بكائيات الاقتراب من حافة الهاوية
د.فيصل الحذيفي
د.فيصل الحذيفي

مسارات ممكنة:

لا يشك أحد بمقدرة الحزب الحاكم في اليمن بان يجري الانتخابات منفردا ومعه حلفاءه من أحزاب الموالات ومنحهم نسبة 20% من المقاعد النيابية لتكوين صورة من صور التعددية.

لا يشك احد بأن يظل الرئيس صالح مدى الحياة ويخلفه ابنه من بعده، ولايشك احد بإمكانية السلطة استخدام العصا الغليظة مع معارضيها لبسط مشروعها السياسي هذا. ولكن بأي ثمن ؟؟.

لكن أحدا لايستطيع الجزم بأن مثل هذه الإجراءات لن تؤدي إلى اتساع رقعة الكراهية للسلطة والنظام السياسي الخاص بها، أو اتساع العنف على مستوى الوطن، أو نشوب حروب أهلية محتملة تتجسد في مواجهة شاملة بين السلطة والمجتمع، أو أن يصبح مشروع الانفصال أمرا واقعا مع تهتك آخر أوراق الشرعية وظهور المسكوت عنه في سياسة السلطة الحالية بالتحول المكشوف نحو الاستبداد المطلق الذي ينسف كل اتفاقيات الوحدة الديمقراطية ودستورها.

لا يستطيع احد الجزم أن البلادة لن تذهب إلى حالة من الفوضى والتحلل إلى درجة قد نشعر معها أن الصوماليين أكثر استقرارا منا بل وقد نحسدهم على حربهم النظيفة التي طالت عشرين عاما ولما تزل.

إن التفطن إلى المخاطر المحدقة بعد وقوعها لن يفيد معه الندم المتأخر أو الاعتراف بأننا كنا جميعا شركاء رئيسيين في تمزيق البلاد وانتكاسته دون خجل ولن يعيد إلينا ما نتمناه.

خيارات آمنة:

لامجال لحل المشكلة دون العودة إلى مربع الحوار.

نتوسل بكل حب إلى كل مواطن يمني في السلطة والمعارضة وفي المجتمع المدني وفي عموم الجسد الاجتماعي بأن لا نكون شركاء في مأساة فضيعة نحن ذاهبون إليها بجهالاتنا وغبائنا السياسي .

إنني أتمنى أن يمتد زمن الحوار عشرين سنة دون انتخابات أفضل من الوقوع المريع دفعة واحدة في خطأ لانحسب نتائجه. إن بقاءنا كشركاء سياسيين في مربع الحوار وخارج الدستور والقانون أفضل من الاتكاء الخاطئ على دستور وقانون وشرعية وهمية ستؤدي بنا جميعا إلى الهلاك المحقق.

إننا ندعو هؤلاء العقلاء إلى العودة إلى الحوار ولنظل في مربع الحوار إلى أن تقوم الساعة فذلك مدعاة إلى أن نتفق يوما ما على ما عداه من الخيارات الكارثية .

إن غالبية الناس المتخوفين من الوقوع في المكروهات يتمنون من السلطة برجالها العقلاء إلى التعقل وإعادة النظر في الإجراءات الانفرادية التي ستدفع الناس قسرا إلى الرفض والعنف والاحتراب.

إن الركون إلى العسكر والأمن والأطقم المنتشرة في الطرقات والحارات ومداخل المدن للإبقاء على مشروع وطن اسمه اليمن لا يمكن أن يكون ضامنا ، إن الضمانة الحقيقة تكمن في شرعية التراضي التي تغنينا عن استعمال القوة من أي طرف ضد آخر وعدم الانزلاق إلى مخاطر العنف المتبادل.

إن الدولة الرشيدة لاتحتاج إلى العسكر وإلى مظاهر القوة والمواجهة مع المواطنين لأن ما تقوم به من عدل وتنمية وتطور تجعل الإنسان راض عنها طوعا لا كراهية، وتتعزز شرعيتها بعملها الدؤوب لابأذرعها الأمنية والعسكرية.

كل موظفي السلطة الكبار عندما يزورون دولا ديمقراطية لا يلحظون عسكرا ولا ثكنات عسكرية هنا أو هناك لأن الدولة تقوم بواجباتها فيطيعها الناس محبة وانتماء واعتزازا، ولو لم يتحقق لهم ذلك لخرجوا معارضين لها ، لقد خرج آلاف الطلاب البريطانيين يتظاهرون يكسرون ويعنفون ضد قرارات الحكومة في رفع الرسوم الجامعية ولم يدخل أيا منهم السجن ولم ينظر إلى أحد منهم كخائن أو عدو للوطن، ببساطة لأن الدولة الرشيدة والحكم الرشيد تقرأ الانحراف الاجتماعي باعتباره صدى لانحراف سياسي وإداري فتسعى لإصلاح أدائها. لقد استقال أحد الوزراء البريطانيين لزلة لسان في تعبيره، لقد خانه الخطاب فازدراه الناس لأنه لم يتحدث عنهم بشيء من الاحترام فقرأ غضب الناس واعتذر وقدم استقالاته .

إننا يوميا في افتتاحيات صحيفة الثورة الرسمية نقرأ قوالب جاهزة من الشتائم والتحقير لمعارضي الحكومة وهم جزء من المجتمع يحضون بدعم أكثر من مليونين ناخب، قد نتفهم مثل هذا الخطاب إن كان متضمنا في صحيفة الميثاق المؤتمرية لكن لا نستطيع أن نتفهم خطابا كهذا في صحيفة رسمية تمثل الدولة وليس السلطة أو الحزب الحاكم.

أنا أطمئن الحزب الحاكم أن أحزاب اللقاء المشترك لن يقدموا على النزول بأنفسهم إلى الشارع، إن حالة الانفلات غير المتوقعة ستكون بلا شك خارج القرار السياسي والحزبي، من سينزل إلى الشارع أفراد غاضبون ومتضررون من السياسات الخاطئة، سينزل إلى الشارع العاطلون عن العمل، ذوي الدخول المتدنية (تذكروا حادثة سيدي بوزيد في تونس حركها شاب عاطل أحرق نفسه احتجاجا) سينزل المتقاعدون من العسكريين، سينتفض شارع الجنوب الذي جاء إلى الوحدة طوعا بشرطها الديمقراطي، سينتفض مجتمع القبيلة أين له ثأثر مع السلطة الحالية (مارب الجوف صعدة عمران حجة). وبقية الريف اليمني سيحمل كل فرد بندقيته في وجه كل ما من شأنه يكون معبرا عن رفض السلطة بدءا بمنع اللجان الانتخابية.

ستجري الانتخابات في مراكز المدن هذا ممكن لكن المدن وسكانها لاتمثل سوى 30 % من مجموع الناخبين، وقد لاتسلم من العنف.

ندعو وبإلحاح كمواطنين يمنيين ننظر بعين الخشية على البلاد والعباد أن نعود جميعا إلى مربع الحوار، لنظل في هذا المربع بدون مؤسسات دستورية، بدون برلمان منتخب، وبدون رئيس منتخب، فالحوار السياسي هو البديل لأي فراغ دستوري أو سياسي ناشئ، فشرعية الحوار السياسي والمجتمعي هو البديل الأفضل لأي مؤسسة سياسية بديلة مشكوك في شرعيتها ولو جاءت بالانتخاب.

قد لا يحصل شيء من هذه الفجائع ونحن نتمنى أن لا تحصل .غير أن كل سياسي ذكي وفطن لو توقع حالة الفوضى والفتنة والاحتراب ولو بنسبة 1% لفضل البقاء في الحوار خير له من الذهاب إلى هذا الاحتمال . إن انفراط العقد السياسي والاجتماعي يبدأ من شرارة بسيطة تتسع لتشمل المواجهة بين السلطة والمجتمع ، لقد أثبتت حرب صعدة أن ثلاثة ألف مقاتل حوثي دوخ جيشين نظاميين ومرغ بكرامتهما البلاط فكيف لنا أن نستسهل المواجهة مع الحراك الجنوبي والحراك الحزبي والمجتمع المدني.

أيها العقلاء لاتستهينوا بخطورة الوضع، لاتهدموا ما بناه الناس طيلة خمسين عاما من ممتلكات خاصة وعامة. إذا انفرط العقد فلا مجال لنظمه، ولن يكون أحد في مأمن ولو امتلك أدوات القوة، تأملوا زعماء الحرب في الصومال في عقد التسعينيات لقد انتهوا جميعا في رحى المعارك وجاء أمراء حروب جدد غيرهم، انظروا إلى شوارع مقديشوا إنها شوارع لاتنتمي إلى أي مظهر مدني، انظروا إلى بناياتها ومؤسساتها كلها متهالكة تنتمي إلى القرون الوسطى. لاتهدموا ما بناه الجميع فما أسهل الهدم ، حافظوا على مكتسبات متراكمة دفع الناس ثمنها غاليا. 

إن التعديلات الدستورية المقترحة هي هدم لقواعد الدستور المستفتى عليه شعبيا ، الناخب اليمني لم يفوض أحدا لإجراء تعديلات دستورية، إننا بحاجة فقط إلى التالي: تنقيح سجلات الناخبين، وتشكيل لجنة انتخابية يتفق علها، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تفضي إلى مجلس نيابي يتولى مناقشة إصلاح النظام السياسي، إن أحزاب السلطة والمعارضة خانت الأمانة عندما وافقت على مشروع إجراء تعديلات دستورية لايحتاجها الناخبون.

المجلس النيابي الحالي المنتهية ولايته في عام 2009 غير مؤهل دستوريا لإصدار القوانين فكيف يذهب إلى هدم القواعد الدستورية المتفق عليها بهكذا تعديلات ؟؟.

خاتمة بئيسة:

لقد كان المجتمع ينظر للرئيس الصالح بأنه صاحب ذكاء فطري ، لكنه هذه المرة قد وقع وأوقعه المستفيدون من حوله، لقد أعلن إفلاسه السياسي حيث قرر المواجهة مع المجتمع أو جزء منه من اجل التأبيد السياسي الذي كتبنا عنه قبل عام.

على الرئيس الصالح إن كان يحب الوطن كما يدعي أن لا يرشح نفسه مرة أخرى وأن يحترم الدستور الذي أصدره بنفسه، عليه إن يحترم وعي الناس ويحافظ على مصداقية خطابه فقد أعلن مرارا وتكرارا بأنه لن يرشح نفسه عند انتهاء ولايته الدستورية ، ينبغي أن لايجعل من نفسه رئيسا كاذبا على شعبه.

 

إذا كان حفظ الوطن والوحدة وحفظ سمعته كرئيس تاريخي تستدعي الالتزام باستيفاء فترته الرئاسية احتراما للدستور فليسع إلى ذلك «دون دعممة» لا ينبغي أن يكون مطمعا للطامعين ومظلة للفاسدين الذين يربطون بقاءهم ونفوذهم ببقائه. اللهم بلغنا اللهم فاشهد .

 

د. فيصل الحذيفي

 

hodaifah@yahoo.com

  

Dr.Faisal Alhodaifi

Prof. since politic

Yemen

(00967)777733007

hodaifah@yahoo.com

hodaifah@gmail.com

http://marebpress.net/writers.php?lng=arabic&id=167

  
في الأربعاء 05 يناير-كانون الثاني 2011 11:06:09 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=8693