تجديد صياغة الخطاب الديني في اليمن
أسامة إسحاق
أسامة إسحاق

هناك ثقافة خاطئة مغروسة فينا حالياً كمسلمين عامة ويمنيين خاصة وقد لاحظتها جلياً في مساجد صنعاء وسمعتها كثيراً في خطب يوم الجمعة وفي المحاضرات وحلقات العلم ما بين الصلوات وكذلك في منهاجنا التعليمية وهي أن الحضارة التي تسود العالم حالياً هي بكل بساطة عبارة عن منجز ديني إسلامي ,بعيداً عن التعصب لابد أن يعلم الجميع أن الحضارة ليست منجز ديني وإنما منجز إنساني يساهم فيه الجميع من جميع الأديان والثقافات والأعراق والألوان , فالحضارة لا ينتجها علماء دين و رهبان و قساوسة وإنما هي منظومة متكاملة ينتجها هيكل مدني متكامل من طبيب ومهندس ونجار وموظف وعامل ..الخ , الحضارة توجد عند من يسهر لها ويعرق عليها ولا تتواجد كما نعتقد في الصوامع ودور العبادات او من خلال الإكثار من ممارسة الشعائر والأذكار والإبتهالات والصلوات...

الدين ليس من مهامه إقامة الحضارة وإنما يأتي دورة بتعريف العبد بربه والحث على طلب العلم والحث على إقامة الحضارات , فالحضارة لمـن ينظـر للتاريخ قـد جاءت عـن طـريق شعـوب مسلـمة ومسيحيـة ويهودية وبـوذية وهندوسية وحتى شعوب ملحدة لا تعترف بالأديان , ويجب أن نعلم انه لولا الحضارات السابقة كالرومانية والفارسية واليونانية والتي سبقت الحضارة الإسلامية لما إستطاع العلماء المسلمين إنتاج أي شيء ولولا حضارتنا الإسلامية لما وصلت الحضارة الغربية إلى ما وصلت إليه الان, فالحضارة عبارة عن عملية تكميلية يشارك بها الجميع ولا تنحصرعلى دين وثقافة وعرق ولون معين...

يجب أن نجدد صياغة خطابنا الديني ونعلم أولادنا أن الرازي ليس العالم الوحيد والأبرز في الطب بسبب كونه مسلم ولا يجب أن ندرس ونحكي كل شيء عنه ونهمل علماء الطب الحديث لمجرد كونهم غير مسلمين ,ويجب أن نعلمهم كذلك أن جابر بن حيان ليس العالم الأوحد في الكيمياء والخوارزمي ليس هو كل شيء في الرياضيات كما يحاول خطابنا الديني أن يغرس في عقولنا وأن مكتشف الدورة الدموية هو العالم المسلم ابن النفيس وليس العالم الانجليزي الكافر وليم هارفي !!! فقد أصبحنا نعاني من مشكلة في الفكر الديني المعاصر بسبب الخطاب الديني والتعليمي ,فلو سألت شبابنا في يومنا هذا من تعرف من علماء الطب الذين أثروا على مر التاريخ؟ ,ستكون الأجابة الرازي , ولو سألت من تعرف من العلماء على مر التاريخ الذين أثروا في الكيمياء؟ ,ستكون الأجابة جابر بن حيان ,وهكذا في الرياضيات ستكون أجابتهم الخوارزمي وهلم مجره , سنلاحظ أن القاسم المشترك بين هؤلاء العلماء أنهم مسلمين وهنا تكمن مشكلة خطابنا الديني وحتى التعليمي وهي عدم تثقيف وتعليم أبنائنا وطلابنا الا ما هو مسلم ,وكأن علمائنا المسلمين هم من ترتكزعليه البشرية في كل العلوم وهذه رجعية وتخلف فعلمائنا المسلمين إنما هم حلقة من سلسلة طويلة من العلماء الذين شاركوا في إخراج الحضارات وبسيناريو بعيد كل البعد عن تدخل نصوص دينية بعينها او عرق بذاته او ثقافة حصرية او لغة وحيدة... 

ما زلنا نعاني نحن اليمنيين خاصة من الخطاب الديني العنصري فنراه يثقف ويخطب عن كل ما يتعلق بالعلماء المسلمين وإن كانت منجزاتهم في أزمان غابرة , ويتم إهمال علمـاء العصـر الحديث بسبـب كونـهم بوذيـون أو نصـارى أو يهود أو هندوس فكم سمعنا مثلاً من سب وشتم للعالم الكبير داروين لمجرد أننا حصرنا جل عمله ونظريته في أن أصل الإنسـان قرد , فهل يعلم الإنسان اليمني والمسلم مـدى تأثيـر نظريتـه الواسعة والكبيرة والمهمة علـى العلوم والـتاريخ الطبيعـي للحيـاة ...

وقد وصل بنا الحال إلى مرحلة تثقيف وتدريس طلابنا بقصص عن شخصيات غير مؤثرة تاريخياً ولا حتى علمياً ولكن لمجرد كونهـم مسلمين فذلك الأهـم بالنسبـة لنـا, فنحشـو منهاجنـا التعليميـة وخطب الجمعة وحلقات الدين التعليمية بتلك القصـص والروايـات والتي مـا أنـزل الله بهـا مـن سلطـان, فنسمع أحياناً عن الخنساء وقطزوجلنار وأبو دجانة وأم قوطبه وخال شربسه , وعندما تسألهم عن ماركوني مثلا او ماريا كوري ورودولف ديزل و وتايلر يونج او حتى نيوتن واينشتاين والثنائي لاري بيدج وسيرجـي بـرن بل وتعدى ذلك الى الياهو والهوتمـيل والجـوجـل والفيـس بـوك واليوتـيوب والويكـبيـديا فتـجدهم لا يذكرون عنـها وعـن قصـص نجاحاتهـم وعظمتهم في تاريخنا المعاصر أي شيئ , وكيف لا ونحن ما زلنا نمشي على خطى فلسفة خالد بن الوليد القتالية ومنهج عمربن العاص التوسعي ورؤية المتنبي الجاهلية ورسالة الشافعي الماضوية ...

وحتى في خطبة الجمعة التي تعتبر الدرس الوحيد الذي يـداوم عليـه المسلـم اليمنـي أسبوعيـا نسمع العجب العجاب , تكاد خطب الجمعة لا تخلوا من غرس الحقد والكره والبغض على الآخر والدعاء علانية على اليهود والنصارى بشكل او بأخر وأنهـم أحفــاد القــردة والخنــازيـر وبأن الله يقتلهم بددا ويمزقهم أربا ويشتت شملهم ويسبي نسائهم وييتم أطفالهم ويدمر إقتصادهم , وقد لا يعرف ذلك الخطيب صاحب النظرة الضيقة أننا أصحبنا نعيش في عولمة وإقتصاد عالمي واحد فإذا تأثر إقتصادهم سوف يتأثر بموجبها أقتصاد المسلمين وربما حرم ذلك الخطيب من راتبه , كما لا يعلم ذلك الخطيب أن المايكروفون الذي يتكلم من خلاله إلى جموع المسلمين صنع اليهود والنصـارى والموكيت الـذي يمشي عليه والسيارة التي تأتي بـه إلـى المسجد صنع اليهود والنصـارى والطائـرة التـي تأخـذه إلى مكة لأداء مناسك الحـج والعمـرة والرخـام الذي يمشـي فوقـه أثناء الطواف صنع اليهود والنصـارى , ألا يجب أن نرتقـي قليلاً بخطابنا الدعوي بما يتناسب مع زماننا وعقولنا فيجب أن نوجـه أطفالنا التوجيـه الصحـيح بعيـداً عـن غـرس الحقــد والكراهية, فقد أصبحنا أجيـال لا تبصــر بعيونهـا ولا تفــكر بعقولها , ولم تعـد مهامنـا أن نفكر ونسـأل ولكـن أن نعيـد ونكـرر ونحفظ حتى أصبح الفكر التساؤلي الفلسفي معدوم كلياً. ..

ألم يحن الوقت إلى أن نسمع خطباء المساجد يخطبون بعيدا عن العصبية الدينية ويتكلمون في خطبهم عن أهمية دراسة اللغة الانجليزية لأنها أصبحت مفتاح العصر, وأهمية دراسة الكبيموتر من انترنت وبرمجيات وضرورة فتح أيميل لكل مسلم وألزام كل مسلم تعلم الإرسال والاستقبال الالكتروني , ألم يحن الوقت أيضا إلى أن نرى بعض الكتب العلمية والتكنولوجية والأدبية والفنية في مكتبات مساجدنا إلى جانب مجلدات الدين الضخمة التي تفزع الطفل لمجرد النظر إلى كثرة عدد صفحاتها , ألم يحن الوقت أن نعلم أطفالنا إحترام الأخر والتعايش معه سواء كان يهوديا أو نصرانياً أو بوذياً أو حتى ملحداً فالدين لله والوطن للجميع, ألم يحن الوقـت إلى التـوقـف عـن إستخــدام لقب عالِـم للمشايـخ والفقهـاء ورجـال الديـن فـقــط ولكن كل من أفنى جل حياته يتعلم في الطب فهو عالِم وكل من أفنى جل حياته يتعلم في الهندسة فهو عالِم وكل من أفنى جل حياته يتعلم في علم من العلوم فهو عالِم وليس كل من حفظ الأربعين نووية وحصن المسلم وبعض أجزاء من القراءن الكريم فهو عالِم , ألم يحن الوقت أن نـدرك أن علـمـاء الـديـن ليسـوا موكليـن مــن الله بالتحـدث بأسمـه ولكـن دورهـم في إيصـال فكـر وسلـوك ومنهـج الإسـلام الـى عقـول المسلميـن فـقط, فهم في حياتهم يرتكبون الأخطاء مثلنا تماماً وليست لهم قداسة تميزهم عن غيرهم فهم ليسوا ملائكـة فيجـب أن يـنـتـقـدوا عندمـا يرتكبون خطأ مـا فإسلامنا يختلف عن غيره من الأديان أنه لا يوجد به رجال دين ولكـن كــل مسلــم علـى وجـه هــذه البسيطــة هــو رجــل ديــن, ألم يحن الوقت إلى التوقف عن الخطاب الدعوي الذي يسعى إلى تبليد عقول الشباب من خلال وعـدهم بالحـور العين والغلمان والخمور وذلك من خلال الإكثارمن الشعائر كالصلاة والصوم وليس من خلال طلب العلم والعمل ,ألم يحن الوقت الى التوقف عن الخطاب الدعوي الذي يعمل على تخويف عقول الشباب في كل خطبة بالثعبان الأقرع مما يؤدي إلى نتائج عكسية على سلوك الشباب , ألم يحن الوقت للتوقف عن التحدث عن أكذوبة عذاب القبر وضمة القبر التي تكسر الإضلاع والتي نخوف به عقول الشباب فـي كـل محاضـرة او خطبة دينيـة فالله لـن يعـاقب أحـداً فـي قبـرة قبـل أن يحاسبـة يــوم القيـامـة , ألم يحن الوقت الى التخلي قليلاً عن ثقافة هادم اللذات ومفرق الجماعات والشعوذه والسحر والغيبيات والماورائيات التي تحكم مجتمعنا وننزل بإسلامنا الى واقع عصرنا وزمانـنا الذي قد هبـط على القـمر, ألم يحن الوقت الى التوقف عن سرد قصص تنفر الشباب أكثر مما تقربهم عـن الـذي تتفطـر قدماه عند قيـام الليـل وعن الذي يقرأ القرأن كاملاً في ليلة واحدة فيقارن الشباب حالهم بذلك فيؤدي الى نفورهم ليأسهم وإحباطهم , ألم يحن الوقت أن ينزل الخطاب الدعوي إلى حياة وبيئة وثقافة الشباب والذين هم حالياً شباب ديجتال ,وانترنت وفيس بوك شئنا أم أبـينا فيحاول ترغيبهم وجذبهم بداية بدل من ترهيبهم وتخويفهم...

كلي أمل أن أرى في يوم ما مدراس تحفيظ القرآن قد تحولت إلى مدارس تفهيم القرآن ,فنستطيع اليوم حفظ القرأن كاملاً في تلفوناتنا وفي الفلاش ميموري والإم بي 3 والإم بي 4 وغيرها وإستخراج الأية التي نريد خلال ثواني , فقد أصبح الأهم بالنسبة لإسلامنا ليس حفظ القرأن ولكـــن فهم القرأن والعمل بسلوكه ومنهجه وليس حفظ حروفه ,كمـا أن الأبحاث أثبتت أن غالبية من يقومون بالعمليات التفجيرية الأنتحارية الإرهابيـة هـم من خريجي مـدارس تحفيـظ القرأن والمعسكرات الدينية الصيفية, وبلا شك فإن لغالبية تلك المدارس ايدولوجية دينية مسيسة وليس الغرض منها وجه الله كما يعتـقد الجميـع ويجـب على النظام أن يحكـم ويراقب ماذا يحصل داخل تلك المدارس والمعسكرات الدينيـة ,فوالله أني لأضمن أن أضع أبني بين يدي مدرس الرياضة في هذه الأيام ولا أضمن أن اضعـه بـين يـدي مـدرس ديـن , فمدرسي الدين غالبيتهم يتسترون وراء جلباب الورع والزهد والتقوى ثم نسمع منهم ما نسمع , أما مدرس الرياضة فهو أنسان واضح ولا يتخذ الدين مطية...

وقد كانت لي تجربة شخصية مع تلك المدارس في يوما ما فهي تتجاوز تحفيظ القرأن الى مشاهدة أفلام عن حرب الشيشان والبوسنة والهرسك وحرب افغانستان وتتناقل كتيبات سيد قطب الجهادية القتالية والتي تدعوا للجهـاد داخـل الوطـن بحجة تحكيـم شـرع الله رافعين شعار الأسلام أو الموت, من خلال تلك المدارس يصبح أبنائنا معبأين بالنهج السلفي الجهادي المتزمت فتلك المدارس يجب أن تعاد رسم سياستها من قبل النظام أو أن يتم أغلاقها ويكتفى بما يدرس من الدين في مدارسنا حرصاً على وطننا وإسلامنا فهناك من المدارس من يستغلونها لغرس ثقافة معينة لخدمة أيدولوجية معينة أبعد ما تكون من خدمة الإسلام...

كلي أمل أن أرى بعدد كل مدارس تحفيظ وتلقين القرأن في مساجدنا توجد مدارس تثقيف وتنوير بقدسية الوطن وتوعيتهم بأهمية العلوم الغير شرعية كما يصفونها وإضفـاء الصبغـة الدينية عليهـا وعلى تعليمهـا حتى تعطي الحـافـز للمتعلمين ولـيس فـقـط إضفاء الصبغـة الدينيـة والأجـر مـن الله عنـد دراسـة العلــوم الشــرعيه فـقـط, فـدارسـة الفـقـه تبنـي لك قصــرا فــي الجنــة, ودارسة الحديث تزوجك بسبعين حورية في الجنة, ودراسة السيرة النبوية توجب لك شفاعة نبيك ,أما دراسة تكنولوجيا المعلومات والهندسة والإدارة والسياسة وغيرها فهي مجرد علوم وضعية لا أجر لك فيها , فهل هذا يعقل أن يغرس ذلك في عقول شبابنا , ثم نتسائل عن سبب خروجنا عن ركب الحضارة...

كلي أمل أن أرى فـي يوماً ما مـادة التربية الإسلاميـة فـي المـدارس اليمنية قد تحـولت مـن مـادة حفـظ إلى مادة فهـم مثلها مثل مادة الفيزياء والرياضيات حتى يتعـرف ويتعلم الإنسـان المسلم علـى الإسـلام كمفهوم ونظـام وفكر ومنهج وليس كشعائر وأذكار وصلوات فقط وننتقل بعقلية الطالب من النقلية المشايخية الى المنهج النقدي التساؤلي , كلي أمل أن ننظر للأمور بحداثوية و نتخلى عن العودة الى الماضي كل ما أردنا البحث في مسألة عصرية أو مستقبلية لنجد لها السند من السلف الصالح من أبو فلان او إبن علان...

كلي أمل أن تزول وتنتهي ثقافة ”نحن قوم لنا السطر دون العالمين او القبر“ , فنحن لم نعد نريد السطر او القبر ولكن نريد أن نكون رقماً بسيطاً على هذه البسيطة بدلاً عن القبر , كلي أمل أن نتخلى عن ثقافة ” أنا ابن جلا وطلاع الثنايا “ وننسى قليلا ماذا كنا ونولي جل إهتمامنا لما نحن عليه الأن , دون الهروب من أنتكاساتنا في النظر الى الماضي السحيق , كلي أمل أن نبدأ بتعاملاتنا داخل المجتمع دون النظر الى المصطلحات الغوغائية والبدائية مثل الأقلية والأكثرية وروابط الدم والأواصر القبلية والأسرية والطائفية والمذهبية ولكن ننظر فقط الى شيئ واحد هو ” الوطن“ , كلي أمل ان يتم تدريس المفاهيم الجديدة التي تغزو العالم اليوم في مدارسنا مثل العولمة والعلمانية والليبرالية والديمقراطية والشيوعية ...الخ , كلي أمل أن أرى الشعب اليمني قد أصبحوا مؤمنيـن بالمـواطنة المتسـاويـة لكل فئات الشعب بأختلاف توجهاتهم ومذاهبهم وألوانهم وثقافاتهم ومكتسباتهم وأعرافهم, كلي أمل أن نتجاوز ثقافة ”السيف أصدق أنباء من الكتبِ“ ,وكلي أمل أن نرفع شعار نعم لثقافة القلم والمحبرة , لا لثقافة الرشاش والقنبلة.

واليمن كل اليمن من وراء القصد


في السبت 26 ديسمبر-كانون الأول 2009 04:19:57 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=6240