المعنى الغائب في لا إله إلا الله
عبد الملك الجهمي
عبد الملك الجهمي

إذا كان لكلمة أن تلخص في أحرف معدودة رسالة الإسلام للعالمين فهي لا إله إلا الله. تلك الكلمة التي غيرت التاريخ البشري كله ذات مرة، و ما زالت قادرة على تغييره من جديد. و إذا ما قيض الله لهذه الأمة خلاصها و عادت لسابق عهدها سيدة للعالم، فلن تكون رسالتها إليه أكثر مما تحمله هذه الكلمة من معان .

إنها حصن الله كما ورد في حديث الرسول عن ربه: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي. فهي ما يقوله المرء عندما يدخل الإسلام و هي ما يسعي لأن تكون آخر كلامه في هذه الدنيا. و هي أيضا ما يردده المؤذنون خمس مرات في اليوم و الليلة: أشهد أن لا إله إلا الله - أشهد أن لا إله إلا الله .

جاءت هذه الكلمة في البدأ على قوم لم ينتظم لهم أمر و لا عُرفت لهم دولة و لا كان لهم عهد بحضارة؛ متفرقين إلى قبائل شتى قد كثرت بينها العداوات و أكل القوي فيها الضعيف .

نزلت هذه الكلمة كالصاعقة على رؤوسهم، فمنهم من آمن و منهم من كفر. و بعد شد و جذب و حيص و بيص تمكنت منهم و كان من أثرها فيهم أن جعلت منهم أمة واحدة في غضون عشرين سنة، و لم يكتمل القرن الهجري الأول إلا و قد سادوا العالم و دانت لهم أكبر دولتين فيه آنذاك .

على أن حالنا اليوم و إن أشبه حال أسلافنا البارحة، فإن أثر هذه الكلمة فينا اليوم لا يكاد يُحس إذا ما قورن بأثرها فيهم. ذلك أن هذه الكلمة لم تعد تلهمنا اليوم ما كانت تلهمهم، بعد أن غابت عنا مقاصدها و استعصت علينا الرسالة الكامنة فيها لأسباب كثيرة منها :

أولا: التركيز على فضلها و ثواب قولها. فما أكثر حديث العلماء و الدعاة و خطباء الجمعة عن فضل هذه الكلمة، و ما أكثر الأحاديث التي تسرد لبيان هذا الفضل و عظيم ذلك الثواب. على أن الأحاديث التي تذكر عادة في هذا المقام لا تعدو في مجملها أن تكون في فضل قول هذه الكلمة و ثواب ترديدها في اليوم و الليلة. فمن بين ثمانية عشر حديثا أحصيت في فضل هذه الكلمة، تحدث ستة عشر حديثا منها عن فضل قولها مرات معدودة في أوقات مختلفة. و هكذا حال التركيز على قول هذه الكلمة - و ما أيسره - بقصد أو دون قصد - دون الوصول إلي معناها و فحوى رسالتها. على أن لا يفهم من كلامنا هذا أننا نشكك في صحة هذه الأحاديث، فهذا ليس قصدنا و لا من اختصاصنا. إنما نتحدث عن كيفية تعاطينا - كمسلمين في الوقت الراهن - مع هذه الكلمة .

ثانيا: الجبن الناتج عن الخوف الذي مارسته الأمة منذ زمن بعيد بمحدثيها و فقهائها، خاصتها و عامتها، تحت مسميات شتى مثل: طلب السلامة ودرء الفتنة والتقية؛ لا سيما في كل ما له علاقة بالسلطان. فإذا كان في قول هذه الكلمة كل ذلك الثواب و فيه من السلامة ما فيه، فلم إثارة المشاكل و استجلاب المصائب؟ و أملنا كبير في أن تكون هذه الأيام المجيدة للثورات العربية الشعبية آخر عهد أمتنا و شعوبنا بالجبن و الخوف .

ثالثا: أن هذه الكلمة - كونها كلمة التوحيد و كون التوحيد بمكانة عالية في الإسلام كدين و عقيدة - قد اتخذها بعض الناس مطية لتكفير مخالفيهم من المسلمين أو تفسيقهم، و لتبرير التعالي و الغرور في التعامل مع غير المسلمين. فصارت الكلمة التي نزلت لتوحد ما تعدد و تجمع ما تفرق- على أيدي هؤلاء - سببا في إشاعة البغضاء و تفرقة الشمل و استباحة الدماء؛ و استحالت إلى شعار يتشدق به أصحابه دون أن يدركوا من معناه شيئ، (كمثل الحمار يحمل أسفارا).

تبدأ هذه الكلمة بما يطلق عليه النحاة: لا النافية للجنس، التي ينتقض نفيها بعد ذلك بإلا الاستثنائية. و النفي و نقضه هنا من أساليب القصر في اللغة العربية. و معناه هنا النفي المطلق لوجود أية ذات تستحق أن يطلق عليها إلها ما عدا الله تعالي .

و لأن الله سبحانه و تعالى غير البشر و غير كل المخلوقات، فإن هذه الكلمة تصبح عندئذ إعلانا بحرية الإنسان و خلاصه من عبودية أخيه الإنسان، مانعة أي إنسان من استعباد أي إنسان آخر، و مهيبة بالمستعبَد لأن يثور و ألا يخضع لمن يستعبده .

إنها خلاص الإنسان - مسلما كان أم غير مسلم - من الرق إيا كان نوعه و مهما كان مصدره، و صك أمان له في وجه كل مستعبد و ظالم. و من باب هذا المعني الواسع تدخل كل حقوق الإنسان كما عرفتها الشرائع و أقرتها المواثيق .

ذلك أن من يستعبد الناس و يأكل حقوقهم و ينتهك كراماتهم يجعل نفسه فوق من يستعبدهم و يمارس عليهم سلطات ليست من حقه أصلا؛ و أن هؤلاء المستضعفين حين يرضون بذلك يبخسون أنفسهم أمامه و يعطونه من أنفسهم ما لا ينبغي أن يعطى لبشر؛ ألا و هو الخضوع. فخضوع الإنسان لا ينبغي أن يكون إلا لإلهه الذي خلقه و لا إله إلا الله .

و الاستعباد ذو صور مختلفة. فهناك الحاكم المستبد (الدكتاتور) الذي يستفرد بالسلطة، و باسمها و بوسائلها ينتهك حرمات رعاياه و يأكل حقوقهم و يتحكم في مصائرهم و يلجؤهم إلى ما لا يرضونه من القول و الفعل. هذا النوع من الحكام لا فرق بينه و بين فرعون القائل لرعاياه: (أنا ربكم الأعلى)، أو ذلك الذي قال لإبراهيم عليه السلام بعد أن سأله عن ربه: (أنا أحيي و أميت). فلا ينبغي أن ننخدع بكون هؤلاء المستبدين لم يتلفظوا بمثل هذه الكلمات، فأفعالهم بها شاهدة ناطقة، و لو ادعوا التدين و تظاهروا بالصلاح و لبسوا لبوسهما، فالعبرة بالأفعال لا الأقوال، و السيف - كما قال أبو تمام - أصدق إنباءا من الكتب .

و هناك المحدث و الفقيه و الداعية ممن لا يعرف للخلاف حدا و لا لمخالف حقا، استبدادا في الدين و استئثارا به على من سواه. فتراهم يكفرون هذا و يفسقون ذاك و يوزعون صكوك الرحمة و النجاة على فئة و يمنعونها عن فئات، كما لو أن الله - تعالى اسمه - قد وكلهم في عباده أو أن الثواب و العقاب و الجنة و النار مستحضرات من بيوت آبائهم أو أمهاتهم .

و هناك أيضا رجال الأعمال و أصحاب الثروات؛ المحتكرون منهم و المرابون الذين يعبثون بأقوات الناس و يتحكمون في أرزاقهم و يأكلون أموالهم بالباطل و يشيعون فيهم الفقر و العازة .

في مواجهة هذه الأصناف من الاستبداد تقف الأمة جمعاء أمام امتحان هذه الكلمة، و هو امتحان - لعمرك - عسير و لا يمكن اجتيازه إلا بوقوفها في وجه المستبدين و مدافعتها لهم حتى يكفوا عن غيهم، كل من موقعه و وسع طاقته ،(فلولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).

فلا ينبغي - على سبيل المثال - للعلماء و لا للدعاة و لا للقضاة و لا للمفكرين و لا لرجال الأعمال و لا للأعيان أن يبرروا للمستبدين أعمالهم أو يعينوهم على بغيهم أو يتلمسوا لهم المخارج و الأعذار. و وجب أن يكون لعامة الناس من النخوة و الأنفة و المروءة ما يمنعهم من التصفيق لهم أو الهتاف بحياتهم أو التذلل أمام أبوابهم أو الانجرار كالأغنام وراءهم على غير هدي .

في هذه المدافعة تضحيات جسيمة في المال و النفس و الولد لا بد أن تبذل، حتى ينزل السلاطين على مثل قول أبي بكر: أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. و هل ثمة معصية أشد من الاستبداد؟

حينئذ فقط يدرك المجتمع معنى لا إله إلا الله و لا يكون فيه مكان لهؤلاء المستبدين، ليس لأنه معصوم منهم و لكن لأن لديه من وسائل المدافعة ما يمكنه من تقليم أظافرهم قبل أن تنشب في حلقومه، كما تقلم النبتة الضارة التي و إن كان لا سبيل إلي القضاء التام عليها، إلا أن من الممكن تقليهما قبل أن يعظم ضررها و يعم فسادها .

وللتأكيد على ذلك ارتبطت هذه الكلمة بمفهوم الشهادة. و شهادة المرء بشيء - كما ورد في لسان العرب - إخباره القطعي عنه كما لو عاينه. و الشهادة بهذه الكلمة تعني الاعتقاد القطعي الخالص بها ( و من هنا تأتي تسميتها بكلمة الإخلاص) و إشهاد الاخرين علي ذلك مهما كانت عواقب هذا الإشهاد و أعباؤه. و لعل المسلمين الجدد أكثر إدراكا لهذه المعاني منا نحن الذين ولدنا مسلمين و لم يطلب منا قط أن نقف في موقف نؤدي فيه هذه الشهادة على نحو تتغير معه حياتنا للأبد .

و وقائع التاريخ تثبت أن المسلمين الأوائل - على الأقل حتى نهاية فترة الخلافة الراشدة - أدركت ذلك المعني و وعته جيدا فكانت رسالتهم لأهل البلاد التي فتحوها: جئنا لنحرركم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. و لهذا نجحوا فيما سعوا إليه. و ما مئات الملايين من المسلمين فى شتى أرجاء الأرض الآن إلا أثارة من ذلك النجاح. و لعل المشهد كان سيختلف تماما لو أن رسالتهم كانت على شاكلة: جئنا لنستبدل بسيدكم الفارسي أو الرومي أو الهندي أو القوطي سيدا عربيا .

أمّا و قد اختفت هذه المعاني من حياتنا، وناءت كواهلنا عن تحمل أعبائها فهذه حالنا: قليلو الحيلة أذلاء مستضعفون في بلداننا لا من قلة في العدد و أو شح في العدة، و إنما (ظهر الفساد فى البر و البحر بما كسبت أيدي الناس). فما أحوجنا اليوم إلى هذا المعنى الغائب لهذه الكلمة العظيمة، فأمر آخر هذه الأمة - كما قال الإمام مالك - لن يصلح إلا بما صلح عليه أمر أولها. و الله أعلم .


في الجمعة 22 إبريل-نيسان 2011 05:56:45 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=9972