اليمن قبل فوات الأوان ..ولازال في الوقت متسع
كاتب/مهدي الهجر
كاتب/مهدي الهجر

المشهد الآن على صفيح درجة حرارته تجاوزت المنسوب العادي بكثير .

- صعدة بؤرة تشتعل ، والمساحة تتسع .

- الحراك الجنوبي يتعقد أكثر ، ويتبلور إلى ما يشبه صراع الهوية .

- القاعدة في الخط وتتوعد بتحرير حضرموت والجنوب.

- حراك آخر يتشكل تحت مسمى أبناء الصحراء

- وثالث يعلن عنه لأبناء الهضبة الوسطى .

-ورابع لأبناء إقليم تهامة .

- بني ضبيان وأخواتها ، الإطلالة بين الفينة والأخرى.

- فواعل أخرى عديدة على الشاكلة تهمس من هنا وهناك .

من يظن بان ثمة فرصة أو إمكانية لطرف ما للسيطرة والإحكام إن ظلت الاوضاع تسير على هذا المنسوب من التداعي - رغم أن الطبيعة لها في عرف الأحداث كا المتوالية الهندسية - يكون ألف واهم ، وأبعد منه من ظن بتلك أدوات تكتيكية لحسابات أو برامج أو مشروعات ما .

لان الفتنة إذا أشرفت وكانت مسرحها الدول ، فإنها تبقى سيدة نفسها ، ويستحيل على مكمن القوة من كان حينها أن يبقي على الزمام والفعل والتوجيه ، لأن أول ما تفعله الفتنة هو الذهاب بهيبة الدولة والسلطان ، وهذه التي تحفظ الأمن والأمان ، وتبقي على التعايش والانسجام ، وهي هبة من الله سبحانه وتعالى ،ثم ما تهبه الممارسات والنظم والعلاقات من ضبط أخلاقي ، والتزام أدبي ، وقناعات في النفس ،فهيبة الدولة والسلطان معنوية أكثر منها مادية ، حينها تساق الناس بالكلمة والإشارة ،بأريحية وابتسام وطيب خاطر ، أما حينما تحل الفتنة وتقتلعها فإن الجحافل والدروع تفشل تماما في ردع المخالف ، وإبقاء السكينة والأمان .

القضية تبعا للراهن والمتوقع مخيفة جدا ، مشكلات تحولت إلى أزمات ذات ألوان وأبعاد تكفي الواحدة منها لان تودي ببلد محكم فكيف بكيان هزيل في كل شيء لم يشتد عوده بعد .

الأوراق تداخلت وتشابكت في متاهة معقدة بين السياسي ، والعقائدي ، والمذهبي ، والمناطقي ، والجهوي ، والاجتماعي ، والقبلي ، والإقليمي ، والدولي ، وهي بحاجة إذن إلى ابتدرا محكم وحكيم من جميع التوليفة في اليمن ، وان يتغلب العام على الأضيق ، واليمن على الأنا .

الحوثيون :

يُقفلون صعدة ، يُمسكون المبادأة والفعل ، ويتجهون لاستكمال المربع في المناطق الأخرى ، استفادوا من الزمن ، وتجاربهم مع الحروب السابقة التي عادت عليهم بالمعنويات والاحتراف وعادت على خصومهم بالتراجع في كل الأطراف المعنوية والمادية وجغرافيا الصراع .

ولقد ارتقى الحوثيون مسافات ذات ارتفاع بتميز وامتياز في مجالات الخطابين السياسي والإعلامي ، وأداء العلاقات الداخلية والدولية مقارنة بابتدائهم ، ثم في الاداء القتالي على الميدان .

ومن المؤكد يقينا أن ثمة مؤسسية بداخل الحوثية ، تخطط وتراجع ، وتعدل ، وتقيم ثم تدفع من جديد في عملية تفاعلية أو نمطية تغذية استرجاعية ، وتجيد بإتقان تعظيم نقاط قوتها ، والتهيئة من خلال بيئة النظام السياسي والاجتماعي العام إلى خلق فرص متاحة بل ومتناولة تضيفها تباعا إلى نقاط القوة ، في الوقت الذي تضرب فيه بدقة نقاط الضعف المختلفة في جسد الخصم ، وتتحسس عن مواقع ضعف أخرى قريبة أو محتملة على ضوء متغيرات المشهد العام على السطح .

نجح الحوثيون في جر اغلب المذهب الزيدي ، ثم جزء كبير من آل البيت في كل اليمن رغم التباين المذهبي الحاصل بين مسمى الشافعي والزيدي ، فقد تغلب هنا داعي الوشيجة على المذهب ، إذ حلت القربى وذات النسب بين الحوثي والصوفي ، وأصبحت الصوفية في اليمن وتحديدا تعز، الحديدة ، حضرموت تتشكل بمرجعيات ،ومؤسسات ، وخطاب تاريخي ،ودبت فيها الحياة ولكن من نوع آخر ، ولأول مرة عبر تاريخها ( السائر في ركب السلطان ) تمتلك رؤية وخطاب سياسي يعملان من وراء ستار وفي المسار الذي يقترب كثيرا من الإستراتيجية الحوثية ، لكن الحوثية تضل الفاعلة وذات البوصلة ، فهي التي جرًت واستوعبت ، أو أحسنت عملية الاختراق والتعبئة .

ولقد أصبحت مدينة تريم حسب كثير من المراقبين ذات طقوس وخصوصية ، بنمطها الثقافي والفكري والإداري مؤهلة لان تغادر النسيج العام ذات يوم .

هنا وعند الحوثية يصح القول باتزان ووفقا لقراءة ذات مسوح منهجية أن ميزان القوى في عملية الصراع الدائرة بين السلطة والحوثيين مختل تماما لصالح الطرف الحوثي ، في مسرح الصراع ،لاسباب مختلفة ليس هنا محلها ، وهو الذي كان يقرأ في السابق من العديدين باستحالة القول بوجود معادلة صراع ، أو الحديث عن ميزان قوى بين دولة تمتلك كل المقومات ، مع جماعة خارجة عليها ، إذ لا سواء أو مقارنة بكل المعايير ، ، وكل ما كان لا يخرج عن تكتيك السلطة في مناورة الخصوم ، ولحسابات مختلفة .

فالحوثية اليوم أداة نفسها مستقلة تماما بمشروعها الخاص ، ولم تعد بكل المعاير تكتيكية أو تصلح لتكون في متناول السلطة مع آخرين هنا وهناك .

الواقع الآن يختلف تماما ، ليست القراءة من بطون الكتب ، ونظريات التحليل ، إنما من المعطيات على الأرض ، والتجليات المختلفة للمشهد العام .

على ذلك فإن الحوثين جزء في البنية السياسية الرسمية الآن ، وطرفا فاعلا في المنظومة السياسية العامة ومعادلة الصراع الحاصلة ، وضمن التكوين الاجتماعي والمذهبي ، والمنظومة الوطنية ، ومن ثم فالاستيعاب يصبح حتمي عبر حوار عام وجاد تشترك فيه السلطة وكل المكونات الحية على أسس وطنية ، واستيعاب المطالب الاجتماعية المختلفة في إطار المطالب العامة ، التي تحسن الأنظمة الأخرى في العادة صهرها وقولبتها ، وإلا فإن صعدة ستكون بوابة السقوط المدوي .

المرحلة بحاجة إلى استراتيجيا يصنعها حكماء اليمن ، يسميهم من بعدنا (الآباء المؤسسون) لا أن تجري الأمور بفعل بعض أمزجة الطيش من غير ذوي الفهم والدراية في الأبنية المختلفة للجهاز التنفيذي على قاعدة كلا وما يليه ، وما بدى بدينا عليه .

وهي بحاجة إلى موقف يشترك فيه الجميع ، سلطة ومعارضة ، وأشخاص ومنظمات وهيئات.

الحراك الجنوبي:

القضية الجنوبية ، قضية حقوق ومطالب مشروعه ، بدأت بحراك سلمي حضاري ، تفاعلت معه السلطة بردود أفعال اقرب إلى التجيير الشخصي وتسوية الحسابات ، وشيء من أدوات التسكين فغابت الاستراتيجية والرؤية ، وتراكم الشحن والاحتقان في المقابل ، وعلى حين زوبعة وضجيج ركب النفر الانفصالي الموجة ، وصاحبه عدد من الشاردين على الثوابت وهم الاستثناء في كل المجتمعات ، فزادوا في الضجة والشحن العاطفي ،ثم نفخوا المناطقية والعصبية الكراهية ، وجيروا كل صغيرة وكبيرة ، في تعزيز من السلطة تهبه من خلال الارتجال والخبط في المقابل .

وما زالت القضية الجنوبية في هذه المحافظات محل الحراك في المستوى المقدور عليه في الوقت الراهن ، إن صح التعاطي ، فهي لم تبلغ حد التعقيد بعد ، فالناس هنا رغم معاناتهم لازالت قلوبهم مسكونة بالوحدة واليمن الكبير، وإن ظهرت بعض الممارسات تجاه أبناء المحافظات الشمالية ، وبعض شعارات الانفصال فهي شاذة لنفر معدود ،ومحل لغضب الجميع .

حينما تسمع عن أصوات الحراك في الضالع وردفان وحبيلين ومن في هذا النسق وتكون لا تعرفهم فانك إن كنت من المحافظات الشمالية تتخوفهم وتتبرم تجاههم لما يقال عن تلك القسوة ، لكن حينما تخالط رموزهم أو من يقال عنهم العتاولة ، أو حتى بعض البسطاء تجد القوم طيبون وكرماء إلى ابعد حد ، و لا يستطيعون أن يُخبؤا في نفوسهم شيء ، وما في القلب على اللسان ، بهم شجاعة وبسالة استغلها غيرهم من المحافظات الأخرى تحديدا رموز الانفصال ، فجاؤا اليهم ودفعوا بهم باسم الحمية والرجولة والنضال لان يكونوا الطليعة في الحراك الدامي .

وابن الضالع وتلك المناطق قصته انه كان موظفا في شركة فجاءت عليها الخصخصة ثم قال له أبو كرش الجديد بعد أن استورثها، أو اشتراها ، وداعا لا حاجة اليك ، عمالة فائضة ، فعاد إلى منزله بدون عمل يأكل وينام ،ويلعب ضومنة ، وفي صياح مع أم العيال .، ثم دائرة من الفراغ .

وآخر كان يعمل في الجيش فسرح أو أحيل إلى التقاعد ، وكانت نفس القصة ، والجوع كافر ، ويفرق بين الابن وأباه ، وقد كان الانفصالي في الطريق ، ثم وقع الحدث .

ما تحاورت مع احد يزمجر ويحتج من أبناء الحراك في الجنوب-باستثناء الانفصالي - إلا وجدت الوحدة في قلبه ، واللعنة على الفساد وسوء الإدارة .

غير انه في الآونة الأخيرة بدأت الوحدة تبتعد ولو بقدر من نفوس الغالبية في كل المحافظات الجنوبية ليحل بعض من الفرز الاجتماعي ، ومقدمات لتشكيل هوية .

لان الجراح إن طالت استعصت وأصبحت مزمنة ، ثم تأخذ طورا آخر، وتراكم المشكلات يعقدها .

الحقيقة التي يتصدع لها القلب أن السفينة تهتز من كل الجوانب ، فإن حل ما نستعيذ بالله منه ، فلن تبقى لشيعي ولا لشافعي ، ولا لحاشدي ولا ليافعي ، ولا للشمال ولا للجنوب .

لكن ما زالت الأمور قريبة والفرص سانحة ، والحوار في الداخل بأجندة منه أعز وأبقى من الحوار على موائد اللئام في الخارج .

alhager@gawab.com


في الثلاثاء 28 يوليو-تموز 2009 11:01:37 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=5635