كهرباء الجاهلية ل أحمد غراب
د.عبدالمنعم الشيباني
د.عبدالمنعم الشيباني

"كهرباء الجاهلية" لـ أحمد غراب نص أدبي بموضوع سياسي يستحق الدراسة...مما شدني الى قراءة هذا النص إستعمال الكاتب تقنية ((الفلاش باك)) وتقنية ((جوَّاب العصور))أو المسافر عبر الأزمان...ينقلنا الكاتب من اليمن سنة 2010 الى الجاهلية قبل الإسلام، جاهلية العرب، أبي لهب وأبي جهل وسادة قريش،ينقلنا الى البيئة العربية (الخيام والإبل والصحراء)،أتقن الكاتب استعمال مفردات بيئة العرب قبل الإسلام، أمثلة على ذلك كلمة ((المضارب))، ((مضاربنا)) وكذا مفردات الحوار الذي دار بين أبي لهب وأبي جهل مفردات عربية فولكولورية طبعت جو النص بجو عربي قُح.....

حوار سينمائي 

الحوار الذي دار في النص بين أبي لهب وأبي جهل هو حوار لسيناريو سينمائي تمثيلي بجو نفسي يعرِّف القارئ بعرب الجاهلية قريش،اللغة صاغها الكاتب بدقة وعفوية في نفس الوقت، والحوار كان متدرجاً بسلاسة ومن غير تكلف بين الشخوص وموضوع الحوار وهو ((البحث عن دبة غاز ))..

نقد فساد السياسة اليوم بلغة العرب وشخوصها التأريخيين

هذه أبرز خاصية أكسبت النص ميزة الأدب العالمي بشروط وتقنيات جديدة مثل "التحول من الحاضر اليوم الى الماضي بالأمس" وكيف أن الماضي العربي الجاهلي بشخوصه وبيئته وعاداته وتقاليده يحاكم الحاضر الذي صار فاسداً وخارجاً عن تقاليد عرب الأمس الذين يأنفون أن ترتهن كرامتهم للعجم من أجل وسيلة من وسائل عيشهم..

إستعارة لغة اليوم للبيئة العربية الجاهلية

وهذه ميزة أخرى في النص حيث استعار الكاتب مفردات اليوم على لسان الشخصيات القديمة، أمثلة كمايلي:

سأذهب لجلب دبة غاز من كوريا الجنوبية

ولماذا هو أرخص في كوريا؟

لأنها تشتري المتر الغاز بثلاثة دولارات فقط

بيعة سارق، بعيد عنك

إنه الماطور،إذن!

غسالاتنا وثلاجاتنا وتلفزيوناتنا

الى غير ذلك من مفردات اليوم التي لم يكن يعرفها العرب من قبل ...مثل هذه التقنية: خلع لغة اليوم على بيئة عربية تاريخية، رأيناها في كثير من الأفلام العربية التاريخية مثل فيلم "رابعة العدوية" وفيلم "عنتر بن شداد" و"عنتر يغزو الصحراء" و"فارس بني حمدان" وغيرها، يحدث الإنتقال من لغة العرب الأقحاح الى لغة العصر الحديث في مشاهد ومناسبات متفرقة لأغراض فنية تشرح الماضي بلغة الحاضر...

التعريض والنقد السياسي

عنصر اللغة في النص هو العنصر المهيمن الذي منح النص قوة وجزالة ونجاحاً فنياً خدم الموضوع ((موضوع نقد الفساد السياسي أو الحكومي))، لقد أدهشتني وأسرتني مفردات استعملها الكاتب في الغمز واللمز والتعريض خدمت بدقة موضوع النقد للفساد ،عبارات تم توظيفها بذكاء ومن غير تكلف ...أمثلة كما يلي :

ثكلتكَ أمككَ يا أبالهب وما حاجتك للغاز وزوجتكَ حمّالةُ الحطب!

ويحك يا أبالهب! أنسيت أننا نهرب الديزل معا،ً ومعنا محارب بن فهر؟!

هنا تعريض برموز الفساد من المهربين للديزل والغذاء،وهم رموز قوية ومتنفذة في الحكومة ولها سطوة وقوة،ومن ناحية أخرى (حمّالة الحطب) توظيف جميل وموفق يصور شراكة المفسدين أبي لهب وامرأته حمالة الحطب، إنه توظيف مركز وموفق زاد من جمال وقوة النص خدمةً لموضوع النقد السياسي..

النص

عمت صباحاً يا أبا لهب! إلى أين تمض يا أخا العرب؟

- سأذهب لجلب دبة غاز من كوريا الجنوبية.

- ويحك يا رجل! أصبأت عن غاز آبائنا وأجدادنا؟ تالله لأقلبن بعيرك بترولا بدلا من الغاز!

ـ تبا لك يا أبا جهل! ألم تعلم أن سعر الغاز في كوريا أرخص من سعره في مضاربنا؟!

ـ ولماذا هو أرخص في كوريا؟

ـ لأنها تشتري المتر الغاز بثلاثة دولارات فقط، ومن مضاربنا.

ـ ثكلتك أمك! ولماذا نشتريها بألف ومائتي ريال؟

ـ لأن بأسنا بيننا شديد.

ـ أي بيعة هذه!

ـ بيعة سارق، بعيد عنك.

ـ ثكلتك أمك يا أبا لهب! وما حاجتك إلى الغاز وزوجتك حمالة الحطب!

في ساحة قريش يخرج أبو الحكم على الملأ ويهتف بعلو صوته:

ـ يا قوم! لقد صبأت الكهرباء ورب الكعبة! بين كل هنيهة وهنيهة "طفي لصي"، حتى أحرقت غسالاتنا وثلاجاتنا وتلفزيوناتنا...

ـ إنه الماطور، إذن!

ـ وما الذي جلبك على الكهرباء وفواتيرها وسعر الكيلو الكهرباء قد بلغ مبلغه وديونك لخزاعة صاحب البقالة قد تجاوز كل حد بسبب الشموع.

ـ وماذا أفعل؟!

ـ ألست جارا لأبي لهب؟

ـ بلى.

ـ إذن، وفر على نفسك واربط سلكا من رأسه وولع ببلاش.

ـ ويحك يا شعتنة! ألم تعلم أن البلاش يجيب العمى والطراش!

ـ جل سادة القوم وكبرائهم يولعون ببلاش، وأنت واحد منهم.

يذهب أبو الحكم إلى دار أبي لهب ويطلب منه أن يربط له سلكا من رأسه، فيرد عليه أبو لهب:

- أكلتك أمك يا أبا الحكم! وكيف تريد أن أربط لك سلكا وأنت بلا "عداد"؟

ـ ويحك يا أبا لهب! أنسيت أننا نهرب الديزل معا، ومعنا محارب بن فهر؟!

ـ فلتصمت أيها الأحمق! وسأربط لك سلكا من الضغط العالي.

يتبع الحلقة القادمة

شاعر وناقد يمني

a.monim@gmail.com


في الخميس 04 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 09:36:30 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=8252