علي صالح ..ألتركة الثقيلة!!
احمد بن بريك
احمد بن بريك

ما من شك بأن ألثورة الشبابية الصامدة في ميادين التغيير في جل المحافظات اليمنية قد نجحت في فرض مطالبها المشروعة في تغيير النظام و بطانته الفاسدة والمستفيدين. وهاهو النظام قي مراحله الأخيرة يصارع على البقاء مستخدماً شتَى الوسائل الدنيئة والخسيسة والغير الشرعية ولكن هيهات هيهات أن تنجح بعد أن عمد أخيراً في القتل ضد المعتصمين في كل من محافظات تعز الباسلة و صنعاء الصامدة و عدن الحرَة وبقية المحافظات الحبيبة. وبعد الثناء و الشكر لله العلي القدير وبعزيمة الشعب اليمني والشباب المتواجدين في ساحات التغيير وبقية أفراد الشعب اليمني الحر الشريف الذي بارك ودعم الثورة سيتحقق النصر قريباً بإذن الله, وماعلى الحاكم ونظامه إلاً لملمة متعلقاتهم للإستعداد للرحيل وبغير رجعة. وقبل أن يخطوا النظام هذه الخطوة على الشعب اليمني بكل فئاته مراجعة واقعنا الإقتصادي والسياسي والإجتماعي وماآل اليه الوضع بعد ثلاثة عقود من حكم الرئيس المخلوع الذي إتسم بالفساد والقمع والإغتيالات والإقصاء,ولا أعتقد بأن الوضع العام في البلاد سيكون وردياً بعد رحيله الذي أصبح ضرورة قصوى اليوم قبل غد. فكل يوم يبقى فيه النظام أصبح محسوباً على مقدرات الشعب الإقتصادية والإجتماعية والسياسية.

فالتركة التي سيخلِفها النظام بعد رحيله ليست بالهيَنة بل تفوق الوصف لآثارها التدميرية الذي عمل النظام على إرسائها طوال فترة حكمه, وعملية الإصلاح ستأخذ وقتاً ليس بالقليل وعلى الشعب اليمني الإستعداد لمعركة أخرى قد تفوق المعركة السلمية الحالية بمراحل والتي يخوضها ضد النظام. وعلى من ستؤول اليه مسئولية قيادة البلد عليه الصبر بثبات لأن النظام ألغى وحرًف مفاهيم كثيرة وعلينا العمل بجد وإجتهاد لإحياء تلك المفاهيم القديمة والأصيلة في المجتمع كالأدب والإنضباط وحب الوطن و تحمل ألمسئولية والمصلحة العامة قبل مصلحة الفرد والولاء للوطن قبل الولاء لأشخاص وحب الخير والعمل به والتفاني في الحفاظ على المال العام والإبداع في العمل فكثير من دول العالم قد عملت بما يجب نحن العرب والمسلمين أن نعمل به وعلى رأسهم أليابان لأن مستوى الإنضباط وروح المسئولية في هذا البلد وصل إلى مستوى قياسي إنعكس بشكل أو بآخر على التنمية.

فالنظام في اليمن عمل على تدمير إقتصاد البلد ونهب ثرواته ولكي ينجح في مهامه إبتدع مفاهيم جديدة لتعينه على عمله, وسيخلًف لمن بعده إقتصاداً مهترئاً تبعاً للمبدأ القائل \\\"أنا ومن بعدي الطوفان\\\". لأن من سيحكم من بعد الرئيس المخلوع سوف لن يجد أدنى مقومات للدولة, فاليمن أصبح لايمتلك بنية تحتية متكاملة والفساد قد إستشرى في شتَى مناحي الحياة فيها, فليست هناك سياسة تعليمية و صحية وإقتصادية وإجتماعية واضحة المعالم يمكن الوثوق بها والعمل بها. وكنتيجة لهذا النظام وفي ظل دولة \\\"اللادولة\\\" برزت ثقافة جديدة لتأخذ مكان السياسات العامة للدولة التي كان من المفترض أن تعمل على إحداث تنمية حقيقية مستدامة تعود بالنفع على عامة الشعب بل تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك فالإنحلال الإجتماعي والإخلاقي كان له النصيب الأوفر من هذه الثقافة الجديدة والعامل الرئيس كان و مازال هو الفساد بمفهومه العام الذي ولًد الفقـر والبطالة والجريمة المنظمة. فالنظام مارس سياسة التجويع والإفقار منذ زمن طويل والسبب يعود إلى إحتضانه للفساد وتشبثه بالسلطة المطلقة في إتخاذ القرار في غياب دولة المؤسسات التي مازلنا نفتقدها الى يومنا هذا.

ففي ظل غياب دولة المؤسسات والديمقراطية والشفافية وحرية التعبير وحرية الصحافة و حرية المعلومة كان من الطبيعي على هذا النظام أن يبيح لنفسه نشر ثقافة الفساد وثقافة نهب المال العام بمسميات و أساليب متعددة وهي ثقافة ليست ببعيدة عن ثقافة مايسمى هذه الأيام \\\"بثقافة البلطجة\\\". غير أن المؤسف هومانراه اليوم وكنتيجة لسياسات النظام الخاطئة مادفعه شعبنا اليمني و مازال يدفعه حتى يومنا هذا وما سوف يدفعه في المستقبل من فقر و جهل ومرض. وقد إختلفت وجهات النظر في تفسير ذلك وتعددت و تباينت الآراء حول هذا الموضوع. فالنظام أفرز مجموعة قليلة غنِية إلى حد يثير الخجل واخرى من السواد الأعظم فقيرة إلى حد اليأس.

فموارد اليمن الطبيعية المتاحة لو أستغلت الإستغلال الأمثل لأصبحت في مصاف الدول العربية إقتصادياً و تنموياً وإجتماعياً, ومرة أخرى بسبب سياسات النظام الداخلية والخارجية كانت السبب في تدهورهذه العوامل التي كان من شأنها أن ترفع من مستوى الشعب بصفة عامة,وإنعكاسه السلبي على أحلام وطموحات الشعب اليمني بعد أن أصبح ضحية لبراثن التخلف والعشوائية.

وعندما نتحدث عن ثروات أية بلد وموارده الطبيعيه من النفط والغاز والمعادن كالزراعة والثروة الحيوانية والثروة السمكية نتحدث عن موارد تسهم كثيراً في تنمية أية مجتمع في العالم حتى وإن إفتقدنا للصناعة بمفهومها العام. ولكن السؤال (الذي يطرح نفسه) ماهي الطرق الفاعلة التي تمكِن اية مجتمع من الإستفادة من هذه الثروات لتنعكس إيجاباً على هذا المجتمع. فبعض الدول التي سبقتنا (كمجتمع عربي) في الإستفادة القصوى من هذه الموارد نرى بإنها لاتمتلك جميع هذه الموارد دفعة واحدة فالبعض منها قد يمتلك النفط والغاز وبالمقابل لايمتلك بقية هذه الموارد كدول الخليج مثلاً. والبعض الآخر لايمتلك النفط والغاز وبقية هذه الموارد ولكن وضعه الإقتصادي أفضل بكثير من اليمن كالأردن وعمان مثلاً.

فاليمن يمتلك النفط والغاز والمعادن ويقدر الإحتياطي المستكشف من النفط ب4 بلايين برميل من النفط الخام, وأخرى كالقطاع الزراعي الذي يعتبر من أهم القطاعات الإنتاجية في الإقتصاد الوطني كموارد متجددة حيث يعتمد معظم السكان على القطاع الزراعي بنحو74% وأهم منتجاتها الحبوب والخضر والفواكه والبن وهو أكثر مايميز اليمن لما له من شهرة عالمية كبيرة جداً وإن كان قد بدأ أنحسار زراعته بشكل كبير لصالح شجرة القات, بالإضافة الى الثروة السمكية كواحدة من أفضل دول العالم تمتلك سواحل تقدربألفي كيلومترغنية بالأسماك والأحياءالبحرية وتحوي المياه الإقليمية اليمنية بأكثر من 350 نوعاً من ألأسماك والأحياء, ويقدر المخزون السمكي الذي يسمح بإصطياد أكثرمن 400 ألف طن سنوياً دون أن يتأثر هذا المخزون. وبحسب بيانات ألإحصاء الزراعي للعام 2008 فاليمن يمتلك ثروة حيوانية معقولة تقدر بحوالي 20 مليون رأس من الأغنام والماعز والأبقار والجمال.

هذه الموارد تعتبر إستثنائية في شبه الجزيرة العربية, فمعظم دول المنطقة تمتلك النفط والغاز وتبقى بقية الموارد إستثناءاً لليمن.

فالنظام ومع تلك الموارد لم يتبع اية سياسات كانت إقتصادية أو مالية لكي يستثمرها الإستثمار الأمثل ليعمل على تحسين الحياة المعيشية للمواطن من جهة والحفاظ على مقدرات البلد من النهب والعبث من جهة أخرى.

فالمواطن اليمني ولغياب الشفافية والمحاسبة لايعلم شيئاً عن مبيعات النفط والغاز ولايعلم أيضاً شيئاًعن إتفاقيات الشراكة الموقعة مع الشركات الأجنبية وخاصة بعد فضيحة إتفاقية بيع الغاز للشركة الكورية ولا أين تذهب هذه الإيرادات ومن هو المستفيد من هذه الإيرادات وإن كانت على شكل خدمات ينتفع بها المواطن. فالبنية التحتية من كهرباء وماء و طرق وجسور ووسائل الإتصالات والمدارس والمستشفيات والصرف الصحي...الخ في أسوأ حالاتها, وحال المواطن ووضعه المادي والصحي والتعليمي والسكني لكي يعيش حياة كريمة مفقود أيضاً. وبمعنى آخر لكي يبدع الإنسان في أية مجال عليه أن لايقلق كثيراً على الوظيفة والتعليم والصحة والسكن طالما أن موارد الوطن تكفيه بالإضافة إلى دفعه للضرائب فهذين العاملين من أهم المقومات التي تساعد الفرد ليعيش حياة كريمة. ومتى ما توفرت له تلك المطالب الأساسية يأتي الدور عليه ليقوم بواجبه تجاه وطنه. وهو ليس بحاجة الى محاضرات في الوطنية, فالوطنية تنشأ عند الإنسان ذاتياً, لإنتمائه لوطنه أولاً ولتوفيرالحياة الكريمة له ولأولاده ثانياً. ولايمكن الجمع بين الوطنية من جانب والفساد والظلم والقهر من جانب آخر.

فالنظام وللأسف الشديد لم يترك شيئاً جميلاً إلَا وأجهز عليه من منظور ذاتي مصلحي نفعي أناني وورث لشعبه كوارث تعيقه عن التقدم لتحقيق أحلامه و آماله و تطلعاته.

وتشير الأرقام والإحصائيات المخيفة إن مهمة أية حكومة نظيفة و نزيهة قادمة ستكون عملية معقدة و صعبة جداً ولكنها ليست مستحيلة إذا تظافرت الجهود وعملنا بنَفَس الفريق الواحد وغلَبنا المصلحة العامة على المصالح الشخصية الضيقة.

سيتركنا النظام - من واقع الحال المعاش في هذه الفترة الحرجة- بدون مال في الخزينة العامة على مبدأ الأرض المحروقة, وعلى مصادر الطاقة التي أشرفت على النضوب بعد بيع الغاز بأسعار رخيصة جدا. والدين العام الخارجي بلغ 6 مليارات دولار بحسب تقرير البنك المركزي للعام 2010. وتراجع الإحتياطي النقدي من 6.7 مليار دولار الى 5.7 مليار دولار بحسب تقرير البنك المركزي للعام 2010 أيضاً, مستثنياً العام الكارثي 2011 ولانعلم إن بقي إحتياطي نقدي بالفعل. وبلغت البطالة أوج قمتها بنسبة 52% من إجمالي القوى العاملة. ونسبة الأمية مازالت في مهدها لتعانق 61% بحسب العام 2008. وبنسبة تضخم بلغت 19% بحسب آخر الإحصائيات. ونسبة الفقر إرتفعت بإضطراد إلى 59.5% منهم 42% يعيشون تحت خط الفقر وبدخل يومي بأقل من 2 دولار. 44% من سكان اليمن يعانون من سوء تغذية. ومن أكثر الدول التي تعلني ندرة في مصادر المياه وأصبحت من أكثر الدول المعرضة للجفاف, ناهيك عن بقية الأرقام المخيفة في تقرير التنمية البشرية للعام 2009 الصادرعن مكتب الأمم المتحدة الإنمائي. بالإضافة الى إحتلال اليمن مركزاً متقدماً في الفساد بعد العراق الشقيق. ويكفي أن اليمن تعتبر من أكثر الدول العربية فقراً لتحتل الترتيب 133 في مؤشرالتنمية البشرية من بين 169 دولة.

فالتحديات القادمة للخروج من هذا المأزق هي إقتصادية بحتة في المقام ألأول ومن أهم ألأوليات يستلزم حصر جميع الموارد وإعادة تقييم السياسات الإقتصادية والمالية والنفطية و عقود الشراكة مع الشركات النفطية وعقد بيع الغاز المسال للشركة الكورية, والبحث عن حلول لمشكلة البطالة والفقر وإجتثاث الفساد في جميع أجهزة الدولة عبر خطط وبرامج ناجعة من قبل حكومة تكنوقراط. فالمرحلة القادمة بتعقيداتها تتطلب صبراً كبيراً ومتابعة لأداء الحكومة وتقييم كل مرحلة وأن لا يترك الحبل على الغارب كالحكومات السابقة التي أوصلتنا الى هذا الحال المزري حتى نحقق طموحات وتطلعات وأهداف ثورة الشباب الذين قدموا ومازالوا يقدموا دماؤهم الزكية.


في الجمعة 15 إبريل-نيسان 2011 05:19:01 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=9899