عن أكبر خدعة ثقافية عرفتها اليمن.!
كاتب/رداد السلامي
كاتب/رداد السلامي

بت أتجنب الكتابة في الأمور السياسية ، لا لشيء ، إلا لإحساسي أننا نعيد ذات ما قلناه ، ونكرر ذات الرؤى ، الأمر الذي يصيب بالملل ، وتغدو معه الكتابة في ظل تصلب من عدم الاستجابة لها عبثا ، وترفا يمارسه من لم يجد ما يقوله ، تماما كما هي عبثية هذه اللحظة.

لكن ما استوقفني هي آخر تقليعة استبدادية جديدة لرموز السلطة الذين أصدروا قانونا بحق الإعلام بشكل عام "مشروع قانون للإعلام السمعي والبصري"، الأمر الذي يؤكد أن السلطة هذه لا تجيد سوى إنتاج العطل والخلل ، وتستنسخ ذات الأدوات التي تجعلها على النحو الشائه والمتعفن ، وهي إذ تمارس ذلك تثبت أنها أيضا غدت قاب قوسين من الرحيل أو أدنى ، إنها تختصر موتها قوانين أفرغت اتفاقيات الوحدة من مضمونها وأحالتها إلى ادعاء أجوف يستحي أن يتفوه به وطني شريف ووحدي رضي بأن تحكم هذا البلد وسائل سلمية نزيهة ويعبر الشعب عن مطالبة بأدوات أكثر رقي .

لا يوجد من هو مقدس ، وإذا كانت لدى حاشية النظام أوهام تجعله يمارس إصدار قوانين بهذا لشكل فإنها تتعمد جعله في مرمى هدف الأقلام حين تريد أن تمنحه زهو القداسة والتبجيل الذي يحيله إلى دكتاتور فض بقوانين ترفض منطق الحرية بما هي أساس التقدم وبنية البناء الحقيقي لدولة يسودها العدل والشراكة الوطنية وحق الاختلاف في وجهات النظر.

إن محاولة تحصين رأس الفشل من إمكانية نقده ومحاسبته إعلاميا على الأقل عمل بائس لا يتزلف من خلاله إلا وزيرا أضحى أداة طيعة لأهوائه وأمزجته التي تقوده الى تبني مشاريع استبداد وقمع وكبت ومصادرة ، إن هذا اللوزي أضحى وزيرا يفتقر إلى الإحساس بأهمية أن يؤدي دور المدافع عن الحرية لا دور الكابح في أقدام سائق تاكسي قال ذات مرة أنه لن يقودها مرة أخرى ثم عاد من جديد..!!

أنا هنا أتحدث عن حالة غريبة تحيل مثقفا وأديبا "هكذا ظلوا يعنوننا منذ ثلاثون عاما وأكثر" إلى أيقونة سهلة التحريك ،بيد من يوكل إليه مهام تجميد الحياة الوطنية وإعادتها إلى مربع السلبية والتخلف المميت ، وما إصدار "قانون قامع "بحق حرية الصحافة والإعلام إلا إعداما لبصيص الهامش الحر الذي يمنح الحياة الوطنية عافية البقاء حتى يتمكن الشعب من رؤية واقعة ليتحرك نحو تلحيم انشطارته التي يصنعها شطار النظام وبوارجه الناسفة لما تبقى من أمل لوطن بات قاب قوسين أو أدنى من حالة التمزق.

إن إخراس حرية الصحافة والإعلام هو القضاء على آخر ما تبقى من اتفاقيات الوحدة ، الأمر الذي يعني ان النظام يمارس عمليا الانفصال ويعزز من تأجيج تلك النزعة التي يدين ذووها ،دون أن يدرك أنه بهكذا قوانين هو مصدر كل نزعة تشطيرية وإلهام كل عنف وارتداد نحو الأسوأ.

إن الرئيس ليس مقدس ، وإذا كان يرى ذاته كإله إغريقي فإن هذا شأنه ، أما نحن كيمنيين نراه مجرد موظف أو مدير فاشل ، ويجب أن ينقد سلوكه ويتم تعرية ما يمارسه ، كما أنه لابد من وضعه تحت طائلة المحاسبة عن ما أنتجته إدارته المختلة من أزمات وحروب واحتقانات وأوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، وكذا ما أنتجه سلوكه السياسي من تهديد واضح لوحدة البلاد وسيادتها.

إن الصمت عن هذا القانون من قبل القوى السياسية والاكتفاء بمجرد البيانات والإدانات الشفوية ، لا يكفي إذ لابد من خروج إلى الشارع وتفعيل الرفض الشامل لهكذا قانون ،لأنه قانون لم يأتي فقط ضد الصحافة والصحافيين بل وحتى الأحزاب السياسية التي يكمن في ثنايا هذا القانون استهدافا واضحا لها كقوى سياسية تقول أنها تناضل من أجل وضع أفضل للشعب، وتسعى لانتزاع أكبر قدر من حقوق وحريات له ، وإلا فإنها أيضا ستجد ذاتها تحت وصاية الأجهزة الأمنية بشقيها السياسي والقومي ومزاجها الأرعن تلك التي تذيق بعض سياسييها سوء العذاب .

إنني على يقين أن مقرات الأحزاب إذا ما صمتت عن ذلك ستتحول الى مقرات للأجهزة الأمنية والبوليسية ، وسنشهد آخر فصول التداعي لبقايا وطن لم يعد فيه غير هامش للكلمة يناور ذووها حتى لا يسقط في فخ نبوءات النظام ذاته .

ويبدو أن وزير الإعلام يريد أن يؤكد أنه أكبر خدعة ثقافية عرفتها اليمن.!!

raslamy@hotmail.com


في الأربعاء 07 إبريل-نيسان 2010 06:19:26 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=6832