ثورة فضحت المتحولين والأذناب
وليد جحزر
وليد جحزر

يعتقد البعض ان الأحزاب استغلت موجة النهضة الثورية المشتعلة في مصر وتونس وليبيا وقررت ان تطرد الرئيس من المشهد الراهن بطريقة مهينة ، وان تنتقم بعد سنوات من التبعية والاذلال من قبل سلطة قمعية ومتسلطة من الدرجة الاولى .

وهذا الاعتقاد لايعكس حقيقة الواقع الراهن على الاطلاق ، فالشعب هو صاحب القرار الأبرز في هذه الحالة الثورية الرائعة التي اعادت الإعتبار لهوية الانسان اليمني على كافة الاصعدة ، خاصة وان سنوات حكم علي عبدالله صالح امتازت بكل انواع المراوغات والفوضى واللصوصية المنظمة والتملص من حق الفرد اليمني في رؤية وطن متماسك خالي من الفساد والرشوة والمحسوبية .

وكل مافي الامر ان الاحزاب اليمنية الاعتبارية المتمثلة في احزاب اللقاء المشترك قررت ان تلتحق بركب الثورة اليمنية الشابة والفتية ، والتي بدا واضحا انها ستجرف في طريقها كل ماهو قديم ومتهالك ، وبالتالي اخذت على عاتقها مهمة المواجهة مع هذا الصلف الفردي مع ماسيترتب عليه من نتائج قد تكون دامية ايضا ، وهو ماحدث ومايعتمل حاليا في المشهد السياسي القائم .

والمثير للشفقة ان شلة الانس التي احاطت بالرئيس واصبحت منتفعة اكثر من اللازم وملوثة باموال الشعب على مدى عقود ، لم تتمكن من استيعاب مواجهتها لقدر محتوم فراحت تكيل مشورات السيطرة والبقاء ، وامكانية الخروج بنتائج اقل كلفة من تلك التي خرج بها رفاق علي عبدالله صالح من الجنرالات العرب ، و هو ماادى لهذه الحالة الطويلة من الشلل في حسم الموقف لثوار اليمن وشبابه المخلصين الذين واجهوا الموت بصدور عارية ، وبأصوات تنشد السلم والرخاء والتغيير والعيش تحت سماء وطن نظيف .

ان هؤلاء المنتفعون سيخرجون من المشهد اجباريا ، ليس بفعل الاقصاء المتعمد ولكن بفعل واقع الانهيار المرتقب للحزب الحاكم الذي اقترن اسمه باسم فرد ، فكان عمله بعيدا عن اي رؤية وطنية تخفف من آلام الناس ومعاناتهم باستثناء التفنن في رسم خطط خمسية وهمية تفصل بالمقاس لإتاوات الدول الصديقة والشقيقة ومساعداتها الوفيرة ، وبما يمكن هؤلاء الاقزام من نهب مزيد من الاموال تحت شعارت عدة منها مكافحة الفقر والقضاء على المرض ومحاربة الارهاب وهي في غالبيها شعارات براقة سئم الناس منها فخرجوا مدفوعين بقوة القهر لتغيير واقعهم الرديء والبائس يأيديهم دون انتظار لساعة الفرج التي لم تأتي منذ 33 عاما .

لقد بات علي عبدالله صالح مكشوفا جدا امام جماهير الشعب التي اعلنت بصراحة انها لم تعد تطيقه لاهو ولاحاشيته وهذا الاعلان بالتأكيد لم يكن ورائه احزاب او تيارات سياسية مناوئه،  وقد سمعت بانه نصح مؤخرا بضرورة الغاء التعددية السياسية في اليمن ، والحق ان الاحزاب المعارضة الفاعلة على الساحة كانت رؤؤفة به للغاية ، والدليل موقفها من تزويرة لنتائج الانتخابات الرئاسية العام 2006م ، ورفضها النزول للشارع تحت حجج غير مبررة آنذاك ، ولو كانت قررت النزول في حينه لكانت قد سبقت المشهد التونسي والمصري في التغيير السلمي ، واستطاعت ان تفلت من تهم الرئيس الجاهزة بان المعارضة تعشق المحاكاة والتقليد .

ان الثورة الحالية هي الثورة التي حلمت بها منذ سنوات طفولتي المبكرة حيث تتحد الحناجر وترتفع الاصابع باتجاه العابث الوحيد بمصائر اليمنيين واحلامهم وتطلعاتهم ، وهاهو الحلم قد تحول الى حقيقة وانا ارقب التحركات الصادقة في كافة ميادين التغيير على امتداد المدن اليمنية الحبيبة ، وهي حالة معبرة عن حجم القهر والتسلط الذي مارسه علي عبدالله صالح واعوانه فكانت نهايته بهذه الطريقة هي خير جزاء على اعوام من التزييف والقمع وطمس معالم الروح الوثابة لدى ابناء هذا الشعب المكافح والعظيم .

لقد راقبت بهدوء تام مواقف المتباكين التي كانت ضعيفة وبائسة وخالية من اسلوب العنجهة والنخيط المعهود بها كافة المنتفعين في الحزب الحاكم ، والذين لايقبضون الثمن الا بممارسة البذاءة اللفضية على الصفحات وعبر الاثير وفي الشاشات وفي الشوارع العامة ايضا ، وتحت قبة البرلمان وفي مقايل اللجنة الدائمة والنائمة ، وفي نفس الوقت تابعت باهتمام بالغ اندفاع المتحولين بصورة يخجل منها اكثر الرجال وقاحة في العالم ، لقد اندفع هؤلاء يوم الاثنين الشهير بالانتماء للثورة التي تراجعوا عنها في ظرف 24 ساعة ، ولم يصمد على مواقفهم غير القليل من رجال الدولة الشجعان والنبلاء ومااقلهم .

كما ساعدت حالة مخاض الثورة من معايشة الوعي الثوري لدى الانسان اليمني في مختلف محافظات البلاد ، بالاضافة لانكشاف اذناب النظام وهوائمه والتعرف على ملامحهم عن قرب في هذا المشهد الظافر لرجال التغيير ، كما مثلت الثورة فرصة نموذجية لمشاهدة المسبحة المؤتمرية وهي تنفرط بسهولة معلنه بانها مجرد تجمع لمجموعة هائلة من المنتفعين الذين لديهم القدرة على ترك مربعاتهم بسرعة هائلة والتحول للجانب المقابل بسرعة البرق .

وماهو مؤكد ان الثورات النبيلة ليست بصدد التصنيف والفرز لكنها الاحق بمعرفة من هم الأشخاص المؤتمنين على المكتسبات ، بعيدا عن اصحاب السوابق من المسئوليين وأرباب الصمت الذين اسهموا في معاناة الشعب اليمني لسنوات طويلة .

ان ثمن التغيير باهض بالتأكيد لكن اليقضة ستمنع اي محاولة جديدة لوأد تطلعات اليمنيين في رؤية يمن موحد وكريم ، وعليه فان مايجب ان تتمسك به الثورة اكثر من اي وقت مضى هو تفكيك بنية الحزب الحاكم الذي دمر وجه اليمن الحديث بأساليب متعددة والاعيب سيئة ، محولا البلد لمجرد مكان لحلب الأموال المشبوهة واعادة شرعنتها في الخارج باستثمارات قانونية .

ان اليمنيون يعيشون بفعل فاعل في الظلام منذ سنوات بعيدة ، وقد قرروا معا الخروج الى النور متمسكين بكل الآمال الممكنة في رؤية غد مختلف ، غد آخر لايوجد فيه سدنة ولا ماسحي اجواخ ، او انصاف رجال يعبثون بمصائر الوطن تحت شهوة جمع المال وتكوين الثروات ، لقد استمرت قصة المعاناة طويلا قبل ان تقرع رياح التغييرابواب العالم العربي ، ويتقدم اليمن للواجهة معلنا بأنة اكثر الشعوب انكسارا وظلما ، وتوقا لمعانقة واقع جديد يدين عبث الحاكم الفاسد ويزيحة من العرش تحت معاول اصوات التغيير وجرأة البصق على لعنة المخاوف.


في الأحد 03 إبريل-نيسان 2011 08:34:57 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=9738