الرهينة..!!
د. حسن شمسان
د. حسن شمسان

هي مأساة تكررت في اليمن قديما وحديثا، يمن الإمام، ويمن الجمهورية؛ الأولى تمثلت مأساتها في رواية مشهورة للمرحوم زيد مطيع دماج، تحدث فيها عن نكسة وطن أو مأساة شعب، وقد نالت شهرة عالمية، وقد كان موضوعها يعكس واقع اليمن في عصور الظلام والبؤس والانحطاط. والثانية هي وليدة الساعة، وهي تتحدث عن مأساة طفل وأسرة، أو لنقل بشكل أدق: مأساة أب وأم، انتشل الفقر ابنهما وفلذة كبدهما من بين الأحشاء والضلوع قبل الأيدي.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تلك المأساة على الأب والأم، أشبه بانتزاع الروح الجسد عند سكرات الموت من حيث المعاناة والمكابدة والألم؟ إن هذا السؤال لا نستطيع له جوابا؛ بل من يستطيع ذلك هما أم/أب الطفل وقد رئينا جزءا من ذلك الألم والإحساس في عبرات العيون التي كانت تذرف الدمع فأثارت فينا الكثير من الشجون.

الرهينة الأولى كانت تصف حالة اليمن البائس في حقبة (اللازمن)؛ حيث إن الزمن يعد زمنا حقيقيا ويقاس بالثواني والدقائق والساعات بما يقدم فيه الإنسان من إنجاز، وبما يخلده الوطن من ذكرى جميلة في خلد أبنائه، ولا أظن أن ذلك العهد؛ عهد الإمامة والرجعية قد خلد ذكرى حسنة أو جميلة في ذاكرة أبنائه؛ حيث إننا لم نكن نسمع من الأجداد عن قصص ذلك العهد إلا ذكر الجوع، والفقر، والخوف، والمجاعة والمرض، والرهائن من بني البشر.

فما بال رهينتنا ويمننا اليوم هل هو مؤشر عودة أو رجوع إلى الزمن الغابر ؟ وقد كان تخلص من ذلك كله بقيام الثورة المباركة التي كان من أهم أهدافها القضاء على الجهل، والظلم، والاستبداد، والفقر, والمرض، ما بال يمننا يشد أحزمته ليسابق الزمن ليعود إلى منطقة (اللازمن) هل يعني ذلك عودة التأريخ للوراء ؟ فما أشبه اليوم بالبارحة !!

لم لا ؛ ونحن نرى شبح الفقر وقرونه كل يوم، فعن الفقر حدث ولا حرج، وما كان عدو الرهينة الجديد في اليمن الجديد إلا ما يعانيه أبوه من الفقر والجوع. أما عن المرض، ففي نفس القناة التي شاهدنا فيها الرهينة ووالده الذي تذرف عيناه من القهر، وقد كادت تبيض من الحزن، لولا تدخل المحسنين.

نعم لقد شاهد كل العالم في شاشة ((السعيدة)) مأساة ذلك الطفل الرهينة، كما رأت في نفس القناة حال المستشفى العام المرتدية في جزيرة سقطرة، وعندما رأيت حاله جال في خاطري غزة ومستشفياتها؛ فقد كانت أحسن حالا من ذلك المستشفى، على الرغم من الحصار ذا الأربعة الأبعاد؛ من الجو والبحر والأرض، وجوف الأرض. وكأن سقطرة هي من يعيش ذلك الحصار لا غزة.

أما إذا تحدثنا عن المرضى اليمنيين الذين يذهبون يوميا للعلاج في الخارج؛ فحدث - كذلك - ولا حرج، ويكفي المتابع أن أنقل إلى مسامعه بأن طائرتنا التي تحط في مطار القاهرة يصطلح عليها اسم (طائرة العيانيين) وهذا الأمر لا يحتاج إلى مزيد تعليق.

أما وضع العلم والاهتمام به؛ فما يحصل للتو في الجامعات اليمنية من إضرابات لأعضاء هيئة التدريس لا ينم إلا عن حالة التردي التي وصلت إليها الجامعات، ويبين أللامبالاة من قبل الحكومة، وعدم الاهتمام بها، وما التهديد باستبعادهم أو اسبتدالهم إلا خير دليل على ذلك، وهذا ايضا ليس عن عيون المشاهدين ببعيد، وهو ما شاهدناه في شاشة قناة السعيدة أيضا؛ إلا إذا كانت هذه القناة أيضا هي مغرضة وهي من أعداء اليمن، ولا ترى إلا بعيون سوداء، وتركز على الجانب المظلم في اليمن، مع أن برنامجها (صدى الأسبوع) يدل أنها أخف وطئا وأقل تنكيلا من الوقائع الحاصلة؛ لأنها تنقل صدى الأحداث فقط ولا تنقل الأحداث بكاملها؛ فصدى الصوت يختلف كل الاختلاف عن الصوت نفسه. وأظن أن برنامج (صدى الأسبوع) وهو بهذه الصفة لا يعني للمسئولين إلا (صداع الأسبوع) .

إن المتابع لما يحدث الآن يرى بأم عينيه أن اليمن يسير إلى الخلف، وأن الأوضاع تزداد سوء وكأنه ينافس (يمن الإمام) في كل شيء حتى في الرهائن؛ وها هو ما كان ينقص؛ مأساة رهينة من البشر ومأساة جديدة في سلم منجزات اليمن الجديد، وهي رسالة للعالم؛ يقول اليمن من خلالها ها نحن نعود إلى حقبة (اللازمن) وننافسه في كل شيء وبلا فخر، فالماضي مفخرة.

قد يقول المتابع ما دخل اليمن في هذه القصة؛ فهي قصة شخص ولم كل هذا التهويل ؟ فأجيبه بكل بساطة، لو كان ذلك الشخص الذي قام باقتياد ذلك الطفل الصغير يعلم أننا نعيش في عالم متحضر؛ عالم يحترم القانون، ودولة تعمل للقانون ألف حساب؛ لما تجرأ على تلك الفعلة الجريئة التي تسيء لليمن ككل. وما قدم ذلك الشخص على مثل ذلك عمل إلا لأنه يعرف – كما يعرف الجميع - أننا في بلد (قانون بلا مخالب أو أنياب)؛ قانون مهدور الدم من أقرب الناس إليه ممن يحمون ذلك القانون، وعند ذلك يصبح القانون ليس له أي اعتبار أو وزن، وللأسف فإن القانون في اليمن يحتاج إلى قانون آخر يحميه ممن استنه.

نعم ما أشد أن يؤخذ ابنك من بين يديك وأنت تتفجر ثم لا تمل إلا أن تتفرج في نفس الوقت، ولا تجد من يحميك، أو من يعينك، لأنك لست معني لأحد؛ لأنك تملك عدوا قويا هو الفقر، وما عليك إلا التسليم فواقع الفقر المدقع المُركِع؛ هو الذي جعل الرجل يركع أمام من جاء ليأخذ قطعة من قلبه. وقد صدق علي - كرم الله وجهه - عندما قال: (لو كان الفقر رجلا لقتلته) والفقر في دول العالم الإسلامي والعربي واليمني في نظر المتأملين أصبح يتمثل في أشخاص وحكومات وأنظمة.

 
في السبت 24 إبريل-نيسان 2010 06:45:38 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=6953