ويل لأنظمة العرب من (شر) قد اقترب
د. حسن شمسان
د. حسن شمسان

كان ينبغي استبدال [شر] بخير ولما كان الخير لا يأتي إلا بخير لم يكن من المناسب استبدال مفردة (شر) في العنوان وإن كان ما يهدد وجود الأنظمة العربية ليس بشر إلا بنسبته إلى الأنظمة؛ إذ ما يحصل في بعض البلدان العربية من خروج كثرة الشعوب إلى الشوارع مطالبة بإصلاحات اقتصادية وسياسية ورافعة شعارات تدعو إلى ضرورة رحيل الأنظمة كل ذلك هو خير محض للشعوب المسحوقة التي تعيش بما يشبه عرصات القيامة بسبب هذه الأنظمة الظالمة، وهذا الخير ينقلب إلى شر مستطير بالنسبة للأنظمة. وما حصل من بريق في ثورة تونس – مثلا - والذي بدأت أشعة ثورته تضيء للشعوب العربية؛ مثل مصر واليمن ليس إلا خيرا بدأ يؤذن بظهور العلامات الكبرى لقيام قيامة الأنظمة.

إذ الشعوب العربية وخروجها إلى الشوارع تضعنا في صورة يأجوج ومأجوج الطغاة وحدهم، وهي صورة تبشر بهدم ردمهم الذي هو في صورة [سياج بشري قمعي] يحيل بين الشعوب وما تشتهيه - وإن كان هذا الوصف لا ينطبق ألبتة على جيش تونس وقد لا ينطبق أيضا على بقية جيوش العرب؛ إذ حال الجيوش من حال الشعوب فالفقر والجوع والمرض يرتسم على محياهم جميعا. والشعوب بما فيها الجيوش - دائما - تشتهي إصلاحات اقتصادية وسياسة وتحقق العدالة الاجتماعية بين الناس لا فرق بين حاكم ومحكوم في الحقوق والواجبات. بيد أن بعض الحكام أو أغلبهم يأبون إلا أن يعيشوا أسيادا لشعوبهم أو ملاكا لمزارع يمتلكها الحكام، وإبقاء لهذا الحال يضع الحكام ردما واقيا محكما يحول بين الشعوب وبين مطالبها، وهذا الردم – بحمد لله - قد هدم في تونس، وقد قامت هناك قيامة ابن علي وها هو الردم بدأ ينفرج وتتسع فتحاته شيئا فشيئا في بقية البلدان العربية. وما نراه الآن من خروج الشارع العربي في بعض الدول يبشر العالم المقهور – جميعه – يضعنا في صورة اقتراب قيام قيامة الأنظمة أو ظهور علاماتها، فهي أنظمة غير شرعية وصلت أماكنها بالتزوير لا بإرادة الشعوب.

ثم إن أغلب هذه الأنظمة من أجل أن تبقى حاكمة لا بد أن تدين بالولاء لأجندة خارجية وفي مقدمة ذلك ضمان بقاء إسرائيل آمنة مطمئنة يأتيها رزقها كل يوم في الوقت الذي يحاصر فيه أبناء غزة ويموتون جوعا. ومن أجل أن تبقى إسرائيل آمنة مطمئنة وتعيش رغدا لا بد أن تعيش الشعوب العربية عيشة ضنكا تشغلها لقمة عيشها تحت شعار (جوع كلبك يتبعك) وما ضن الحكام يوما بأن المثل سينقلب ليصير [جوع كلبك يأكلك]. والشعوب العربية الآن قد بلغت سن الرشد وتجاوزت مرحلة السذاجة أي لم يعد بمقدور الحكام الاستخفاف بها، وها هي الشعوب قد تضعنا قريبا جدا في صورة ثورة تونس وقد نرى من خلالها قيام قيامة الأنظمة؛ حيث هذه الأخيرة قد أقامت قيامة شعوبها منذ زمن غير قريب.

وكابوس القلق قد تجاوز الأنظمة العربية إلى دولة إسرائيل؛ حيث بدأت الأخيرة بالحديث عن اتفاقية السلام بينها وبين مصر. والصهاينة - كما قال الله عنهم - (يحسبون كل صيحة عليهم). وكل ديمقراطية عليهم وكل ثورة عليهم فهم المستهدفون من قيام أنظمة وطنية بإرادة شعوبها وهذه بالفعل هي الحقيقية إذا ما أردنا أن نضع النقاط على الحروف، إذ ضمان أمن إسرائيل وأمانها مرتبط بقيام أنظمة تدين لها أو لنقل لأمريكا بالولاء، وهذه الأنظمة إذا ما قامت قيامتها على أيدي شعوبها فإن الشعوب لن تنتج أنظمة على هوى إسرائيل بل ستجد هذه الأخيرة نفسها وجها لوجه أمام أنظمة لن تلبي إلا مطالب شعوبها, والشعوب العربية موقفها معلوم من دولة دنست الأقصى الشريف ثالث الحرمين الشريفين وثاني القبلتين.

ومن هنا نقول: ليست الأنظمة العربية وحدها في خطر – إذا لم تستمع وتصغي جيدا لمطالب شعوبها وتحققها في دنياهم – بل إن إسرائيل نفسها تسكون – أيضا - على حافة الخطر نفسها، وأمريكا التي ترعى الديمقراطية في بلدها والغرب عموما لا يرضيها هذا الأمر وبالتالي لن تعجبها ديمقراطية العرب وتأبى إلا التمسك بمثل هذه أنظمة دكتاتورية إذ لا يهم أمريكا الشعوب العربية بقدر ما تهمها مصلحة إسرائيل لهذا ضل شعب غزة يموت جوعا وليمت جوعا ما دام ذلك يرضي أبناء القردة والخنازير. بيد أني أقول - أيضا - ليس هناك ما يمنع أمريكا من التحالف مع الشعوب أو مع ما سينتج عن إرادة الشعوب من أنظمة حاكمة تدين بالولاء للوطن لا للذوات والخارج، وليس لديها مانعا - أيضا - حتى من التحالف مع الحركات الإسلامية لكن بشرط أن تحقق الأولى مصالحها، ولا يختلف اثنان على أن من أولويات مصالح أمريكا هي الحفاظ على أمن ابنها المدلل (إسرائيل)، لهذا لم ترض عن ديمقراطية حماس سابقا، ولن ترضى عن أي ديمقراطية حقيقية قد تتحقق بإرادة شعبية في الوطن العربي وهي كذلك لن ترضى عن الثورات الشعبية ضد الحكومات مثلما حصل في تونس لأن ذلك لا يصب في مصلحة إسرائيل. (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). 


في السبت 29 يناير-كانون الثاني 2011 10:22:43 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=8932