الوطن الذي نريد .. لا وطن تعلمناه
ابراهيم السراجي
ابراهيم السراجي

( أحبك يا وطني من كل قلبي , يا يمن )

هذه الجملة التي تشي بحبٍ وطني لستُ أنا صاحبها إذ أعترف أنني أعاني الكثير من الأمراض النفسية وأعاني من الالتباس ما يحول بيني وبين القدرة على كتابة تلك الجملة أو ما يشبهها .

تلك الجملة قرأتها مكتوبة على إحدى اللوحات الإعلانية الضخمة في شارع ( خولان ) بصنعاء موقعة تحت اسم ( أمانة العاصمة ) والمفارقة أن اللوحة الإعلانية التي عبرت بها أمانة العاصمة عن حبها لليمن من كل قلبها تقوم على عمود ضخم يغرق في بحر من ( المجاري ) الطافحة كعادة صنعاء ولكن ذلك دفعني لأقول أنه من الواجب على ( أمانة العاصمة ) أن تعالج مشكلة المجاري وتصلح الشارع الذي يبدو في حالته أنه مقطع ( بلوتوث ) لشارع في الصومال , أنا متأكد أن اللوحة قد كلفت أمانة العاصمة العشرات من الألوف كانت كفيلة بمعالجة الشارع وحل مشكلة المجاري في ذلك المكان الذي قامت عليه اللوحة أي أنه يجب على أمانة العاصمة أن تعبر عن حبها للوطن بطريقة مثلى وهي القيام بوظائفها , والحقيقة إلى الآن وأنا أفكر أي قلبٍ هو المقصود في الجملة الواردة أعلاه والذي يحب الوطن ؟!

الحقيقة أنني أعاني نفسياً من الفوارق الهائلة بين ما تلقيته في حياتي وبينما أعايشه , هي إذن ذاتها عاهة الأطفال الذي تعلموا في مدارسهم كيف يكون حب الوطن وهل هو ذاته الوطن الذي تعلم فيه أطفال صعدة هذا الحب هو الذي يقصفهم بطريقة عشوائية ويشردهم من منازلهم .؟!

كلما هممت في الكتابة للوطن أو عنه لا أعرف في الحقيقة نهاية الأمر هل سأخرج بمقال يصلح للنشر أو قصيدة حزينة أنشرها في منتدى أدبي أم أنها ستكون ورقة قابلة ( للتغليف ) ليستول بها فقير على أبواب المساجد وفي الشوارع العامة , نحن نعرف الوطن بنفس الكيفية التي يظن ( المتسول ) أن أي ورقة مغلفة هي دليل دامغ على استحقاقه للصدقة .

لقد تعودنا في طفولتنا أن السبيل الأنجع للتعبير عن حبنا لمدرستنا هو عن طريق زف المديح والشكر ( لمدير المدرسة ) حتى لو كان قد غادرها بعد فضيحة أخلاقية مع إحدى المدرسات أو أن نمدح في أستاذنا الذي تم فصله في وقت لاحق لثبوت تحرشه بالقاصرات من طالباته , ويجري الحال نفسه كلما اقترب موعد الأعياد الوطنية أن تكتظ كلماتنا بالحديث عن ( الرئيس ) ولم يكن بالمستغرب لو قام أحد الطلاب في الإذاعة المدرسية ليقول أن الرئيس هو صاحب فكرة( عيد الفطر المبارك ) , إذن فقد كبرنا ونحن نعاني من الالتباس وعدم القدرة على التفريق بين ( الشخوص والمكان ).

كل ذلك ليس من باب المبالغة فأنا إلى الآن لم أنس أنني أثناء انتخابات الرئاسة عام 2006 دخلت في نقاش مع بعض الأصدقاء على اختلاف توجهاتنا , يومها سمعني أحد الصغار وأنا أعلن وقوفي إلى جانب المناضل فيصل بن شملان رحمه الله إذ بادرني ذلك الصغير القول : ( احمد الله لوما الرئيس ما معك تلفون \" الساحر\") ولكن المؤلم هو أن هذه الحالة لا تنطبق فقط على صغار تعلموا أن لا فرق بين الرئيس والوطن فالأمر يتعداهم إلى غيرهم من الراشدين إذا قال لك أحدهم أن الرئيس هو من بنى لنا المدارس وجهز المستشفيات وعندما تحاول أن تناقش بنفس المنطق قائلا: ولكن عدد المدارس يعد نسبة ضئيلة تجاه ما يحتاجه الوطن من مدارس سيرد عليك أحدهم ( لو باقي معه زلط ما عيقصر ) إذن برأيي لم يعد مبالغا فيه قولنا أننا نعاني من ( التباس هائل ) لأنهم لن يتوانوا عن قول أن الرئيس يعول ( 23 ) مليون وأنت بدورك لن تقنعهم أن الرئيس الصيني يعول مليار ونيف من البشر ولو كنت تستخدم نفس منطقهم .

حتى من يمكن اعتبارهم أنهم مثقفي السلطة في بلادنا أعتقد أنهم الوحيدون الذين إذا ظهروا في الفضائيات مدحوا في \" الرئيس \" فيما غيرهم من زمر السلطة في بقية بلدان العرب تجدهم يتحدثون عن النظام كمنظومة متماسكة ديكتاتورية كانت في حقيقة الأمر أو ديمقراطية لا موضوع مشخصن مبني على المصالح .أتذكر في وقت قريب أنني شاهدت برنامج مباشر على قناة الجزيرة استضافوا خلاله احد قيادات الحراك الجنوبي في لندن يومها اتصل نائب محافظ محافظة أبين ليقول لضيف البرنامج أنه لولا الرئيس لما استطاع الضيف أن يدخل مدينة عدن ,وقتها دققت في كلام الرجل فعرفت أنه يمكن استبدال كلمة الرئيس بكلمة (الوحدة ) لتكون : لولا الوحدة لما استطعت أن تدخل مدينة عدن , ليعد هذا التباس آخر لعدم القدرة على التفريق بين الشخص والوحدة .

حتى حين نتدافع إلى ملعب المريسي بصنعاء لمشاهدة مباراة لمنتخبنا الوطني في الحالات النادرة التي يتمكن فيها من الفوز على المنافس يخرج لنا اللاعبون ليهدوا الفوز لوزير الرياضة وما فوق ونحن في حقيقة الأمر لا نريد أن ننتزع منهم الهدية ولكن نريد أن نشاركهم إياها وفاءً لحضورنا وتعويض لنا عن ( حق المواصلات ) .

هي إذن حالة عامة للالتباس وعمى الألوان لا تكمن فقط في الرئيس ولكن تكمن في تمجيد الشخوص على حساب القيمة العامة.

أنا فقط أريد أن لا تتسع الفجوة بيني وبين الوطن أريد أن أحتفل بعيد الوحدة على أنه قيمة لها عمقها وقيمتها الوطنية وليس على أنها مناسبة نحصل فيها على إجازة من أعمالنا في توقيت لا يخلو من منغصة تزامنه مع الوقت الذي ينفد كل احتياطيات الموظفين من المال إن وجد .

أريد أن أكون كأي مواطن أمريكي يخرج الصباح إلى وظيفته وهو يشعر أنه و أوباما على حد سواء يذهبان كل يوم لخدمة الوطن كل في تخصصه بغض النظر عن أن احدهم ديمقراطي والآخر جمهوري

كنت على الأقل أمني النفس أن لا يكون الرئيس أيضا قد أصابه نفس الالتباس بين الشخوص والمكان (الوطن) قبل أن يخرج لنا في مقابلة صحفية ليقول أن الهيئة المعنية بمكافحة الفساد مخولة فقط بملاحقة (صغار الفاسدين) ليظل حاجز الأشخاص جدارا يحول بيننا وبين رؤية الوطن والإحساس فيه , أريد ثقبا صغيرا أرى وأشعر ومن خلاله بالوطن .

أريد أن يكون الرئيس أكثر ديكتاتورية من ساركوزي عندما منع ابنه من الترشح لمنصب ما في باريس , أريد أن أحبه وأن أنبهه أن هناك من يسيئون إليه فهو ربما لا يعرف أن كثيرين ممن هم محسوبون عليه يتجاهلون ضآلة راتبه ليقولوا لنا أنه بنا مسجدا ضخما في العاصمة من حسابه الشخصي , وأريد أن تشرف وزارته المعنية بالأوقاف التي تكتب خطب الجمعة للخطباء المحليين أن تشرف على النقاط الرئيسية التي سيتناولها الدعاة الإسلاميون عندما يحلون ضيوفا على ( جامع الصالح ) قبل أن يخرج لنا داعية بعقاله ليحثنا على مواصلة الحرب ضد إخواننا ( المتمردون ) في صعدة وهو نهج يخالف رأي الرئيس الذي يقول أنه يميل إلى الحوار بدلا عن الحرب , وأريده أن يأمر وزير السياحة أن ينبهوا ضيوفنا السياح من أصحاب( العقالات) أن السياحة قيمة حضارية وفرصة لتبادل المنفعة والثقافة وليست فرصة لاستغلال حاجات الفقراء لإرغامهم على القبول بالزواج السياحي , وأن فارق العملات لا يعني فارقاً في كرامات البشر , لأننا نريد وطنا يشعر بنا ويحفظ لنا كرامتنا .

أعرف أن حديثاً كهذا لا ينتهي ولكني أحاول أن أجد طريقة لاتساع هذا الوطن ولا إيجاد مساحة أكبر في صدره ليتسع للجميع , أريد أن اشعر بهيبة النشيد الوطني وأنا استمع إليه وحدي , أريد أن يكون الوطن بمعناه الحقيقي لاندماج بين الأرض والمجتمع مع الذات فالوطن الذي تعلمناه وعرفناه في إحدى صورة أن تجتمع الحكومة في الوقت الذي يعيش اليمن حروبا ومشاكل اقتصادية ويقع على شفا أكثر من هاوية تجتمع فيه الحكومة لتناقش إجراء تعديل على العلم الوطني وقوانينه .


في الخميس 27 مايو 2010 05:54:00 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=7201