سليمان ومبارك.. هامان يحنط فرعون
عادل الاحمدي
عادل الاحمدي

هذه رؤية غير شعبية لانتفاضة مصر قد تحتمل الصواب أو الخطأ لكنها في تقديري حريّة بالقراءة والتأمل وهي تفضي بالعديد من القرائن إلى أن ما حدث في مصر هو انتفاضة شعبية لكن لها عقلاً مدبراً وجهة مستفيدة وأعي بها جهاز المخابرات، وتحديداً عمر سليمان.

هناك حالة تذمر طبيعية لدى فئات من الشعب تجاه الحكم في مصر، لكن أن تنجح حالة التذمر وتصل إلى هذه الدرجة من التنسيق فهذا يعني فشلاً أكيداً لجهاز المخابرات الذي لم يستطع التنبؤ بهذه الانتفاضة ولم يعمل على الحيلولة دون تشكلها، بل والأغرب من ذلك أن تؤدي هذه الانتفاضة إلى تصعيد رئيس المخابرات إلى نائب رئيس للجمهورية بصلاحيات رئيس.

هناك قرائن عدة تفضي إلى كون ما حدث في مصر هو من أساسه انقلاب دبره عمر سليمان على حسني مبارك، بعد أن قام الأول بعزل الأخير تماماً وأمسك بالكثير من الخيوط في يده وأمكن له عن طريق برامج مكافحة الإرهاب الدولي أن يتواصل مباشرة مع الأطراف الخارجية.. وهذا يعمل على تمكين رئيس جهاز المخابرات بتقديم نفسه للغرب عن طريق إعطائهم معلومات استخباراتية هامه لا يعطيها حتى لرئيس بلاده..

ولا يجب الاستهانة بجهاز المخابرات المصري الذي يعد من أقوى الأجهزة الاستخباراتية في العالم، فهو ذو تاريخ عريق بسبب حساسية الموقع الجيوسياسي المصري المجاور لإسرائيل، وكذا حجم وتاريخ الدور المصري في المنطقة وطبيعة التحديات (الإسلامية والناصرية) التي يجابهها نظام الحكم على الدوام.. وكذا الطريقة التي تم بها إنهاء حكم أنور السادات 1980م، كل ذلك جعل الأولوية في مصر لجهاز المخابرات وتعملق هذا الجهاز على حساب مؤسستي الرئاسة والجيش ومعروف أنه حسب تقارير المخابرات تقوم قرارات الدولة وتحركات الرئيس.

اللعبة في تونس، ليست هي الأخرى بعيدة عما حدث في مصر إذ كان فرار الرئيس زين العابدين بن علي بناءً على تقرير مرعب قدمه له رئيس المخابرات ويحتوي على احتمالات مخيفة إن لم تكن حقيقية بالضرورة.

ليس في هذه القراءة استهانة بمساوئ النظام المصري والاستخفاف بثورة الشباب في مصر، ولكن ديناميكية الثورة تختلف عن ديناميكية الانقلاب، والمراقب الدقيق يقرأ المشهد واضحاً عن طريق الفجوات الموجودة والفروق الواضحة بين محاور منها منها التغطية الإعلامية لوسائل مصرية متناقضة.

لا يوجد حزب مصري يدعي أنه هو من حرك الشارع ولا تصب حالياً مخرجات هذه الانتفاضة لصالح أي طرف سوى عمر سليمان. ومصر جربت عبر تاريخها لعبة المؤامرة المعقدة والإخوان المسلمين كعادتهم جسر ناجح يمر عليه خصومهم إلى حيث يذلونهم بعد ذلك.

إن إصرار "الهبة المصرية" على رحيل مبارك رغم كونه أكد أن لن يترشح ولن يورث (ومستحيل يتراجع عن كلامه ويطرح نفسه مرشحاً لشارع أعلن رفضه بوضوح وعلى مرأى العالم)).. إن هذا الإصرار ينم عن رغبة عمر سليمان في التموضع التام على عرش مصر، لأن لعبة سليمان يمكن أن تفشل بمجرد خروجها للناس وتعرية المخطط. لذا تم إنشاء لجنة الحكماء ورحب مكتب نائب الرئيس بهذه المبادرة فيما استبعد رئيس الوزراء (الموالي لمبارك) أن يوافق مبارك على هذه المبادرة..

ويبدو، وفقاً لهذه الرؤية، أن ما يحدث في تونس ومصر هو تكرار لسيناريو الشاه في إيران الذي كان يعتبر شرطي أمريكا في المنطقة، لكنه بعد خلعه رفضت استقباله كلاجئ سياسي، واستقبلته مصر وانتقل الحكم إلى الخميني الذي رتب أوراقه في منفاه بفرنسا مع جماعة ريغان المترشح حينها للبيت الأبيض..

هناك من قد يسلم بنصف هذه القراءة ويقول إن عمر سليمان استفاد من هذه الانتفاضة لكنه لم يخطط لها، ولنا هنا أن نتساءل عن سر الملصقات التي ظهرت في مصر قبل أشهر من الآن ونشرها موقع "نشوان نيوز" بتاريخ 3/9/2010، وفيها دعوات إلى تنصيب عمر سليمان بدلاً عن مبارك، ناهيك عن جولة التحركات المكوكية التي كان يقوم بها سليمان إلى الدول العربية والأوروبية بمعية وزير الخارجية حازت صنعاء وحدها ثلاثاً منها على الأقل.

وإن صحت هذه القراءة فيسعى عمر سليمان إلى استمرار ثورة الشباب حتى يتخلص سليمان من كل من يعتقد أنهم سيقفون في وجهه والأمر لا يتطلب سوى تقرير استخباراتي في كل مرة ينبغي فيها إزاحة شخص.

أليس لافتاً أن المطالب تنوعت والاستجابات تعددت لكن لا يوجد إصرار مدروس على إلغاء حالة الطوارئ، وكذلك لا يوجد توجه استجابي لإلغائها، ذلك أن عمر سليمان محتاج لبقاء حالة الطوارئ بعد تموقعه على العرش لإزاحة كل من ناوئوه وكل من ساعدوه أيضاً..

وبعد التموقع على العرش وتحنيط الفرعون ستظهر فجأة كفاءة الأجهزة المصرية وبالذات جهاز المخابرات في وأد أية تظاهرات تطالب بإسقاط ما تبقى من رموز النظام باعتبار سليمان أحد رموز نظام مبارك..

أيضاً لنا أن نتساءل عن سر إحراق مراكز الشرطة ومرافق الأمن العام والعدوان المتكرر على مباحث أمن الدولة، وإزاحة وزير الداخلية واعتقال اربعة من مساعديه (وهو ما تم نفيه)، وتصوير الشرطة أنها عدو الشعب في حين أن المخابرات هي الخصم الحقيقي دون أن ننكر أن الشرطة تم توريطها بالقيام بأعمال قمع وحشية ساعدت على تحجيم دورها وتأليب المحتجين عليها..

بطبيعة الحال، لا يوجد جهاز المخابرات، وليس ثمة آلية للتحقق من معطياته، وجهاز المخابرات هو من حشر الرئيس في شرم الشيخ، وأوحى له بقرارات توسع حالة التذمر في الشارع، وأشغل نجله جمال في الحزب الوطني فيما تم إلهاء سوزان بمنظمات الطفولة وجمعيات الخير.. وجهاز المخابرات هو الوحيد الذي يمتلك أدوات ضغط مالية (وأخلاقية حتى) ضد أي مسؤول وبمستطاعه تلفيق تهمة لأيٍّ كان، وبكل سهولة..

هذا الانقلاب الهيروعليفي الذي انقلب فيه "هامان" على "فرعون" تم صبغه بصيغة شعبية نبيلة، وتم عزوه إلى الفيس بوك، وهي بالفعل وسيلة تواصل، لكنها ليست السبب ولا هي الجذر.. وهناك مبررات تجعل الشعب يستاء من قيادته التي حصرت دوره الإقليمي وحبست أهل غزة، وتهاونت وتوطأت في الكثير من قضايا الأم، لعل أخرها انفصال جنوب السودان، لكن لهذه الانتفاضة كما أسلفنا،ه عقلاً مدبراً وجهة مستفيدة.

*رئيس تحرير "نشوان نيوز"


في الإثنين 07 فبراير-شباط 2011 07:33:07 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=9035