الصراع في صعدة حرب بالوكالة أم بين مشروعين؟
توفيق السامعي
توفيق السامعي

إلى وقت قريب كانت فلسطين مفتتح الأخبار في وسائل الإعلام المختلفة، تلتها العراق ثم السودان وأحداث دارفور.

اليوم - ومما يؤسف له- أصبحت الأزمة في اليمن تتصدر العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام العالمية، إزدادت سخونتها بعد تدخل السعودية بشكل مباشر في الحرب الدائرة في صعدة تحت مبرر حماية أراضيها من تسلل الحوثيين إليها.

وإلى وقت قريب كان المحللون السياسيون يقولون أن الصراع في صعدة صراع إقليمي بين مشروعين طائفيين بالأساس تداخلت فيه العوامل السياسية عبر صراع توسيع النفوذ والتمدد الطائفي لكلا القطبين؛ السعودي والإيراني.

أما المشروع الأول فهو مشروع سياسي طائفي (شيعي) على رأسه إيران بأيدي الحوثيين، ومشروع سياسي سني على رأسه السعودية بأيدي الدولة..غير أن هذا الأخير يبرر له في أكثر من وجه كون أن جماعة الحوثي جماعة متمردة على الدولة رفعت في وجهها السلاح وتريد عودة الإمامة التي لا تجوز فيها ولاية أمر المسلمين - بحسب فكر الشيعة- إلا في البطنين (حسني أو حسيني).

هذان المشروعان وهذه التحليلات كانت من قبل "رجماً بالغيب" حتى دخول السعودية الحرب والرد عليها من قبل إيران على لسان وزير خارجيتها منوشهر متكي محذراً "دول الجوار لليمن من التدخل في شؤون اليمن الداخلية"، وهو يقصد بالطبع السعودية.

هنا رفعت الحجب وانقشعت الغمامة عن الحقيقة وهي عمق الصراع بين المشروعين في المنطقة، وصارت اليمن موطن تصفية الحسابات بين المشروع الإيراني الشيعي، والسعودي السني وما يسمى بدول الاعتدال وكلاء الغرب في المنطقة، فالمشروع الأول يبغي التمدد عبر الطائفة وإيجاد جبهة سياسية أخرى جنوباً تكون موطئ قدم لها لثلاثة أبعاد رئيسية هي:

-الالتفاف على السعودية من الجنوب بعد تطويقها من الشمال عبر تحكمها بالعراق بعد الاحتلال لتحاصر المشروع السعودي (السني) من حيث البعد الطائفي، ومن حيث البعد السياسي فإن إيران تنظر للسعودية على أنها البوابة الأمريكية لتصدير السياسات الخارجية في المنطقة بعد مصر وهي تمثل المصالح الغربية وعلى رأسها أمريكا، كون السعودية تعتبر الممول الرئيسي بالنفط للولايات المتحدة.. وبهذه النظرة البعيدة المدى تريد إيران أن تخنق الشريان النفطي للولايات المتحدة عبر التضييق على السعودية.

-بعد تهديدات إيران أكثر من مرة بأنها سترد على الغرب إذا ما اتخذ خطوات الحصار أو ضرب إيران بإغلاق مضيق هرمز على الخليج العربي (الفارسي بحسب إيران) الذي يعبر منه ثلاثة أرباع الطاقة إلى الغرب، وتريد إلى جانب تحكمها بمضيق هرمز أن تقترب من باب المندب لقطع الشريان الآخر مما يجعل المنطقة مغلقة في وجه الغرب وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة خاصة وأنها تقترب شيئا فشيئا عبر إرسال بوارجها لمكافحة ما يسمى بالقرصنة على خليج عدن، وهي تريد بذلك موطئ قدم أخرى في الجنوب عبر البحر العربي وخليج عدن، الأمر الذي يعني في تصور إيران أنها قد تجبر الغرب على الخضوع لإملاءاتها وتسير هي في دربها النووي حتى يصل إلى غايته بنجاح تام. هذا فضلا عن تخفيف الضغط على إيران عربيا ودوليا من خلال جعل تدخلها في صعدة ورقة مساومة لأي توجه قادم في المنطقة من ناحية ومن ناحية أخرى تشتيت الانتباه عن الملف النووي إلى ملفات أخرى منها التمدد الطائفي والجبهوي في المنطقة خاصة إذا ما نوى الغرب توجيه ضربة لإيران فإنها تريد أن تكون لها حزب الله ثانٍ في اليمن خاصة مع نجاحها في لبنان من كسب الجبهة للضغط ومحاصرة المشروع الأمريكي عبر (إسرائيل) وتقزيمه ومحاصرته هناك ليصبح حزب الله الذراع الإيراني في المنطقة، الأمر الذي تحسب له أمريكا ألف حساب وإلا لكانت وجهت عدة ضربات لإيران منذ زمن بعيد.

غير أن الظروف الموضوعية لإيجاد حزب الله آخر في صعدة لا تتشابه البتة ظروف اليمن بالظروف اللبنانية؛ كون حزب الله لبنان جاء لمواجهة التمدد الصهيوني وحماية لبنان من الاحتلال الصهيوني، ولم يكن الشيعة في لبنان لهم شأن وليسوا في الحكم حتى تعاظم شأن حزب الله.. بيد أن اليمن محكومة زيديا وهم محسوبون على الشيعة وقريبين أيضا من السنة وكأن وضعهم هذا (منزلة بين المنزلتين) لا يعجب إيران ولا من يريد الخروج من عباءة الزيدية إلى التشيع التام المتمثل في الإثني عشرية على يد الحوثيين..إذ أن مؤسسات الدولة في اليمن من أعلى هرم في الدولة وحتى أسفلها بيد الزيدية التي ينتمي لها الحوثيون أصلا، وبالتالي لا يوجد مبرر لهم لخروجهم على الدولة بالسلاح والادعاء بالاضطهاد.

-التمدد الطائفي، إذ أن إيران تعتبر نفسها ممثل الطوائف الشيعية في العالم أجمع وهي حامي الحمى لهم، وبالتالي طموحها إلى إقامة دولة شيعية كبرى وقوية ممتدة في كافة العالم الإسلامي، وهذا الأمر من صميم معتقداتها الشيعية في كونها تهيئ الدولة الكبرى لعودة الإمام المهدي المنتظر، وهو الأمر الذي لم يخفه رئيس وكالة أنباء إيران شبه الرسمية (مهر) في مقابلة مع الجزيرة.

وهذه النقطة الأخيرة تشبه تماما التصور عند الصهيونية والمسيحية الصهيونية أنه لا يمكن عودة المسيح إلا وقد أقيمت دولته الكبرى بحسب زعمهم.

ويمكن القول أن المشروعين اليوم تداخل فيه العامل الطائفي مع العامل السياسي.

وبالنظر بين المشروعين فإن المشروعين يتحركان بوسائل مختلفة يتقدم المشروع الإيراني وتمثله قوى معارضة وشرائح كثيرة من الشعوب العربية والإسلامية وليس تعاطفا طائفيا وإنما تعاطفا دينيا على اعتبار أن إيران دولة مسلمة شقيقة تقف اليوم بعد انهيار الكرامة العربية الإسلامية على أيدي أبنائها الذين يمثلون المصالح الغربية من خلال غزو العراق وأفغانستان والتغول الصهيوني في المنطقة بتعاطف أنظمة عربية مختلفة ومع مواجهات قوية لحزب الله للصهيونية في جنوب لبنان كل هذه العوامل جعلت المشروع الإيراني يلقى له أرضية خصبة بين الجماهير الإسلامية ويجد له سندا وعمقا شعبيا في تلك البلدان خاصة في لبنان الذي وجد بدوره حاضنا وسندا قويا يمده بالمال والسلاح وهو إيران وسورية، وبالتالي فإن كثيرا من القوى - وبالذات الشيعية أو القريبة منها- تريد أن تحظى بما حظي به حزب الله من دعم إيراني ليكون قوة بارزة في الساحة العربية له تأثيره ومكانته الخاصة بين الجماهير.

هذا المشروع وجد له ممولا وداعما قويا بالمال والسلاح والسياسة وكل شيء وبالتالي حق له أن يتمدد ويتعاطف معه جماهيريا ويتقدم بقوة إلى الأمام، في حين المشروع الآخر (السني السعودي/دول الاعتدال) على العكس مما ذكر تماما؛ فإن سنده وقوته يستمدها من الأنظمة فقط وليس كل الأنظمة وإنما من أنظمة الدول التي صنفتها الولايات المتحدة بالدول المعتدلة، ويمارس هذا المشروع الكثير من تمرير السياسات الغربية في المنطقة ويضغط من ناحيته على القوى الشعبية الممانعة للتوجه الغربي لمزيد من الهيمنة على المنطقة وضياع القضية الفلسطينية والوقوف في وجه المقاومة، وهو الأمر الذي نظرت إليه الشعوب العربية على أنه تماهيا مع المشروع الغربي فلقي إعراضا من الشعوب العربية والإسلامية..حتى أن هذا المشروع وقف بقوة ضد الأنظمة التي تعاطفت -إلى حد ما- مع المقاومة في فلسطين ولبنان وهو ما برز مع عقد القمتين العربيتين في دمشق والدوحة وإفشالهما والتحريض عليهما من قبل السعودية ومصر والأردن وتمت مقاطعة سورية سياسيا من قبل هذا المشروع ومحاصرة القمة العربية الطارئة التي عقدت في الدوحة أثناء العدوان الصهيوني على غزة العام الماضي وسميت بقمة قطر.

ويسير هذا المشروع الأخير بدون رؤيا محددة ولا دعم مادي عسكري أو فكري تنظيمي ولا غاية محددة له أيضا.. بعكس المشروع الآخر، غير إلقاء اللوم على المشروع الآخر دون اتخاذ خطوات مكافئة لتوجه المشروع الآخر مع أن أصحاب هذا المشروع كثر من حيث العدد وضخامة الموارد واتساع الرقعة الجغرافية ويمتلك كل الوسائل لإنتاج مشروع ضخم تحالفي في المنطقة، وبإمكان القائمين على هذا المشروع دعم حركات المقاومة الفلسطينية السنية وعلى رأسها حماس والجهاد وسحب البساط على إيران من أن تملأ هذا الفراغ الذي يذكره القائمون على رأس هذا المشروع ويلقون باللائمة على المقاومة التي تتشبث بأرضها ومنهاجها وأية جهة داعمة لها وهي أولى بالدعم من غيرها.

وعلى هذا الأساس فإن السعودية بقيت مغتاظة من التحركات الإيرانية في المنطقة وتقدمها في مشروعها النووي، ورأت في تعاظم قوة الحوثيين خطراً يتهددها من الجنوب مع وجود طائفة كبيرة من الشيعة في المناطق الشرقية للسعودية يبعث الخطر من إحياء مشروع شيعي فيها، حتى أن مواطنين سعوديين سنة من المناطق الشرقية يذكرون أن النظام السعودي يعمل على تسكين وإحلال كثير من السنة في المناطق الشرقية ذات الأغلبية الشيعية حتى تكون ذات أغلبية سنية تحافظ على التوازن الطائفي داخل السعودية خوفاً من أي تمرد شيعي قادم في السعودية، لكن الطريف في الأمر - بحسب هذه المصادر- أن من يتم إحلالهم من السنة في تلك المناطق تمر عليهم السنون وإذا بهم قد تشيعوا بدلا من أن "يسننوا" الآخرين.

قبل خمسة أعوام شهدت الطائفة الإسماعيلية نوعا من التمرد في الجنوب (جازان) وكانت ذات كثافة سكانية هناك، بسبب مقتل أحد أفرادها من أبناء أحد مشايخها من قبل أحد أبناء الأمراء السعوديين ورغم أن الحكومة السعودية بذلت – بحسب المصادر- أموالا سخية كدية عن القتيل إلا أن تلك الطائفة رفضت أخذ الأموال وطالبت بالقصاص، وشهدت المنطقة اضطرابات بعد تهديد من كبار مشايخ الاسماعيليين والتلويح للملك عبدالله بمدى قوتهم الطائفية في الجنوب فأثار ذلك الأمر حفيظة النظام وما هي إلا عام واحد – بحسب ذات المصادر- شهدت مناطق الإسماعيليين عملية إحلال واسعة من السنة بدعم سخي بأموال طائلة من قبل النظام حتى أغرقت الطائفة الإسماعيلية ببحر من المواطنين السنة وبالتالي أدى ذلك الأمر إلى كسر شوكة الإسماعيليين هناك.

كل هذه العوامل الداخلية والخارجية الإقليمية للسعودية جعلها تتحين بصيصا من الفرص التي تتيح لها مبرر الدخول في الحرب ضد الحوثيين الذين أعطوا الذريعة للسعودية بدخول الحرب خاصة مع تراجع ثقة السعودية بالحكومة اليمنية من نية حسم المعركة مع الحوثيين رغم المد بالأموال الطائلة لذلك وهو الأمر الذي ظهر مع الحرب الخامسة كما ذكرت كثير من المصادر يومها من أن السعودية تبحث عن بدائل عن التعاون مع النظام واللجوء للقبائل المحاذية للحدود أو باستقطاب بعض أركان النظام.

وهذا ما يفسر الرد القوي من قبل السعودية على عملية التسلل الحوثي للأراضي السعودية وطلبها من الحوثيين التراجع عشرات الكيلو مترات في الأراضي اليمنية وإقامة منطقة عازلة بين حدود البلدين.

تصعيد الحوثيين المعركة ضد السعودية بالإضافة إلى ما ذكره المحللون العسكريون والسياسيون من أقلمة الحرب للتدخل الدولي لحل المشكلة مع النظام اليمني، إلا أن الحوثيين أرادوا أن يكسبوا تعاطف كثير من الشرائح والقبائل والقوى اليمنية التي رأت في اتفاق جدة وتسليم الأراضي اليمنية الواقعة تحت السيطرة السعودية بموجب اتفاقية الطائف للسعودية تسليما مذلا تحت ضغط النفوذ والحاجة والاستسلام لمطالب السعودية ما يعكس ضعفا سياسيا، أراد الحوثيون القول أنهم يثأرون لكرامة اليمنيين من ذلك وأنهم أفضل من النظام الحالي خصوصا تجاه الجارة السعودية. 


في السبت 21 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 06:28:49 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=6092