اليمن.. المهمل في ما قيل عن حرب صعدة
سامي دورليان
سامي دورليان

في 17 يناير 2002، دعا حسين الحوثي، أحد قياديي منتدى «الشباب المؤمن» الفكري، أتباعه إلى إطلاق «صرخة في وجه المستكبرين». بذلك، أراد النائب السابق عن حزب الحق الزيدي (1) أن يؤسس لحراك سلمي يكون جامعا لكل اليمنيين على اختلاف مذاهبهم ومناطقهم وأصولهم الاجتماعية.

لكنه اتخذ لهذا الحراك الموجه ضد الهيمنة الأمريكية على العالم العربي والإسلامي شعارا متطرفا: «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام».

هذا الشعار أغضب السلطات اليمنية التي كانت قد انخرطت بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى جانب الولايات المتحدة في إطار«الحرب العالمية على الإرهاب». لذا، ونتيجة لضغوطات مورست من قبل السفارة الأمريكية على الحكومة اليمنية، قامت الأخيرة باعتقال عدد مهم من الشباب المرددين للشعار المذكور في الجامع الكبير بالعاصمة صنعاء وفي غيره من الجوامع في عدة مناطق يمنية.

في هذا السياق، اندلعت في 18 يونيو 2004 حرب صعدة (نسبة إلى المدينة عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم ذاته والتي تقع في شمال غرب اليمن) بعد فشل عملية بوليسية لتوقيف حسين الحوثي؛ فشنت الحكومة حملة عسكرية ضخمة انتهت بالإعلان عن مقتله بجبل مران في 10 سبتمبر من العام نفسه، إلا أن المعارك ما لبثت أن اندلعت مجددا بين الطرفين، وقد قاد العالم بدر الدين الحوثي أتباع ابنه حسين طوال هذه الجولة التي جرت بين أواخر مارس 2005 وبداية يونيو من العام نفسه. أما في الجولات الثلاث التاليات (ديسمبر 2005 - فبراير 2006، يناير - يونيو 2007، مايو - يوليو2008)، فقد أكمل عبد الملك الحوثي مسيرة أخيه وأبيه.

جدير بالذكر أن الجولة الرابعة توقفت بوساطة قطرية أنتجت اتفاقين (يونيو 2007 وفبراير 2008)، إلا أنهما لم يمنعا حدوث جولة خامسة كان من أبرز سماتها أنها تخطت محافظة صعدة لتشمل مديرية حرف سفيان بمحافظة عمران، ولتصل إلى مديرية بني حشيش بمحافظة صنعاء.

ثلاثة ثوابت لتبرير الحرب

قبل متابعة هذا المقال، يجدر بنا توضيح التباس أعاق فهم بعض المراقبين لهذه الحرب: كيف يمكن الحديث عن تمييز ما ضد الزيدية، وأقطاب الحكم هم من أتباع هذا المذهب؟. للتوضيح نقول: الزيدي في اليمن اليوم، وخاصة في ظرف حرب صعدة، هو الذي اختار أن يكون كذلك، وليس من هو زيديا من ناحية الأصل فقط.

وعلى الرغم من التناقضات الفادحة والفاضحة في السياسة المتبعة من قبل السلطة اليمنية، بإمكاننا استخراج ثلاثة ثوابت تم الاعتماد عليها لتبرير هذه الحرب.

على الصعيد المحلي، ونظرا لصعوبة مواجهة عداء أتباع الحوثي لأمريكا، وخاصة أن هذا العداء رائج عند معظم الشعب اليمني، اتهمت السلطة «الحوثيين» بالسعي لإحياء نظام الإمامة الزيدية. هكذا، من خلال «تطييف» (من طائفي) احتجاج سياسي بامتياز، بُررت الحملة العسكرية تحت ذريعة الدفاع عن قيم النظام الجمهوري.

إقليميا، أرادت السلطة اليمنية تصوير هذه الحرب وكأنها معركة ضد أحد أرجل «الأخطبوط الشيعي الإيراني» الذي يهدد الجزيرة العربية برمتها.. بهكذا محاججة يأمل اليمن الرسمي أن يحظى بعضوية كاملة داخل مجلس التعاون الخليجي «السني». هذا، على الرغم من عدم تقديم أي برهان يثبت دعما إيرانيا ماديا أو عسكريا لأتباع الحوثي، وإن تشابه هؤلاء بالفعل في شعارهم مع حزب الله اللبناني ولم يخفوا إعجابهم بأمينه العام السيد حسن نصر الله.

إقليميا أيضا، اتهم المسئولون اليمنيون ليبيا بدعم الحوثيين، آملين إذ ذاك بالحصول على دعم سعودي متين نظرا للعلاقة المتوترة بين القذافي والملك عبد الله، وكانت إحدى أبرز دلالاتها الملاسنة الشهيرة بين الرجلين في قمة شرم الشيخ العربية عام 2003.

على المستوى الدولي، ظنت السلطة اليمنية أنها بتركيزها على حركة محدودة جغرافيا (خلافا لشبكة القاعدة) تستطيع القضاء بسرعة عليها وتكسب بذاك رضا ودعم أمريكيين أكيدين.

في جذور الحرب

لصعدة في التاريخ اليمني أهمية لا يستهان بها. فهذه البقعة من اليمن هي عقر دار تاريخي للزيدية. لذا، لم يكن غريبا أن تصبح إبان الحرب الأهلية بين الجمهوريين والملكيين التي تلت ثورة 26 سبتمبر1962 ودامت ثماني سنوات، معقلا لمناصري بقاء الإمامة. ونتيجة لعدم حدوث فتح عسكري لها من قبل الجمهوريين، لم تنخرط صعدة في المشروع الجمهوري إلا ضمن إطار معاهدة السلام والمصالحة الوطنية عام 1970.

وقد كلفت مقاومة صعدة في وجه القوات الجمهورية الكثير، ?ذ تم إقصاء هذه المحافظة من قبل السلطة المركزية في صنعاء عن معظم برامج التنمية. أدى هذا الأمر إلى تشجيع اقتصاد موازٍ وعابر للحدود يتغذى من تجارة السلاح والمخدرات والقات (2) والأدوية والسيارات... هكذا لم يعد غريبا أن نجد من بين المشايخ والأعيان من هم أقطاب تجارة السلاح في محافظة تضم أكبر سوق للسلاح في اليمن، ألا وهو سوق الطلح. فهذا المعطى كاف لتسهيل وقوع حرب لا بل حروب.

كان من نتائج هذا التهميش أيضا ازدهار عملة غير وطنية في بعض مناطق المحافظة، هذه المحافظة التي تصل مساحتها إلى 10000 كلم² (كلبنان) ويقدر عدد سكانها بنحو 700 ألف نسمة، ولكنها لا تضم سوى مستشفيين يقعان في صعدة المدينة فقط (أهمهما «السلام» وقد بني بتمويل سعودي في بداية الثمانينات من القرن المنصرم) والقليل من المستوصفات والعيادات الطبية. لذلك كله، وفي إطار الحرب الراهنة، يصر أحد الصحافيين المحليين المستقلين على القول بأن صعدة لم تعرف الجمهورية اليمنية وقبلها الجمهورية العربية اليمنية (الاسم الرسمي لليمن الشمالي بين ثورة 1962 والوحدة عام 1990) إلا بالدبابات والصواريخ (3).

إلى جانب البعد الاقتصادي، هناك بعد اجتماعي كامن في جذور هذه الحرب. ويبرز ذلك في دعم السلطة منذ ثمانينيات القرن المنصرم لتواجد السلفيين في هذه المحافظة التي أضحت مركز نشاطهم الرئيسي في اليمن، ألا وهو (دار الحديث في بلدة دماج) وقد أسسه القبيلي مقبل بن هادي الوادعي بعد عودته من الهجرة في السعودية. في كتاباته وخطبه التي يهاجم فيها الفكر الزيدي، يشير مقبل إلى أصله القبلي المضطهد تاريخيا من قبل السادة الهاشميين (من سلالة الحسن والحسين) الذين كانوا يحتكرون الإمامة الزيدية طيلة ألف عام من دون غيرهم من الفئات الاجتماعية الأخرى كالقضاة والمشايخ والقبائل والتجار والفلاحين والمزاينة (اللحامون والحلاقون) والأخدام (المكنسون والموسيقيون) والأقليات الدينية.

إن هذا البعد الاجتماعي الكامن خلف خطاب مقبل الديني، إلى جانب رفضه تعاطي العمل السياسي، دفع السلطة اليمنية إلى إعطاء حركته أهمية كبرى. ولتعذر فتح صعدة عسكريا في فترة الحرب الأهلية (1962-1970) من قبل الجمهوريين، أتيح لثقافة حب أهل البيت أن تستمر في هذه المحافظة، وهي ثقافة ميزت الحكم الإمامي، وبموجبها كان السادة الوافدون تاريخيا من الحجاز «هجرة» بحماية القبائل اليمنية التي اقتنعت بفكرة مفادها أن الإمامة حكر على هؤلاء السادة.

وخلافا لما استطاعوا أن ينجحوا به في سائر المناطق الشمالية، لم يفلح ثوريو سبتمبر في إقناع قبائل صعدة بفكرة مفادها أن الجمهورية هي بمثابة فرصة للتحرر من تبعيتهم التاريخية للسادة. لذا، فقد رأت السلطة في السلفيين فرصة لكسر سطوة السادة على قبائل المحافظة، إلا أن هذه «الإستراتيجية» لم يكتب لها النجاح؛ فلا السجالات الفكرية بين مقبل وبدر الدين الحوثي، ولا المشادات الكلامية بين الشباب المؤمن وطلاب معهد دماج قللت من ولاء أفراد القبائل لعائلات السادة، وعلى رأسها أسرة بدر الدين الحوثي. أمام هذا الأمر، قامت السلطة بشق الصف الزيدي من خلال دعم الشباب المؤمن ماديا أثناء انفصاله عن حزب الحق عام 1997 كما دعمته في وجه الإخوان المسلمين المنضوين داخل التجمع اليمني للإصلاح الذي أصبح في المعارضة غداة انتخابات العام نفسه.

ولما كان معظم المقاتلين إلى جانب الحوثي الابن والأب والأخ من أفراد القبائل وعلى رأسهم عبد الله عيضة الرزامي، ولما استمر ذلك الأمر طوال الجولات الأولى والثانية والثالثة، قامت السلطة أثناء الجولة الرابعة بتجنيد قبائل من خارج المحافظة للمشاركة في القتال. ووجه عبد الله الأحمر، شيخ مشايخ حاشد (أقوى تجمع قبلي في البلاد) نداء إلى بعض قبائل صعدة حضهم فيه على الوقوف إلى جانب الدولة في قتالها للحوثيين الذين يريدون -حسب رأيه- إحياء الإمامة الزيدية التي كانت -في شكل من أشكالها- نظام سيطرة السادة على القبائل قبل أن تكون نظام سيطرة أهل الجبال الزيود على أهل السهول الشافعيين.

إلى جانب آلاف القتلى وعشرات آلاف الجرحى، تميزت هذه الحرب بعنف رمزي، أسهمت في الترويج له أقلام بعض الصحافيين المقربين من الحكم، وقد بثوا صورة منمطة عن الزيدية عموما وعن السادة خصوصا. وسط جو مشحون كهذا، لم يكن غريبا أن يتم إغلاق مدارس ومكتبات زيدية، وأن يمنع الاحتفال بمناسبات شيعية كيوم الغدير(4)، وأن يُعيَّن خطباء سلفيون في جوامع زيدية في صعدة.

ختاما، يمكننا القول إن السلطة اليمنية واجهت احتجاجا سياسيا ضد السياسات الأمريكية في المنطقة «بسجن» أصحابه في إطار مذهبي بحت وإبرازهم كدعاة مشروع رجعي، كما أنها حاولت التهرب من واجباتها الاقتصادية التنموية في صعدة بفتح جرح الشرخ الفئوي الاجتماعي في هذه المحافظة المنكوبة.

*باحث في معهد الدراسات السياسية، ٳ كس آن بروفانس، فرنسا. 

* نقلاً عن اسلام اون لاين
في الأحد 08 مارس - آذار 2009 08:21:51 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=4995