جولة في أنحاء الفكر التكفيري
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

تحاشى – طويلاً - بعض الدعاة الحديث عن هذا المنهج، وكشف أواره وسوءاته، ربما طمعاً في أن يؤوب رواد هذا المنهج إلى رشدهم في أي لحظة، ليعلنوا تراجعهم عن مواقفهم واجتهاداتهم، وهذا بحمد الله وقع إلى حد مقبول، كما في مصر، التي أعلن فيها هذا التيار مراجعاته، تحت ظلال السجون والمعتقلات، إلا أنّ هذه المراجعات ربما لم تصل إلى الأتباع في بعض الأقطار، أو بمعنى أوضح وأصرح لم تقنعهم بدرجة كافية.

ما جرى في غزة عبر جماعة \"جند أنصار الله\" أمر يدعوا للقلق كثيراً، لأنه يوضح وبجلاء، أن هذا الصنف من الناس يعاني من مرض عمى الألوان فلا يكاد يفرق بين مجاهد يحمل السلاح لمجاهدة المحتلين، لا تزال أسلحتهم تقطر دماً منهم إبان معركة الفرقان، وبين اليهود، أو الكفار، فجماعة \"جند أنصار الله\" ومن على شاكلتهم لا تفرق بين هؤلاء وهؤلاء، فالجميع عندهم لون واحد!!!!.

نفس الصورة تجري في الصومال، فقد وجدت هذه المجموعات متنفساً وبيئة مناسبة وخصبة لها ، حيث غياب السلطة السياسية، وعموم البلوى في هذا البلد العزيز من بلاد المسلمين .

ففي الوقت الذي اتجهت فيه الجماعات الإسلامية المعتدلة إلى نبذ القتال، وعدم المشاركة مع أي طرف من الأطراف المتحاربة التي تقيم مهرجاناتها الدموية اليومية في الصومال، سواء الحكومة أو المعارضة، وإنما اتجهت هذه الاتجاهات المعتدلة إلى بناء ما دمرته الحرب، وبناء المؤسسات التعليمية والمدنية ما أمكنها ذلك، رأينا أن هذا التيار يجند الشباب وصغار طلبة العلم ويغريهم بالأموال والرتب والدعم الكبير، لدرجة أن بعض هؤلاء المغرر بهم يقتل أباه بدعوى أنه يوادّ من حاد الله ورسوله، وبالطبع يعنون بمن حاد الله ورسوله الرئيس شيخ شريف، الرجل المؤمن الذي أقام المحاكم الإسلامية في الصومال، كأول تجربة رائدة في الصومال، إبان غياب الحكومة المركزية في البلد، فقامت هذه المحاكم بدور مشكور لحفظ ما أمكنها حفظه من الديانات والأرواح والأعراض والأموال، في بلد لا حرمة فيه لأحد!!.

كما أنّ هذه المجموعات التكفيرية في الصومال رأت أن مجرد وسم الحكومة الأميركية لشيخ شريف ب\"المعتدل\" اعتبرت هذا رضىً عنه، وهذا الرضى الأميركي عندهم لا يتأتى إلا أن يكون شيخ شريف قد نافق أو كفر أو ارتد، أو أنه يوالي الكفار، وبالتالي رفضت هذه المجموعات – صاحبة عمى الألوان- التي تعمل عملها على المسرح الصومالي مجرد الحوار مع شيخ شريف، واعتبرته خارجاً عن الإسلام يجب قتاله !!!.

عزز من هذه الرؤية العمياء ما يفرضه الواقع السياسي في الصومال - وبالأخص الحكومة الصومالية - من الحوار مع كل الأطراف الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما ترفضه هذه الجماعات أو المجموعات وتعتبره خيانة لله ورسوله والمؤمنين.

ما دعاني لكشف هذه الحقائق عن الوضع المأساوي والمتأزم في الصومال هو التأكيد أن منهج التكفير لم تكن صورته الوحيدة هي جماعة \"جند أنصار الله\" بل هي صورة واحدة متكررة، في الصومال ورفح ومصر والعراق والسعودية واليمن والمغرب العربي وغيرها من البلدان الواقعة تحت تأثير هذا الفكر الضال.

أرى من المهم الإشارة أيضاً إلى أنّ هذا المنهج في التفكير والتكفير والتفجير على النحو الذي وقع في غزة من وصم حكومة المجاهد رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنيه بأنه حكومته حكومة خارجة عن الإسلام لأنها لجأت إلى المفاوضات والقبول بالديمقراطية والعملية السياسية والانتخابات، هي نفس الأسطوانة المشروخة التي ترددها بعض الأطراف الجهادية في اليمن، وغيرها من البلدان الإسلامية ، حيث تعتبر هذه الأطراف الديمقراطية كفر! وكذا ما بني عليها من انتخابات وأحزاب ..الخ لها ذات الحكم، دون نظر إلى آراء علماء وفقهاء العصر، بل تعتبرهم هم أيضاً مستغربون متأثرون بالغرب وحضارته الإلحادية!! .

بيد أن الفرق بين جماعة جند الله وغيرها من هذه الجماعات، أن جماعة ما يسمى بجماعة جند الله امتلكت الشجاعة العمياء وأعلنت عما أبطنه آخرون ، على تفصيل سيأتي بيانه .

ولنكن أكثر صراحة وموضوعية حيث يتلقى بعض صغار طلبة العلم بعض الآراء والمصطلحات دون تمحيص أو نظر، من ذلك وصم كل من خالف الرأي بأنه مستغرب ومتأثر بالفكر الغربي، وإن كان هذا المخالِف من دعاة الإسلام المعروفين بالسلامة والمشتهرين بالصلاح والخير والتقى، لكن قدره أن له اجتهاداً ما خالف فيه هذه المجموعة في مسألة أو مسائل فرعية معدودة، فيبادر البعض منهم ممن ابتلوا بهذا الداء العضال بالقول بأنهم \"متأثرون بالفكر الغربي\" طبعا وبعد ذلك الحليم بالإشارة يفهم.

تُرى ما درجة هذا التأثر ؟ هل هذا التأثر يصل إلى حد الولاء، بمعنى أنه يبيح دمه على اعتبار أنه ممن والى اليهود والنصارى \"ومن يتولهم فإنه منهم\" أم أنّ هذا التأثر مجرد تأثر فكري وتبعية فكرية لا سياسية، لا تعدوا أن تكون جريمة كجريمة الخيانة العظمى، أم أنّ هذا التأثر تأثر بسيط لا يعدوا أن يكون توافق في الرأي والمنهج، أو ما يسمى في الاصطلاح الشرعي \"نفاق\" كل هذه تأويلات قابلة للفهم، والأخذ والرد، في الأوساط الفقهية التكفيرية، وهي ضمائر ظاهرة لا مستترة.

أيها السادة ، لنقف عند هذه النقطة لنسبر أغوارها ونبين بعض جوانبها، أكل من خالفنا الرأي نطلق عليه أنه \"مستغرب\" ؟ ما حدود المسألة وما ضوابطها الشرعية، حتى لا نظلم الناس ولا نفتات عليهم.

حقاً إنّه مما ابتليت به الأمة الإسلامية اليوم وجود طائفة من أبناء المسلمين، غير قليلة ، تأثرت بالغرب وأفكاره ومعتقداته فراحت تطبّل للغرب ولحضارته الإباحية صباح مساء، وصار هذا ديدنهم ودينهم الذي ينامون عليه ويستقيظون، فهم تبع للغرب، يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه، الحلال عندهم ما أحله الغرب، والحرام ما حرمه الغرب، فسيرتهم واضحة جلية أنهم مستغربون بلا خلاف ولا إشكال، تشهد بهذا فضائياتهم ووسائل إعلامهم المختلفة، فيجب والحال هذه حوارهم بالحجة والموعظة الحسنة، كغيرهم من الناس، على قاعدة : \"نحن دعاة لا قضاة\" وهي قاعدة ذهبية للعلامة الهضيبي، أعتقد أن فيها الخروج من الفتنة، وهي قاعدة تؤيدها النصوص الشرعية سيما في أزمنة الاستضعاف، وجهاد اللسان والحجة، فلا يجوز تعدي هذه المرحلة إلى غيرها، لأن هذا هو دور الداعية إلى الله، وما فوق ذلك أمر أوكله الله إلى السلطان، أو من ينيبه السلطان ، وهو مذهب جماهير الأمة من السلف والخلف، وإلى يوم الدين ، كما نقله العلامة النووي وغيره .

أما من اشتهر من الناس بسيرته العطرة في الدعوة إلى الله والخير والصلاح، أو حتى ممن لا يزال على أصل الإسلام، فيجب التماس المعاذير له، إن اجتهد فأخطأ، وذلك هو منهج أهل العلم قاطبة وإلى يومنا ولا قائل من أهل العلم المعتد بهم أنه يعدّ بهذا الاجتهاد أو الرأي أنه قد لحق بمعسكر الغرب أو الشرق بوجه من الوجوه، بل ينبغي بيان الحق ووجه الصواب ودلائل ذلك من الكتاب والسنة، وحسب ، بلا حذف أو ضم أو إلحاق، وإذا كنا نرى أن يُسلك في الدعوة إلى الله مع الليبراليين واليهود والنصارى مسلك الحكمة والموعظة الحسنة، فإنه والحال هذه لهو أوجب وألزم في حق دعاة الإسلام وعموم المسلمين.

فهلا تأدبنا بآداب الإسلام في الحوار والنقاش بلا تسفيه ولا توبيخ، ولا إلباس للغربنة والإلحاد، لكل رأي مخالف .

ومتى يا دعاة الإسلام تتحول منابركم إلى تعريف الناس بربهم وخالقهم ودينهم وحضارتهم، بعيداً عن السباب والشقاق والتفسيق والتكفير والتبديع، متى؟؟.

يا دعاة الإسلام، متى تعيدون لمنبر رسول الله قدسيته وجلاله وهيبته، فقد كان عليه الصلاة والسلام لا يزيد على أن يقول ما بال أقوام .

ما يجب أن أختم به هذه الكلمة القصيرة القول بأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، والواجب أن تستفيد الأمة المسلمة من كل الحضارات والثقافات، وأن تستفيد من الموروث الحضاري الإنساني، وليس عيباً أبداً أن يستفيد المسلمون من غيرهم من الشرق أو الغرب، طالما ذلك في دائرة المباح ، بل هذا المباح في بعض أحواله أحسب أنه يرقى إلى درجة الواجب والفرض، كالتطبب والهندسة والعمران وغيرها من العلوم الإنسانية.

وهذه الدائرة – أعني دائرة المباح - تعد أكبر وأوسع دائرة من دوائر الإسلام، بخلاف دائرة الحرام فهي أصغر وأضيق الدوائر، كما قال العلامة الشاطبي وغيره .

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Moafa12@hotmail.com


في الجمعة 21 أغسطس-آب 2009 05:44:20 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=5735