إلى الدكتور سلمان.. عتاب وأمل.. وماذا عن ثورة الفكر .!!
فهد سلطان
فهد سلطان

من منا لم تراوده تلك الأحلام الوردية ولعبت به تلك المقولات واليافطات المرفوعة على مدار العقود الماضية محددة بأن التغير قادم وسريع من تحت يافطاتها وشعاراتها، وأن المسألة لا تخرج عن تجاوز مسالة الأعداء والذين يفشلون كل مشروع قومي وعربي وإسلامي وبالتالي فإن الأنظمة ستكون صاحبة السبق في رسم هذا المستقبل الجميل للحياة بالكامل، مستندين إلى الدين والقيم والمبادئ والأفكار والنظم التي تملاء البلاد العربية، فمن مقولة أن العودة إلى الدين هي الطريق السحري لتغير الحال الذي نرزح تحت وطئته، إلى من يرى أن المشروع القومي هو الحل الآمن لحفظ بيضتنا وثرواتنا إلى الاشتراكية والشراكة ونبذ النظام الطبقي إلى الليبرالية في رفع سقف الحريات والتحرر من ربقه الأيدلوجيات وو..الخ ،

 وهكذا طال الانتظار حتى ملت الشعوب من كلمة تغير ،فقد كانت تأمل في النخب العربية من أحداث شيء في تغير هذا الواقع، ومع الانتظار الطويل لهذا التغير الذي يتلاشى كل يوم ولم يعد سوى حلم جميل بعيد المنى حتى تحولت من عمل حقيقي إلى شعارات ترفع قد لا يدرك القائمين لها أنهم بذلك يوبخون أنفسهم بهذا الأحلام من حيث لا يشعرون.

ومن هنا يتساءل الجميع هل تناسى أصحاب التغير بالمشروع الإسلامي أن التغير القرآني في مجملة لا يخرج عن كونه ثورة على الباطل بكل المقاييس، ألم يكن الإسلام في الأصل ثورة على كل باطل ومنكر ينازل كل مفسد يسقطه أرضاً ويرفع من شأن الشعوب المقهورة لتكون هي صاحب القرار الأول في تحديد مصيرها والقائمين على مصالحه،

ومع أن المشروع الإسلامي الذي طرح إلى كثير من المشاريع العربية الأخرى في التغير يكون قد ساهم في توصيف هذا الواقع أثناء فترة ظهور النهضة العربية الشاملة .! إلا أن الجميع يدرك أن عقبة الأنظمة كانت له بالمرصاد يقف من خلفها طابور طويل من المشايعين لهم باسم الدين يشرعنون لهم كل باطل، ويسوغون لهم كل انحراف،.!!؟

ومن هنا فإن ما قدمه الشيخ القدير الدكتور سلمان العودة لا نملك إلا إن نبادله الحب بمثله والتأيد لثورتنا بالشكر الجزيل على هذه المواقف الصادقة، وهذه اللمسة الحانية بتناولكم أخيراً وضع اليمن، فقلتم كلاماً أثلج الصدور وأزال اللبس وكان توصيف دقيق ومعبر وهو في لحظة نحتاجه كثيرا .! غير أننا نعتب على معاليكم قائلين بصوت مكلوم أين كان صوتكم منذ بداية الثورات الشعبية التي تشهدها الساحات العربية اليوم ضد الفساد والظلم والعبث بمقدرات الأمة.؟

ربما أنكم تدركون جيداً أن أول سوط ضربت به هذه الثورات والهبات المباركة كان صوت الدين المتمثل في بعض - العلماء – فباركوا بقاء هذا الواقع وجرموا كل خروج على هذا الباطل وأهله، فكان خطابهم أشد إيلاماً وأكثر تأثيراً ..

على إثر ذلك تأخر صوت المخلصين الذين انتظرناهم طويلاً يدلون بدلوهم يخلصون القضية من انتحال سيء واستغلال سافر لقلب الحقائق تزيف الوعي لدى الشعوب بصورة جعلت الدين الإسلامي لعبة يتلاعب بها أناس تابعين مخلصين حامين لهذا الباطل بكل جرأة وقوة .! ولا ننكر أن هناك أصوات كان لها حضور أقل ما يوصف بأنه خافت وكان في مجمله على استحياء.؟

ثم لماذا إلى الآن لم نرى صوتٌ مرتفع بقدر ارتفاع صوت الجالسين على بلاط السلاطين يشوهون ويواجهون باسم الدين أي خروج للناس على هذه الأنظمة التي طفح فسادها وأرهقت شعوبها، وأساءت إلى الإسلام كدين يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر أكثر من إساءتها لنفسها،وقد كانت ولا زالت تمثل سداً منيعاً أمام زحف أخلاق الإسلام وقيمه على الناس في كل بقاع الأرض.!

 تدركون جيداً أن الشعوب العربية والإسلامية قد عولت كثيراً على العلماء في إحداث أي تغير حقيقي يتجاوز هذا الواقع المرير الذي نتفق على رداءته ونختلف في أساليب مواجهته، وتدركون هذا التغييب للمسلمين كأصحاب مشروع سماوي قائم للإصلاح والتغيير والهداية كل ذلك بمباركة علماء تصدروا للفتوى وتربعوا على منابر هامة يشهون قضايا الأمة ويخبطونها خبط عشواء.؟!

 إننا ندرك أن جهودكم الجبارة تندرج تحت هذه الأحلام التي ينشدها كل ضمير حي.! غير أن الشعوب وجدت أن العلماء والدين الإسلامي - كفكر- أصبح جزء من المشكلة إن لم تكن هي المشكلة بعينها وأنفها.

 ومن هنا تجاوز الشباب والشعوب من خلفهم الجميع من خطاب إسلامي يدعوا إلى العودة إلى الإسلام ولم يعرف كيف يدخل إليه في القرن الحادي والعشرين وتجاوز لكل مشاريع الإصلاح المطروحة منذ عقود من قومية أو اشتراكية أو ليبرالية ليكون الخطاب واحد أسمه البحث عن دولة مدنية وقيم إنسانية مشتركة لا يختلف على صدقها وحاجة الجميع لها كل عقل سوي.

 وبالعودة إلى الواقع اليوم وماذا فعلت هذه الأنظمة بشعوبها من جرائم تندى لها الجباه تنقلها اليوم الصور الحية بما لا يقره دين أو شرع أو عقل سوي فهل بقي للصمت بعد اليوم مستند.!

 إننا اليوم ومعنا قطاع واسع من الشباب خرجنا إلى هذا الباطل نحمل أرواحنا على أكفنا مدركين حجم القضية وحجم المواجهة وطبيعة المعركة الغير متكافئة مع هذه الأنظمة ذلك كي نغسل عن أوطاننا هذا العار وتلك الأوساخ التي تراكمت كالجبال مستأنسين بعدالة قضيتنا وحجم الجرم الذي حل بنا.

  ومع تلك الجرائم والتي لا تخطئها العين فإن كثيراً ممن هم محسوبين على صف العلماء تحت أي مسمى تحولوا مع الأسف إلى رسل ومتحدثين ومشرعنين لكل باطل وجور يخلطون الأوراق ويزيفون المبادئ ليقفوا جهرةً إلى صفوف الظلمة، وتنكرٍ سافر لكل قيم الإسلام مستندين لأحاديث وأقاويل أقل ما توصف بأنها مدسوسة على سنة رسول الله الذي حاشاه أن يكون قد نطق منها ببنت شفه وهو الذي تخبرنا الأخبار المتواترة وبصريح القرآن أنه لم يكن يوماً إلا نصير الفقراء والضعفاء وعون المظلوم على ظالم مهما كان، وهكذا كان منطقهم ليس مع الدين والحق بل مع الطواغيت والشيطان.!

  ثم تساءل الناس، ماذا تعني طاعة أولياء الأمور بهذا المنطق، الذي يجتزئ النص ويخرجه عن سياقه بصورة مبسترة تسيء إلى الدين نفسه وتقدم الشعوب على أنها قطاع من الدهماء ليس لهم رأي وليس لهم شأن فيما يخص أمرهم بل هو مركون إلى ولي الأمر الذي ينطق بإسم السماء فكل ما يقوم به هو العدل بعينه وكل من خرج عليه بصوت أرهقه الظلم أصبح مجرماً مستحقاً للنار حتى تساءل الجميع هل كان الدين لمناصرة الضعيف والفقير أم عوناً للباطل وحزبه وهل هذا هو شرع السماء.

أيها الشيخ العزيز، وعلى رغم أنك تصنف على سلم المجددين والشخصيات التي لا زالت تحضا باحترام كبير في العالم الإسلامي إلا أن خطابكم السياسي لا زال حبيس حسابات لا تعكس قوة الفكر الذي تتبنوه ولا الطريق الذي تسيرون عليه، وإن كان هذا الخطاب يتدثر أحياناً تحت ستار الكلمة الطيبة والقول بالتي هي أحسن بصورة لا نراها مقبولة ولا مقنعة، فهل تناسيتم أو لا تحبون أن تقروا أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم كان خطاباً متقدم وحصيف ومتزن،أليس ذلك الخطاب النبوي هو في كل الأحول متقدم على كل الخطابات التي كانت في الساحة القرشية وعلى مستوى الرسالات السابقة بعكس الخطاب الإسلامي المعاصر الذي يصنف أنه في ذيل القافلة أليس كذلك .!

كم تتمنى الشعوب العربية والإسلامية والتي طال انتظارها أن تكونوا حاضرين في الساحة ليس حضور المستمع بقدر الحضور في العمل يرافق هذا التواجد معرفة كاملة بالتغير والتحول الذي يشهده الواقع العربي، والذي يقتضي أن يرافقه تجديد في الجانب الفكري.! وربما لا يخفى عليك وأنت تدرك ذلك أن حاجة العالم الإسلامي اليوم إلى تجديد في الفكر الإسلامي يفوق أو يتساوى مع حاجته إلى التغيير في الجانب السياسي .!

ومن هنا فإن البلاد العربية نشهد مخاظاً عسيراً يبنى لمرحلة قادمة تختلف عن ما قبلها وتعمل على قطيعة لهذا الواقع البائس ، وبالتالي فإن الحاجة إلى تجديد وقراءة معاصرة وجرئيه للنص الإسلامي ومراجعة شامل للفر الإسلامي يظل حاجة الأمة بصورة أساسية.

 أننا اليوم كشباب وشعوب لم نعد نعول كثيراً على تلك المؤسسات التي قامت وأُنشئت على ضخامتها وكبرها وكبر القائمين عليها سوى أنها تعد جزءاً لا يتجزأ من واقع الأنظمة العربية، إن لم تكن قد خرج البعض منها ومن تحت عباءتها وهنا لا يعني بالضرورة إننا نقصد منظمة بعينها.

 ويبقى أن الخطاب المسمى إسلامي لبعض هذه المؤسسات، يتماشى ولو بعض الشيء مع دعوة وخطاب الأنظمة القمعية والفاسدة والظالمة في آن واحد ، وهنا يتطلب أن يكون هناك موقف يعكس حجم المرحلة والظرف الذي نعيشه.

 إننا نتطلع من علمائنا أن يكون لهم قربٌ ونزول مباشر إلى الناس، والى الجماهير كما يقال ليس لإعادة صياغة الشرعية المذهبية، والتي كانت لكم مواقف رائعة منها .! ولكن إلى تسويق قيم الإسلام التي جاء بها كل الأنبياء والرسل، وأنه قد حان الوقت لنتجاوز المفاهيم الخاطئة التي يتولى تبنيها بعضاً من المحسوبين على صف العلماء وقضية ولاية الأمر أحدى المشكلات التي لم نخرج منها حتى اليوم.

 فهل حان الوقت أن نشهد خطاباً جديداً متجدد، يجعل من هذه التحول في العالم العربي منطلق نحو التغير الشامل المنشود بحيث نعيد بريق ذلك الدين الذي كان في يوم من الأيام نصير الفقراء والضعفاء وحامي حمى الأخلاق والقيم ، وكان في نفس الوقت منارة هدى لكل الحائرين والسائرين.!

 أنها لحظة تاريخية فاصلة في الحياة العربية والإسلامية، ينظر لها العالم باندهاش كبير فأين التحول في الخطاب الإسلامي الذي يترافق مع هذا التحول السياسي الذي تشهده البلاد العربية .

 أنني هنا لا أقلل من جهودكم وجهود غيركم ولا أقول أن الخطاب الإسلامي غائب وغير متواجد ولا أن يكون هو المسيطر على كل شيء كما يتمنى الآخرين، ولكن أقصد أن يكون له حضور محترم يعكس المكانة التي لدى الشعوب العربية المسلمة في الوجدان العام لديهم.

 في نهاية هذه السطور التي أكتبها على عجل، تظل تعبير عن انطباعات سريعة كتبتها على عجل. جزء منها كان عبارة عن استثارة لتصريحكم الأخير حول وضع اليمن . نتمنى من عميق قلوبنا أن نرى مستقبل العالم العربي وقد سادت فيه القيم الإنسانية والعالمية والإسلامية التي يتفق عليها كل العقلاء وأن لا يكون هناك احتكار للساحة لأحد وأن نتعلم التعايش في ضل القيم المشتركة وأن نتجاوز مرحلة المذهبية والسلالة والحزبية المقيتة التي تعد وبجدارة أحدى مخلفات ومنجزات الأنظمة التي رحلت والتي لا زال البعض منها في الطريق ..


في الخميس 07 إبريل-نيسان 2011 03:37:17 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=9785