حِكَمُ الحج..
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

كثيرٌ من الأمم والشعوب والثقافات عرفت الحج، ومارسته وتمارسه، وفق معتقدها الباطل، وما تمليه الشياطين، كالبراهمة والإسماعيلية والهندوس وغيرهم من الأمم ، حيث يحج هؤلاء بمئات الآلاف بل بالملايين ، إلى بعض الأضرحة والقبور، ومن هذه الفرق أيضاً فرقة البابية والبهائية الذين يحجون حيث دفن بهاء الله في البهجة بعكا بفلسطين ، والقاديانيون من جهتهم يعتبرون الحج لا يكون إلا إلى مدينة قاديان، ويعتقدون أنّ قاديان كالمدينة المنورة ومكة المكرمة بل وأفضل منهما وأرضها حرم وهي قبلتهم وإليها حجهم.

وغلاة الشيعة الإثناعشرية ، زعموا أنّ الزيارة لكربلاء أعظم من فريضة الحج ، إلى مكة المكرمة وعرفات ، ولذا يسمون كربلاء ب \"المقدسة\".

هذه الأنواع من الحج - إنْ صح التعبير - مع بطلانها ومع ما فيها من ضلال وجهل ، تحمل أيضا ألواناً من انتكاسة العقل وانحدار الفطرة ، وفساد المعتقد ، لأنها جميعاً لا دليل عليها من الوحي الإلهي ، وليس عليها أثارة من علم أو عقل ، كما أنها لا تحمل معنىً فاضلا من القيم والأخلاق والعقيدة الصحيحة والمعاني الربانية، والهدي الإلهي .

هذا بخلاف فريضة الحج العظيمة ، لدى أمة الإسلام ، التي أثبتها الوحي الإلهي المنزه عن الهوى أو الباطل أو الجهل ، وقامت الأدلة والبراهين العقلية والنقلية على كونها فريضة الله على عباده ، ومنتُه على خلقه ، ولها حِكَمُها العظيمة والجليلة ، وفيها ما فيها من المنح الربانية والفيوضات الرحمانية ، لأولي الألباب والبصائر ، وفيها ما فيها من المعاني والفضائل والآيات الباهرات ، ما يعجز القلم عن حصرها أو خطها، لكن نورد طرفاً منها فيما يلي من الأسطر ، فنقول وبالله تعالى التوفيق :

أولا: فريضة الحج ربط للأمة المسلمة بماضيها المجيد ومستقبلها المنتظر، إنه ماض عظيم من سمو القيم والمعاني الربانية الجليلة، إنّ الحج ربط للأمة بالنهج الصحيح في سيرها إلى الله تعالى ، إنه تدريب للأمة وبيان لأسس الحياة الإيمانية الحقة ، وبيانٌ لمنهج الإمامة في الأرض وقواعدها الربانية من خلال ما تبقى من آثار ذكرى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وأبنائه الأنبياء بعده ، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ، كما قال تعالى : (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) ) .

إنه رسم وتسطير عظيم لمنهج الإمامة في الأرض ، للأمة المباركة ، على مر التاريخ ، فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والعبودية لله عز وجل .

في الحج الأكبر تبرز هذه المعاني الكبرى بين يدي أمة الإسلام ، الذين جاءوا من كل فج عميق ، لأنّ هذه القيم الحنيفية كانت سبباً لإمامة إبراهيم وذريته عليهم السلام ، في العالمين ، ولذا خلّد الله تعالى ذكراهم على مر التاريخ ، وبقيت آثار إمامتهم ودعوتهم ودينهم الحق ، إلى يوم الدين ، وهي المعاني التي يلمسها كل حاج إلى البيت العتيق ، ويقرؤها كل حاج بعينيه في جنبات المسجد العتيق ومنى ومزدلفة وعرفات ، ومكة والمدينة .

إنّ في الحج بيانا لسبب الإمامة في الأرض ، وأنه بقدر ما تحقق الأمة المسلمة من العبودية لله بقدر ما يمنحها الله من الإمامة في الأرض والهداية والكمال والسؤدد والذكرى بين الأمم، كما وقع لإبراهيم وذريته عليهم السلام، قال تعالى : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49)).

فهل يا ترى يخرج المسلمون من هذه الفريضة العظيمة بهذا الدرس البليغ ، فيتجهون إلى الله مولاهم الحق بإفراد العبادة له وحده ، ويتجهون إليه بالتوحيد الخالص والإذعان والانقياد ، كما فعل أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام .

ثانيا: في كل حج يجتمع المسلمون من كل فج عميق يلتقون على مائدة الرحمن ، بلا فوارق أو طبقات أو ألوان أو مذاهب أو أديان أو قبائل أو جماعات أو عصبيات ، كلهم على قلب رجل واحد ، ففي هذا من الذكرى والموعظة الحسنة والدروس والعبر البليغة، ما تعجز عن بيانه وإيضاحه كل خطب الفصحاء والبلغاء، وتعجز عن تسطيره كل أقلام العباقرة والعلماء .

من ذلك بيان أنّ البشرية جمعاء أصلها واحد ، و أنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح ، وفيه التذكير بيوم يجتمع فيه الجميع بين يدي الله شعثا غبرا ، كلهم في ساح الرحمن يترقبون نزول رحمته ومغفرته ، حتى قال بعض أهل العلم من ظن أن الله لا يغفر له في هذا اليوم – عرفة - فقد أساء الأدب مع الله .

ثالثا : وفي هذا اليوم العظيم من أيام الله عز وجل، يعقد المسلمون مؤتمرهم السنوي العالمي ، لطرح قضاياهم ومشكلاتهم ومناقشتها ، في أعظم بقعة وأطهر أرض وأقدس منزل ، حيث يذكّر بعضهم بعضا بتقوى الله وطاعته ، ولهذا المعنى شرعت خطبة يوم عرفة ، وخطبتي العيد ، ولا شك أن بداية كل تغيير يبدأ من تغيير النفوس والقناعات ، وهذا ما نجده في أجمل حلله وأزهى صوره في يوم الحج الأكبر ، وهذا بعينه ما يغيظ الكفار ويجعلهم يتميزون غيظا ، حين يرون أمة الإسلام على كلمة واحدة ، تتدارس قضاياها ومشكلاتها ، وتتلمس لها الحلول والأدوية في رحاب الله وفي هدى الله على نور من الله .

رابعاً : في الحج من الفوائد الاقتصادية والصحية والسياسية والدينية والثقافية ما أشار إليه ربنا عز وجل بقوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)).

قال العلامة الألوسي – فضلا من بكم - : \" أي رزقاً منه تعالى بالربح بالتجارة في مواسم الحج ، أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في الموسم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم / عن ذلك فنزلت، واستدل بها على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج وإن ذلك لا يحبط أجراً ولا ينقص ثواباً\" (تفسير الألوسي : 2/166).

خامسا: وفي الحج إبراز لحضارة الإسلام والمسلمين فحين يجتمع ملايين المسلمين رجالا ونساءا من شتى الألوان والأعراق والمذاهب والفئات دون أن تحدث فيهم جريمة قتل عمد واحدة ، أو سرقة واحدة أو اعتداء على مال أو عرض ، بل إذا وُجدت لقطة من مال لا يجوز أخذه إلا لمعرّف لها ، الجميع يتسابقون للإحسان لإخوانهم ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، فهذا هو المعنى الحقيقي للحضارة الربانية والإخاء والسلام الذي يجب أن يسود البشرية جمعاء ، وهو ما عجزت عن تحقيقه كل النظم والأديان والمذاهب على مر التاريخ ، وإلى يوم الناس هذا .

ألا رحم الله عبد الرحيم البرعي حين قال:

يا راحليـن إلـى منـىً بقيـادي

هيجتـمُ يـوم الرحيـل فـؤادي

سرتم وسار دليلكم يـا وحشتـي

الشوق أقلقني وصوت الحـادي

حرمتـم جفنـي المنـام ببعدكـم

يا ساكنيـن المنحنـى والـوادي

ويلوح لي مابين زمزم والصفـا

عند المقام سمعت صوت منـادي

ويقول لي يا نائماً جـد السُـرى

عرفات تجلو كل قلـبٍ صـادي

من نال من عرفات نظرة ساعـة

نال السرور ونـال كـل مـرادِ

تالله ما أحلى المبيت على منـىً

في ليـل عيـد أبـرك الأعيـادِ

ضحوا ضحاياهم وسال دماؤهـا

وأنا المتيم قـد نحـرت فـؤادي

لبسوا ثياب البيض شارات الرضا

وأنا الملوع قـد لبسـت سـوادِ

يا رب أنت وصلتهم صلني بهـم

فبحقكـم يـا رب فـك قيـادي

فـإذا وصلتـم سالميـن فبلغـوا

مني السلام أهيـل ذاك الـوادي

قولوا لهـم عبـد الرحيـم متيـمٌ

ومـفـارق الأحـبـاب والأولادِ

صلى عليـك الله ياعلـم الهـدى

ما سار ركب أو ترنـم حـادي.

حفظ الله حجاج بيت الله الحرام ، وتقبل الله حجهم وطاعتهم ، ووفق المسلمين حكاما ومحكومين استلهام دروس الحج وعظاته ،،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،،،

 
في الخميس 04 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 03:46:04 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=8248