وجهة نظر .. الدور الحقيقي للرئيس صالح في مشاكل الصومال
كاتب/لطفي شطاره
كاتب/لطفي شطاره

أكيد الرئيس علي عبد الله صالح على حرص اليمن "على مواصلة بذل جهودها من أجل رأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف الصومالية ولما من شأنه إحلال السلام والاستقرار في الصومال". ، عندما أبلغ هذا الموقف إلى شريف شيخ أحمد رئيس المحاكم الإسلامية في الصومال لدى استقباله والوفد المرافق له في عدن بعد ساعات من وصوله مساء امس في أول زيارة له لليمن.. لم يأتي من فراغ ، ويأتي هذا اللقاء في الوقت الذي قالت فيه آن بينكيث محررة الشئون الدبلوماسية في صحيفة " الاندبندت " البريطانية " يوم الجمعة الماضية بأن مقاتلين من الشيشان واليمن يتدفقون إلى الصومال للقتال إلى جانب قوات المحاكم الصومالية التي تحكم سيطرتها على غالبية مدن الصومال باستثناء مدينة بيداوا التي لا تزال مقرا للحكومة الانتقالية المعترف بها دوليا برئاسة عبد الله يوسف ولكنها لا تحظى بأي تأييد شعبي داخلي . 

لذا فأن الرئيس صالح الذي أوضح للوفد الزائر و حسب وكالة الأنباء اليمنية " سبأ" ان اليمن "لا تقف مع طرف ضد طرف أخر في الصراع الصومالي وأن اليمن مع تحقيق الوفاق وتعزيز الوحدة الوطنية.. وان يسود الأمن والاستقرار والسلام في الصومال ويتمكن أبناء الشعب الصومالي من التفرغ لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وبناء مؤسسات الدولة الصومالية المنهارة. " أراد أن يبعد الشبهات التي تحوم حول الدور الحقيقي الذي لعبته وتلعبه اليمن داخل الصومال ، فالإدارة الأمريكية كانت قد اتهمت اليمن بأنها ممر آمن لتهريب السلاح إلى الصومال ، غير أن الحكومة نفت ذلك في حينه ، وأكدت على لسان وزير الخارجية الدكتور ابوبكر القربي أن اليمن ساعد على تسليح ودعم أفراد الجيش الصومالي التابع للحكومة الانتقالية في بيداوا في إطار مساعيه لترسيخ الاستقرار هناك ، ولكن ظهور مليشيات المحاكم الإسلامية في الصومال وبشكل مفاجئ قبل عدة أشهر ، وسيطرتها السريعة على عدد من المدن التي لم تكن لسلطة عبد الله يوسف أية وجود فيها ، جعل كثير من المراقبين لا يستبعدون أن يكون لليمن دورا في ذلك ، ووجهت اتهامات غربية إلى اليمن والسعودية والسودان بأن مقاتلين ينتمون إلى منظمات جهادية من هذه البلدان شاركوا مليشيات المحاكم الإسلامية في التوغل إلى الأراضي الصومالية وإحكام السيطرة على مدن رئيسية ، كما أشارت تلك الاتهامات إلى الدعم المادي الذي حصلت عليه قيادة المحاكم الإسلامية الجديدة من تلك الدول .

 ولم يستبعد بعض المتابعين للاهتمام اليمني بالصومال أن يكون انقلاب الأوضاع في الصومال وبصورة " مفاجئة " له علاقة بالانتخابات اليمنية التي شهدت تحولا دراماتيكيا في المراحل الأخيرة من الحملة الانتخابية ، التي كشفت عن رغبة شعبية عارمة في التغيير وإنهاء حكم الرئيس صالح الذي أستمر حوالي 28 عاما ، وتحديدا بعد " زلزال عمران " عندما خرجت تظاهرة مليونية لدعم مرشح المعارضة فيصل بن شملان ، وتأكيد واشنطن على لسان سفيرها في صنعاء توما كراجسكي في تلك الأثناء أن بلاده تقف في الحياد ولا تدعم أي من المرشحين ، غير أن الرئيس صالح وحسب المراقبين كان متأكدا أن الغرب وواشنطن سيدعمون في النهاية بقاؤه في الحكم لفترة رئاسية ما تزال معالمها مجهولة لبراعته في استخدام ورقة الأصوليين لتثبيت بقاؤه في السلطة ، إذ عملت جهات يمنية حسب أراء المراقبين على خلط الأوراق داخل الصومال وقبل أشهر من الانتخابات الرئاسية حتى لا تبرز أية بصمات لليمن فيها ، ويدل على ذلك صمت الحكومة اليمنية على ذلك التغيير المفاجئ في الصومال ، وامتناعها عن تقديم أي دعم لحليفها عبد الله يوسف وهو يناشد العالم لمساعدته ويرى تساقط المدن الصومالية الكبرى الواحدة تلو الأخرى وبكل سهولة في قبضة مليشيات المحاكم الاسلامية ، باستثناء المناشدات والتصريحات الإعلامية فقط لبعض المسئولين اليمنيين والداعية الى التهدئة بين المتقاتلين . وبالفعل استطاع الرئيس صالح تجبير الوضع الجديد في الصومال لصالحه ، و فجر قضية الإرهاب في وجه المعارضة أثناء الحملة الانتخابية ليوجه رسالة واضحة لأمريكا والغرب أنه الوحيد القادر على ضبط محاربة الإرهاب وأن يكون الحليف الوفي الذي يؤمن للغرب مصالحه في هذا المنطقة الحيوية من العالم ، وأستخدم ورقة الإسلاميين بشكل علني وصريح وشن هجوما عنيفا ضدهم صاحبتها ثلاث عمليات انتحارية لم تعلن أية حركة مسئوليتها عن تلك التفجيرات الا بعد مرور شهر من انتهاء الانتخابات عندما نسب مصدر على الانترنت ان القاعدة كانت وراءها لان من قام بتلك التفجيرات فاتته أن ينسبها إلى جهة ما لتبرير الفعلة ، وهو الأمر الذي دفع بواشنطن وبعض العواصم الأوربية من تغيير موقفها ودعمهم لبقاء الرئيس صالح في الحكم مهما كلف الثمن ، خشية أن يؤدي وصول المعارضة في اليمن إلى السلطة وهي تعتمد على شعبية حزب الإصلاح الإسلامي إلى مصير غير معروف بالنسبة لصانعي القرار الأمريكي الذين انشغلوا بكيفية مواجهة تطورات الأحداث في الضفة الأخرى من باب المندب وسيطرة الإسلاميين السريعة على مدن رئيسية في الصومال . 

لذا فأن الرئيس صالح يريد من خلال مساعيه الحثيثة هذه التأكيد بأنه حريص على مصالح أمريكا في المنطقة ، وأنه يمكن أن يلعب دور " العراب " في إيجاد صيغة تفاهم بين السلطة الجديدة القوية في الصومال " المحاكم الإسلامية " والإدارة الأمريكية ، وهو ما يمكن تفسير تزامن وصول السيد ديفيد ويلش مساعد وزير الخارجية بالولايات المتحدة الأمريكية في زيارة مفاجئة الى عدن أمس ، مع وجود شريف شيخ أحمد رئيس المحاكم الإسلامية الصومالية الذي وصل للتباحث مع الرئيس صالح ، والتفسير الذي يمكن استنتاجه أن اليمن يريد أن يكون قناة للتواصل الأمريكي مع حكام الصومال الجدد يساهم في ايجاد صيغة تقبل بها واشنطن بقاء سلطة المحاكم الإسلامية التي ربما أسهمت اليمن في إنشاءها هناك جنبا إلى جنب مع حكومة عبد الله يوسف الانتقالية ، على أن تخفف واشنطن من ضغطها بضرورة وجود قوات إفريقية في الصومال لتثبيت السلام هناك .

في كل الأحوال اللعبة التي مارستها وتمارسها اليمن من أجل بقاء الرئيس علي عبد الله صالح في الحكم كما يعتقد بعض المراقبين ، في اللعب بورقة الإرهاب داخليا وإقليميا ، وتعامل السلطة في علاقاتها الدولية مع العالم كما تتعامل مع زعماء القبائل في اليمن ، لن تدوم طويلا لان الرهان الحقيقي لاستقرار اليمن على المدى الطويل مرهون بتحقيق " معجزة " اقتصادية داخلية لإنقاذ البلاد من أي عواقب لانهيار النظام بصورة مفاجئة بسبب تفاقم الغلاء وازدياد معدلات البطالة ومؤشرات نضوب النفط وعدم وجود ركائز اقتصادية بديلة.. ناهيك عن استمرار مسلسل الكذب الذي تمارسه السلطة في تضليل الشعب بوجود اهتمام عالمي بالاستثمار في اليمن ، وترويجها لوهم بأن الشركات الأمريكية ستتدفق على اليمن من خلال الضجة التي صاحبت عقد " المؤتمر الاقتصادي لرجال الأعمال الأمريكيين " الذي احتضنته العاصمة صنعاء و العاصمة الاقتصادية عدن مؤخرا وهو ما سنفضحه في المقال القادم وبالقرائن . 
 

صحافي وكاتب بريطاني – يمني مقيم في لندن Lutfi_shatara@yahoo.co.uk  


في الجمعة 15 ديسمبر-كانون الأول 2006 05:52:23 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=842