التعوّد الخطير والمخالف للطبيعة البشرية لدى فئة كبيرة من الناس بطريقتين:

أولاهما عبر إبقائهم يوميا لأسابيع وشهور أمام أخبار وصور لإبادة جماعية حقيقية وتطهير عرقي يروح ضحيته الآلاف من المدنيين الفلسطينيين دون أن تكلف الدول العظمى نفسها عناء تحرك صارم؛ أدنى شيء لوقف الهمجية، إن لم تجد لها الذرائع وتسخر لها كل الوسائل لتبريرها.

أما ثانيهما، فمن خلال تجريم أي مظهر من التعاطف مع الضحايا وأيّ انتقاد للجلادين الذين يتبجّحون علنا بانتهاك القانون الإنساني وقواعده الأساسية، كما يجرّمُ جيش الاحتلال الإسرائيلي بقصف المستشفيات والمدارس والكنائس والمساجد ومنشآت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وبإجبار أهالي غزة على إخلاء منازلهم وحرمانهم من وسائل العيش، من ماء وغذاء ودواء، وتدمير بنيتهم التحتية.

هذا التعوّد في الأصل لابد أن ينتج عنه نوع من الاستهتار إزاء البربريّة اللاّمحدودة التي يدور في فلكها “كيان صهيوني” دمّر بطريقة استفزازية ومُمنهجة المرتكزات الفكرية والسياسية والحقوقية للقوة المعيارية والأخلاقية التي تُنتِج القيم والمثل العليا والمبادئ الإنسانية، وتُعزّز الديمقراطية عبر الحُكم المؤسساتي وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان والعدالة والحرية..

ترويج الأساطير طبيعي جدا أن اختفاء القانون الإنساني وانهيار القيم الأخلاقية مع اللاّمبالاة نحو إبادة الشعب الفلسطيني وقضيّته العادلة، يَهِبان تل أبيب فرص الإفلات التام من العقاب، بل التفاخر بالترويج للرواية الإسرائيلية وتصوير عملية طوفان الأقصى التي نفذتها “حيوانات بشرية” على أنها نسخة مكرّرة من هجمات 11 سبتمبر 2001.

من أجل ذلك، تجنّد الغرب سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وكان خطابه في وسائل الإعلام استمرارا للأفكار العنصرية الاستعمارية عن تفوق الرجل الأبيض و”رسالته الحضارية” وعلى الآخرين طاعته مجردين من إنسانيتهم من دون احتجاج، وإلا فهم “إرهابيون”، وهي أفكار كانت مدعومة من الفكر الأكاديمي الغربي وكان كل منها يعتمد على الآخر، كما أوضح ذلك المفكر إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”.

أصبحت أُسُس القوة المعيارية للعالم الغربي: “مَنْ ليس مع إسرائيل فهو ضدنا” (ضد العالم الغربي)، و”من لا يُدين حماس فهو إرهابي”، و”من يتعاطف مع أهل غزة فهو يكره إسرائيل” ويدعم المقاومة، و”من يتظاهر لوقف الحرب على غزة فهو ضد مصالح الأمن الإسرائيلي”، و”من لا يدعم الحرب ضد “الحيوانات البشرية” والإبادة الجماعية فهو ضد وجود دولة إسرائيل”، و”من يقوم بإدانة إسرائيل فهو معاد للسامية”، و”من يندد بالصهيونية فهو ليس منَّا”.

لذلك يسعى الغرب جاهدًا إلى الحؤول دون تشكُّل رأي غربي، وعالم يكتشف زيف الرواية الإسرائيلية ويضغط على حكوماته للكف عن الدعم غير المشروط لإسرائيل خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن ما شهدته من مظاهرات خلال حربها على العراق وفيتنام ليس منَّا ببعيد.

بالإضافة إلى ترويج سرديّة البكائيات” الإسرائيلية، يحرصُ الغرب على حفظ الأساطير التي تأسست عليها إسرائيل والتفكير الذي ساعدها على ترسيخ جذورها، وذلك بإخضاع الأكاديميا للسياسة.

وقد كانت الصهيونية المسيحية التي ظهرت قبل الصهيونية اليهودية سبَّاقة في الترويج لتلك الأساطير وبذلت وسعها في إقامة إسرائيل وضمان استمرارها. فكما تعاون الأكاديمي الغربي في الماضي في التمهيد للمشروع الإمبريالي والدفاع عنه، ها هي المؤسسة السياسية في الغرب تحاول اليوم أن يستمر الخطاب الأكاديمي في خدمة المشروع الإمبريالي-الصهيوني في المنطقة الذي تمثِّله إسرائيل باعتبارها دولة وظيفية؛ لأن الغرب يدرك تمامًا أن سقوط هذه الدولة الوظيفية سقوط لمشروعه، وانبعاث “للحس الإمبراطوري”، وفق تعبير برنارد لويس، لدى العرب والمسلمين. وفي سعي إلى إخضاع الخطاب الأكاديمي، وفق ميشال فوكو، للنظام السياسي؛ يدرك الغرب تمامًا أن النصوص لا تخلق المعرفة فحسب، كما يقول إدوارد سعيد بل يمكنها كذلك أن تخلق الواقع ذاته الذي يبدو أنها تصفه.

وبمرور الوقت، تنتج مثل هذه المعرفة والواقع تقليدًا، أو ما يسميه ميشيل فوكو “الخطاب”.

إن القوة السياسية الغربية تحاول أن تجعل خطابها الأكاديمي ينتج مفهومًا للقضية الفلسطينية يقوم على الصور النمطية الصارمة وليس على حقائق علمية، على غرار إنتاج الاستشراق مفهومًا يسمى “الشرق” يقوم على تلك الصور وليس على ثقافات الشرق الفعلية، وفق إدوارد سعيد. صهينة الغرب في هذا السياق تحيل الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على قطاع غزة، إلى ما يمكن تسميته بـ”صَهْيَنَة الرأي والتعبير” بدل الحرية المقدسة للرأي والتعبير التي لا يمكن التخلي عنها والتفريط فيها من أجل دعم الاضطهاد والإبادة الجماعية.

وتتجسد هذه الصَّهْيَنَة للرأي والتعبير في اليقينيات (الكوجيتو) الجديد/ القديم: “مَن ليس مع إسرائيل فهو ضدنا”، و”من يُدِن إسرائيل فهو معاد للسامية، لذلك لا يُشترط – كما قال الرئيس الأمريكي جو بايدن – أن يكون المرء يهوديًّا ليصبح صهيونيًّا، بل إن الأساس في الصهيونية هو الاعتقاد بحق إسرائيل في الاستعمار الاستيطاني/الإحلالي، الذي يسمى اليوم “الدفاع عن النفس”، ونزع الصفة الإنسانية عن السكان الأصليين وارتكاب جرائم الإبادة في حقهم باعتبارهم حيوانات بشرية.

وهو المنظور الذي يُؤسِّس لصَهْيَنَة المجتمع الغربي سياسيًّا وقانونيًّا وإعلاميًّا دون النظر إلى جذور المشكلة التي تتمثَّل في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية لنيل حقوقه كما تقر بها الشرعة الدولية. لقد جعلت الصّهيونية من “الهولوكست” أو المحرقة تجارة رابحة، وأصبحت توظَّف لأغراض سياسية واقتصادية.

وفي كتابه “صناعة الهولوكست: تأملات حول استغلال معاناة اليهود” لنورمان فنكلشتاين، فإن “الهولوكست” لا يخضع للفهم العقلاني لأنه تحوّل إلى شيء لا مثيل له في التاريخ الإنساني و”تفرّده المطلق”. نبوءة “إشعياء” بالتوازي مع عودة “المكارثية” بقوة في الغرب لتسويغ الحرب الهمجية على سكان غزة، وظف الخطاب السياسي داخل إسرائيل النصوص التوراتية القديمة ترسانته المساندة لتأجيج المشاعر الدينية عند الجمهور الإسرائيلي. ففي خطاب متلفز يوم 25 أكتوبر الماضي، استدعى نتنياهو “نبوءة إشعياء” في إطار سعيه إلى مواصلة حرب الإبادة على قطاع غزة

، وقال: “نحن أبناء النور بينما هم أبناء الظلام، سينتصر النور على الظلام”.وأضاف نتنياهو: “سنحقق نبوءة إشعياء، لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، سنكون سببا في تكريم شعبكم، سنقاتل معا وسنحقق النصر”.

كما استدعى نصا دينيا آخر، حين قال: “يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما يقول لنا كتابنا المقدس. ونحن نتذكر ذلك بالفعل، ونحن نقاتل بجنودنا الشجعان وفرقنا الذين يقاتلون الآن في غزّة وحولها وفي جميع المناطق الأخرى في إسرائيل” ونقرأ في سفر صموئيل الأول: “اذهب وحارب عماليق، اقض عليهم قضاء تاما، هم وكل ما لهم. لا تشفق عليهم، اقتل جميع الرِجال والنساء والأطفال والرضع، واقتل ثيرانهم وغنمهم وجمالهم وحميرهم، وحاربهم حتى يَفنوا”.

ويبدو أن مصطلح “كي الوعي” الذي كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق الجنرال موشيه يعالون أول من استخدمه، ينطبق تماما على هذا التوصيف

.فهذا المصطلح يشير إلى استخدام القوة الطاغية في الانتقام الشرس من قوى المقاومة، بتنفيذ سياسات العقاب الجماعي ضد المدنيين، وسفك الدماء وتدمير المنازل على رؤوس أصحابها، وإعادة الحياة قرونا إلى الوراء

ومن مضامين هذا المصطلح أيضا استخدام سياسة الحصار والإذلال، والقضاء على مصادر الرزق، ومنع حرية الحركة ومنع الخدمات الصحية، وشن عمليات الاعتقال والتعذيب، في محاولة من جيش الاحتلال، هزيمة الفلسطيني نفسيا وإشعاره بالعجز ليستسلم للأمر الواقع.

ولما كان قادة الاحتلال يحاولون دائما تثبيت مقولة إن الجيش الإسرائيلي “هو أكثر جيش أخلاقي في العالم”، فقد لجؤوا إلى هذه المقولات التوراتية لتسويغ حربهم في غزة واعتبارها “حربا أخلاقية” تهدف إلى إبادة “مجموعة من العصابات التي لا تفهم معنى الإنسانية. ولم تكن تصريحات وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو، التي دعا فيها إلى إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة وإعادة بناء المستوطنات فيه، خارج سياق الفكر التلمودي، بل إنها تعبر عن تيار كبير متغلغل داخل المجتمع الإسرائيلي، ويحظى بنفوذ داخل دوائر صنع القرار السياسي.

ويبرر هذا التيار -الذي تقوده التعاليم التوراتية المحرفة- العنف ضد من يسميهم “الأغيار” من غير اليهود وطردهم مما يزعمون أنها أرض إسرائيل أو قتلهم، فليس أمام هؤلاء الأغيار خيار غير الإبادة أو التهجير، وفق معتقداتهم.

ورغم التعارض الصارخ بين الصهيونية بوصفها حركة علمانية والتوراة بوصفها نصا دينيا، فقد استغلت الأولى الشريعة اليهودية حتى تتحقَّق لها أطماعها الاستعمارية في فلسطين، كما بين ذلك الدكتور عصام سخنيني في كتابه “الجريمة المقدسة”.

القومية المسيحانية وبخلاف شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي، تتغلغل المعتقدات الدينية اليهودية أيضا في مختلف وحدات الجيش الإسرائيلي المشاركة في حرب الإبادة الوحشية على قطاع غزة..

وتشير الأناشيد الكاهانية التي تتغنى بها هذه القوات إلى أن فكر “القومية المسيحانية” منتشر بينها، لا سيما وهي ترفع على الدبابات المتوغلة شعارات عودة الاستيطان إلى “غوش قطيف.

ويتلخص فكر “القومية المسيحانية” المرافق للجنود اليهود بالإيمان بالمسيح المنتظر والمنقذ والمخلص، الذي سيأتي في آخر الزمان ليخلص شعب إسرائيل، وفق معتقداتهم.واستعرض تحقيق لمركز الإعلام والديمقراطية “شومريم” تغلغل فكر “القومية المسيحانية” في صفوف وحدات الجيش الإسرائيلي، واستعانتها بالحاخامات الذين يتوافدون إلى جبهة القتال ويحمسون الجنود للانتقام من الفلسطينيين، ويحثّونهم على أداء صلوات وشعائر تلمودية جماعية حتى في شمال غزة، والترويج لإعادة بناء “الكنيس القديم” في غزة.

فلا غرابة إذن ضمن هذا الفضاء الملغّم بعقيدة الإبادة والتطهير العرقي ألا يشعر جنود الاحتلال الإسرائيلي بالذنب جراء هذه المجازر، حيث تطرق براين كلاس، أستاذ السياسة الدولية في يونيفرستي كولدج لندن إلى هذه الظاهرة في مادة نشرتها منصة “ذا أتلانتك” في ديسمبر 2022 تعرض نظرية جديدة تفسر تبرير قتل العزل من الأطفال والنساء، وتغوص بعمق غير معقد في شرح هذه الممارسة الوحشية المثيرة للتساؤل.

من خلال النظرية الجديدة التي يشرحها كلاس، يصبح القتل الجماعي ممكنا بالنسبة إلى مجتمع ما حينما يؤلف هذا المجتمع سردية متماسكة تبرر العنف المتطرف أو تجعله على الأقل مرغوبا فيه لغرض استراتيجي أكبر، بل وتدفع هذه السردية بالسياسيين والجنود وحتى عامة الناس في الشارع الذين لا يشاركون في الأمر، إلى أن يُشيدوا بالمجازر ويشجعوا على استمرارها.. الحقيقة المزعجة يشير هذا المشهد المؤلم إلى التوجّه الإيديولوجي الممنهج لإسرائيل والغرب عموما نحو فرض واقع جديد تتآكل فيه “القوة المعيارية” في العالم لتنفيذ “المشروع العظيم” من الإبادة والتطهير العرقي النهائي للشعب الفلسطيني، لكن في النهاية سيكون المجتمع الدولي بهيئاته ومنظماته مضطرا إلى مواجهة هذه الحقيقة المزعجة والسردية الخطيرة التي يحاول تجاهلها وهي التي تبرر جرائم الحرب الإسرائيلية المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

والأكيد أنه إذا لم تحرك الجريمة الوحشية، الإنسانية من أجل استعادة هيئتها الأولى ووقف مسلسل جنون الدمار قانونيا وسياسيا وإنسانيا، ستكون مُقبلة على نسخة مشوهة من مجتمع دولي تتعامى فيه الأعين عن المظالم الإنسانية ويتحول في آخر المطاف إلى عالم لا مكان فيه إلا للجرائم المقدسة.. البوابة التونسية

اكثر خبر قراءة عين على الصحافة