حين يبتلع الشتات العسكري تفوق الشرعية
عبدالمالك الشميري
عبدالمالك الشميري
  

في الثالث عشر من يوليو 2026، لم يكن هبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة، عقب قصف قوات الشرعية مدرج مطار صنعاء لمنعها من الهبوط هناك، هبوط الطائرة الإيرانية في الحديدة لم يكن تغيير مسار، بل كان إعلان انتهاء الهدنة وافتتاح مرحلة مواجهة لا رجعة فيها، فالحادثة مثّلت تحدياً مباشراً لسيادة الدولة اليمنية، واختباراً لإرادة الحكومة في فرض سلطتها على مجالها الجوي، ورسالة تحدٍّ إلى الأمم المتحدة وترتيبات ستوكهولم، والأخطر أنها كشفت عملياً أن الهدنة الهشة التي صمدت أربع سنوات فقدت مقومات بقائها، قبل أن يكرّس الحوثيون هذا التحول باستهداف مطار أبها، لتدخل المواجهة مرحلة تصعيد لا رجعة فيها.

 

فمحاولة الطائرة الإيرانية الهبوط في صنعاء لم تكن الأولى؛ فقد سبقتها محاولة مماثلة في الثالث من الشهر نفسه، بذريعة نقل وفد لتشييع المرشد الإيراني الراحل، وحين تكررت المحاولة بعد عشرة أيام فقط، سقطت ذريعة الرحلة الدبلوماسية تماماً، وبدا واضحاً أن طهران تختبر حدود الدولة اليمنية بمحاولة فرض واقع ميداني جديد يشرعن توسيع نفوذها، ويكسر إرادتها وسيادتها، أدركت وزارة الدفاع اليمنية أن السماح بهذا العبور يعني تسليم مفاتيح الأجواء لإيران، والموافقة الضمنية على تحويل مطار صنعاء إلى قاعدة نفوذ إيرانية في قلب الجزيرة العربية، فجاء الرد بقصف المدرج، ليُنهي عملياً زمن الهدنة ويفتح زمن المواجهة.

 

وهنا تقف الأرقام شاهدة على معضلة أعمق من ميزان القوى الظاهري، يضم الجيش الوطني نحو 400 ألف عنصر موزعين على ثمان مناطق عسكرية، بتركيز رئيسي في مأرب وتعز، وإلى جانبه تشكلت، على مدى سنوات الحرب، قوى موازية تعكس تبايناً في الولاءات لا تكامل الأدوار: درع الوطن، التي تأسست عام 2022 وبلغت بين 30 و45 ألف مقاتل؛ وقوات الطوارئ؛ وحراس الجمهورية بقيادة طارق صالح، بنحو 20 ألف مقاتل؛ وقوات العمالقة بعدد مماثل تقريباً؛ فضلاً عن الكتلة القتالية التي شكّلها سابقاً المجلس الانتقالي، والتي كانت تضم أكثر من 75 ألف عنصر قبل أن تدخل مرحلة إعادة تموضع مؤسسي أعادت توزيع نفوذها العسكري داخل ترتيبات عسكرية وأمنية جديدة، في تحول لم تُحسم بعد تبعاته على موازين القوى في الجنوب ولا على معادلة القرار العسكري الموحد. هذه القوى مجتمعة تملك ترسانة واسعة من الدبابات والمدرعات والمدفعية، ومساراً ناشئاً لتطوير الطائرات المسيّرة، غير أن هذه الترسانة، في غياب قيادة عملياتية موحدة، تبقى أقرب إلى مخزون قوة منه إلى أداة ردع فعالة.

   

فالمشكلة ليست في العدد بل في البنية: بينما تملك الحكومة تفوقاً كمياً ودعماً إقليمياً معتبراً، تعاني من شرخ قيادي يشلّ استثمار هذه الميزات، في مقابل جماعة حوثية ذات مركز قرار أكثر تماسكاً وقدرة أعلى على سرعة تنفيذ الأوامر. هذه هي المأساة اليمنية المتكررة: تعدد مراكز القرار، وازدواجية الولاءات، وصعوبة التنسيق العملياتي بين هذه التشكيلات، عوامل لا تُضعف فحسب فعالية الكتلة العسكرية المتاحة، بل تحوّل التفوق العددي نفسه إلى عبء يستهلك الموارد دون أن يحقق مكسباً ميدانياً واحداً.

 

واستمرار هذا الشرخ يعني أن كل رهان على استغلال المتغيرات الإقليمية لحسم المعركة سيبقى مجرد أمنية معلّقة، تتطلب المرحلة الراهنة أعلى درجات الجاهزية والانضباط، وتوحيد القرار العسكري تحت مظلة واحدة، ورفع مستوى التنسيق والتكامل بين مختلف القوات؛ فالمعركة مع الحوثي معركة مصير لا تحتمل التراخي. ويرجّح أغلب المراقبين استمرار سيناريو التصعيد المحدود والمتبادل في المدى القريب، فالحوثيون يستخدمون التصعيد أداة تفاوض وتعبئة في ظل تدهور اقتصادي وأزمة رواتب وتآكل متصاعد في علاقتهم بالمجتمع والقبائل، بينما لن تقبل الرياض استمرار استهداف أراضيها دون رد نوعي، خصوصاً بعد تهديده بأن كل المنشآت الحيوية السعودية باتت أهدافاً مشروعة، وفي غضون ذلك، تبدو إيران، التي راهنت على الحوثيين ورقة ضغط لسنوات، منشغلة اليوم بحماية جبهاتها الداخلية من الضربات الأمريكية، غير قادرة على تخصيص موارد كافية لفتح جبهة يمنية موازية، وهو ما يترك الحوثيين أقرب إلى الانكشاف العسكري، ويدفعهم إلى التصعيد لإثبات بقائهم فاعلاً لا يمكن تجاوزه.

 

أما الحديث عن استعادة صنعاء فيظل طموحاً بعيد المنال ما لم تتحقق أربعة شروط لا غنى عنها: توحيد القيادة العسكرية والسياسية تحت مظلة وزارة الدفاع وإنهاء ازدواجية الولاءات المفتتة للجهد العسكري؛ توفير غطاء سياسي داخلي وإقليمي يضمن استمرارية العمليات؛ دعم عسكري ولوجستي كثيف في الإمداد والاستخبارات؛ وأخيراً خطة محكمة لإدارة المناطق المحررة، منعاً للانزلاق نحو فراغ أمني جديد.

 

فالمعركة الحقيقية في اليمن ليست عسكرية فحسب، بل معركة على تعريف الردع ذاته. يراهن الحوثيون على قدرتهم في الإزعاج التكتيكي، ونقل الصراع إلى معادلة إقليمية أوسع قوامها "تبادل الكلفة"، لكن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن الإزعاج لا يغيّر ميزان الردع، فالردع الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل بقدرة الطرف الفاعل على حماية مصالحه وتحويل قوته إلى نفوذ سياسي مستدام. وتسعى الرياض، في المقابل، إلى فرض معادلتها الخاصة: التصعيد مقابل الاستنزاف التراكمي، حيث يتحول كل هجوم حوثي إلى سبب إضافي لإنهاكهم عسكرياً وتفاوضياً معاً.

 

يبقى اليمنيون وحدهم القادرين فعلياً على إنهاء الحوثيين، لكن بشرط واحد: قيادة سياسية وعسكرية موحدة، ودعم إقليمي ودولي ثابت، ومشروع وطني يمنح كل مقاتل وطناً يستحق التضحية من أجله. فالحسم لا يعني مجرد استعادة مناطق جغرافية، وإنما إنهاء ازدواجية القرار، واستعادة مركزية الدولة. ومعادلة الردع في اليمن لن يصنعها عدد المقاتلين ولا حجم الترسانة، بل قدرة الدولة على تحويل القوة المتفرقة إلى قرار واحد. فحين تتوحد القيادة، تصبح القوة ردعاً، وحين تتشتت القيادة تتحول القوة إلى عبء. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل اليمن: دولة تستعيد قرارها، أو ساحة مفتوحة يدفع شعبها ثمن صراعات الآخرين.


في الإثنين 20 يوليو-تموز 2026 06:26:18 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=48403