|

تشكل المرحلة الراهنة نقطة تحول محورية في مسار جماعة الحوثي، تضعها أمام احتمالات مصيرية لمستقبلها في الفترة القادمة، حيث تتفاعل عوامل داخلية تتمثل في مظاهر التفكك البنيوي، والضغط الشعبي المتصاعد، وجفاف موارد حربها، مع عوامل خارجية مرتبطة بالتحولات الإقليمية والدولية في المنطقة، وتوجهات إنهاء المشروع الإيراني في اليمن.
تحلل هذه الورقة مأزق جماعة الحوثي في ظل تطورات البيئة المحلية، ومتغيرات البيئة الخارجية، كما تضع السيناريوهات المحتملة لمستقبل الجماعة، في سياق استشراف المسار الذي ستنتهجه في مواجهة التحديات الراهنة.
التحديات الداخلية.. عزلة داخلية، وأوضاع معيشية متدهورة:
الانهيار الخدمي والتضييق الاقتصادي:
تشهد مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً خدمية ومعيشية صعبة انعكست على تصاعد حالة التذمر، وتنامي السخط الشعبي، وهذه الأوضاع الصعبة ليست جديدة، أو طارئة أو وليدة اللحظة؛ فالجماعة الحوثية منذ سيطرتها لم تقدم نموذجاً مشجعاً في توفير الخدمات، وتحسين الحياة المعيشية للمواطنين؛ لكن الجديد في هذه الحالة هو: تضييق الخناق الاقتصادي على مصادر الدعم والتمويل، التي كانت الجماعة تتنفس من خلاله، في تثبيت دعائم سلطاتها، وتدعيم مقومات استمرارها في الحرب، وهذا التضييق برز عبر عدة إجراءات قامت بها الحكومة الشرعية، في سياق خطوات وإجراءات الإصلاحات الاقتصادية الضامنة لتحكم البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن بالنظام المصرفي، وحركة التحويلات المالية، بالإضافة إلى عمليات ضبط شحنات التهريب التي زادت وتيرتها في المنافذ البرية، وخطوط التهريب البحري؛ حيث تم ضبط عدد كبير من شحنات الأسلحة، والمخدرات، والأجهزة والمعدات.
ومما ضاعف حالة التضييق الاقتصادي: إعلان بعض المنظمات الدولية -وآخرها مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة- نقل مراكزها الرئيسة من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن، وتعليق بعض أعمالها الإنسانية التي كانت الجماعة تسخرها لتعزيز موقفها العسكري في جبهات القتال، وقد جاءت هذه الخطوة من قبل المنظمات الدولية بعد سلسلة من الاعتقالات التي قامت بها الجماعة الحوثية ضد موظفي الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية العاملة في اليمن، التي كانت تمارس أعمالها من مكاتبها في صنعاء، وهذا الانهيار الخدمي، وعرقلة برامج المساعدات الإنسانية يزيد من عزلة جماعة الحوثي في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
انفراط عقد التحالفات السياسية والوظيفية:
منذ مقتل رئيس المؤتمر الشعبي العام صالح على يد الحوثيين بدأ على نحو متدرج منحدر تفكك تحالفاتها السياسية الداخلية، التي تأسست عليها منظومة الشراكة في تشكيل المجلس السياسي الأعلى والحكومة، والتي كانت تقضي بإدارة الحكومة بالتناوب بين الشريكين، ومنذ نهاية العام 2023م أعلنت الجماعة عمَّا أسمتها بـ “سياسة التغييرات الجذرية”، التي استهدفت إزاحة شركائها من حزب المؤتمر الشعبي العام من المناصب والمواقع الوظيفية، واستبدالهم بعناصر تابعة لها، وقد أسهمت تلك السياسات في انفراط عقد التحالف بين الطرفين؛ ونتيجة لذلك تعثر إعادة تشكيل حكومة جديدة، بعد إقالة حكومة بن حبتور لأكثر من عام، حتى جاءت الحكومة السابقة برئاسة أحمد الرهوي، التي تعرضت لاستهداف جوي قضى على رئيس الحكومة، ومعظم أعضائها في أغسطس الماضي، في ظروف غامضة، وبالغة التعقيد أثارت موجة من الشكوك حول ضلوع بعض رموز الجماعة في تسريب معلومات استخباراتية عن مكان الاجتماع، كما فتح باب التساؤلات حول التصفيات الداخلية في إطار الجماعة ذاتها، بالإضافة إلى أن أزمة الشراكة الوظيفية، وإقصاء الموظفين العموميين خلق نوعاً جديداً من “البطالة المقنعة” في ظل غياب الدور الفعلي الذي تمارسه مؤسسات الدولة المختطفة في صنعاء؛ حيث يحضر الموظفون إلى أعمالهم دون أن يؤدوا مهامًا حقيقية، ودون أن يتقاضوا رواتبهم بشكل منتظم.
ومؤخراً زادت حدة الخلافات بين الجماعة الحوثية وبين المؤتمر الشعبي العام في صنعاء، والتي برزت في عدة مظاهر متصاعدة، منها: اعتقال بعض قيادات المؤتمر، ومنعهم من إقامة احتفالية بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب في صنعاء، واعتقال أمين عام المؤتمر الشعبي العام (جناح صنعاء)، وصولاً إلى إعلان الحزب تجميد نشاطه السياسي والتنظيمي نهاية أكتوبر الجاري. وهذه التطورات في مجملها تضاعف عزلة جماعة الحوثي سياسياً وشعبياً في مناطق سيطرتها.
النزيف القيادي وبوادر التفكك البنيوي:
تعاني جماعة الحوثي في الآونة الأخيرة من خسارتها لعدد من قياداتها المحورية؛ جراء الغارات الجوية لقوات الكيان الصهيوني، التي ركزت منذ يوليو الماضي على استهداف القيادات، سواءً القيادات السياسية ممثلة برئيس وأعضاء حكومة الحوثيين في أغسطس الماضي، بالإضافة إلى استهداف عدد من القيادات العسكرية المهمة، التي اعترفت الجماعة بمقتلها، كرئيس أركان قوات الحوثيين محمد الغماري، وغيره من القيادات التي ما زالت التسريبات تتحدث عن مقتلها، كوزير داخليتها عبدالكريم الحوثي، وعدد آخر من القيادات الميدانية في الجوف ومأرب، وغيرهما.
هذا النزيف القيادي الذي تعرضت له الجماعة أصابها بالارتباك، الذي ظهر في إدارة عملياتها الميدانية، وتخبط إجراءاتها التأمينية، وردود أفعالها المنفعلة تجاه الداخل والخارج، فعلى المستوى الخارجي أعادت الجماعة خطابها التهديدي ضد المملكة العربية السعودية، وكثفت من نشاطها العسكري التصعيدي في الحدود؛ حيث أقامت مناورتين عسكريتين خلال الأسبوعين الماضيين على الحدود السعودية، وعلى المستوى الداخلي اتجهت الجماعة إلى تنظيم حملات الاعتقالات العشوائية التي طالت عددًا من الرموز والقيادات السياسية والناشطين والمعلمين والمواطنين العاديين، حيث اختطفت أمين عام حزب المؤتمر الشعبي العام؛ المتحالف مع الجماعة في صنعاء (غازي الأحول)، وأمين عام حزب البعث (رامي عبدالوهاب محمود)، وعددًا من الشخصيات المحسوبة على أحزاب سياسية أخرى، وكثفت من الاعتقالات العشوائية؛ خصوصاً في أمانة العاصمة، ومحافظة إب، ومؤخراً في محافظة ذمار؛ في حالة تعكس حجم الارتباك الداخلي الذي تعاني منه الجماعة؛ الأمر الذي يوحي بفقدان البوصلة الداخلية لإدارة الأحداث، والأزمات.
وتطورت ردة فعل جماعة الحوثي جرّاء نزيفها القيادي إلى مظاهر تشظي بنيتها الداخلية، حيث لم تقتصر حملة الاعتقالات على المناوئين لها؛ بل طالت عددًا من القيادات العسكرية، والأمنية، والسياسية داخل منظومة الأجهزة التابعة للجماعة نفسها، وكان آخرهم اعتقال أمين سر المجلس السياسي التابع للجماعة (ياسر الحوري)؛ بتهمة التخابر مع جهات خارجية.
إضافة إلى كل ذلك تعاني الجماعة الحوثية من ضغط الانشقاقات داخل تشكيلاتها العسكرية، وخروج ذلك على وسائل الإعلام، وإعلان انضمامهم إلى معسكر الشرعية، حيث استقبل رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش الوطني أحد قادة ألوية الحوثيين، والذي أعلن انضمامه للجيش الوطني، كما أعلنت وسائل إعلام كل من المقاومة الوطنية وألوية العمالقة عن استقبالها ضباطًا انضموا إليها؛ بعد أن كانوا في صفوف جماعة الحوثي.
وفي الجانب السياسي تعاني الجماعة من تحديات تهدد وحدة المواقف السياسية على المستوى القيادي؛ تجسدت في تصرح أدلى به القيادي في الحزب الاشتراكي اليمني وعضو المجلس السياسي الأعلى لجماعة الحوثيين؛ سلطان السامعي، لوسائل الإعلام بصورة مفاجئة، وجه في تصريحه نقداً لاذعاً للجماعة وقيادتها، وقال: إنها ليست من تدير الأوضاع في مناطق سيطرتها؛ بل إن هنالك جهة مجهولة تتحكم في زمام الأمور.
وفي سياق هذه الأزمات والتحديات الداخلية التي تواجهها جماعة الحوثيين؛ فإن تصعيد خطاب الجماعة في الآونة الأخيرة ضد السعودية، وإعادة إنتاج خطاب الحرب، يعد بمثابة الهروب إلى الأمام؛ للقفز على مشكلاتها الداخلية؛ كمحاولة لإنقاذ جبهتها الداخلية من التفكك.
المشهد الإقليمي: انكشاف الدعم الإيراني، وتحولات موازين القوى:
تراجع الدعم الإيراني:
يشكل سقوط نظام الأسد في سوريا ضربةً للبنية التحتية اللوجستية الإيرانية؛ حيث كانت سوريا تمثل حلقة وصل إستراتيجية في سلسلة النفوذ الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت، وصولاً إلى صنعاء؛ من خلال معسكرات التدريب، والاتصالات، والخبراء الميدانيين، والتدريب الإعلامي.
وقد أفقد هذا السقوط الحوثيين مركزاً لوجستياً وتدريبياً مهماً؛ تضاءلت بسببه كثير من المكاسب في الجوانب سالفة الذكر، فضلاً عن شل حركة حزب الله اللبناني؛ مما يضع إيران وأذرعها في المنطقة أمام خيارات صعبة، والتي يبدو أنها حسمت خياراتها بتكثيف دعمها للحوثيين عبر عدة بدائل؛ لمحاولة الإبقاء على المشروع الإيراني في المنطقة؛ رغم ما يعانيه الحوثيون من أزمات وتحديات داخلية وخارجية؛ قد لا تساعد على إعادة التوازن للنظام الإيراني؛ بقدر ما يمكن أن تحققه من تنشيط الاضطرابات، وتعزيز بيئة عدم الاستقرار في اليمن، والممرات الملاحية الدولية فيها.
التحالفات البديلة:
فيما يبدو وكأنه محاولة لتعويض تراجع الدور الإيراني في المنطقة، تعمل تشكيلات الحرس الثوري الإيراني على توسيع شبكة التحالفات الإقليمية لجماعة الحوثيين؛ فمن المليشيات العراقية إلى حركة الشباب الصومالي، ومن تكثيف عمل شبكات التهريب في خليج عدن إلى البحر الأحمر، يسعى الحوثيون لبناء منظومة بديلة تمنحهم هامشاً للمناورة؛ ويسد احتياجاتهم المالية واللوجستية؛ حتى يتمكنوا من تقليل الفجوة المتمثلة في تجفيف عناصر القوة، وشبكات مواردهم التقليدية.
التهدئة في غزة:
مثلت الحرب في غزة عنواناً مثمراً لجماعة الحوثيين؛ ساعد على استعادة تماسكها الداخلي، وعزز من فرص تنفيذ استراتيجية النفوذ الإيراني في البحر الأحمر؛ عبر غطاء إسناد المقاومة الفلسطينية، وإيجاد تعاطف شعبي في الشارع العربي والإسلامي مع جماعة الحوثيين، وحشد جموع من المقاتلين؛ لرفد الجبهات الداخلية المتآكلة؛ وتحت ذريعة الاستعداد لقتال أمريكا وإسرائيل؛ لكن إعلان التهدئة في غزة أفقد جماعة الحوثيين مبررات الاستمرار في التصعيد البحري، وتبعاً لذلك يسحب معه ورقة المشروعية الأخلاقية لبقاء وجود المشروع الإيراني في البحر الأحمر عبر جماعة الحوثيين، كما أن إيقاف الحرب في غزة يترتب عليه عودة الضغوط الداخلية على الجماعة؛ لتوفير الخدمات، وصرف مرتبات الموظفين المتوقفة منذ عدة سنوات، في ظل عجزها عن تقديم الحلول، واكتفائها بتعليق شماعة العدوان، ومواجهة القوى الكبرى؛ كذريعة للتنصل من أي التزام بمرتبات الموظفين، أو توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطنون القابعون تحت سيطرتها، واتهام كل من يرفع صوته للمطالبة بها بالعمالة والخيانة، وهو ما يجعل الجماعة في مأزق قد لا تستطيع التخلص منه إلا عبر اختراع شماعة جديدة؛ كتوسيع دائرة المواجهات الداخلية مع الحكومة الشرعية، أو البحث عن خصم خارجي جديد كدول الجوار.
الضغوط الدولية المتصاعدة:
يصنف المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، الحوثيين كتهديد دائم وليس مؤقتًا، وقد أدرجت كل من: أمريكا، وأستراليا، وكندا، ونيوزلندا، الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، وقد انعكس ذلك على مضاعفة جهود محاربة أنشطة التهريب التي تخدم جماعة الحوثي، وأدرجت الخزانة الأمريكية العشرات من المنظمات، والجهات، والأشخاص في لائحة العقوبات؛ لارتباطها بأنشطة داعمة لأذرع إيران بما فيها جماعة الحوثي، كما أن ثمة تسريبات متعددة عن توجهات دولية أكثر جدية في استهداف جماعة الحوثيين، وإنهاء تهديداتها؛ عبر خلق معادلة ردع “يمنية/ دولية” ضد السلوك الإرهابي الحوثي. وهذا يعني أن الجماعة تواجه عزلة متعددة الأبعاد: سياسية، واقتصادية، ولوجستية، قد تصل إلى حد استئناف حرب حاسمة؛ لإنهاء المشروع الإيراني في اليمن.
سيناريوهات مستقبلية:
تواجه الجماعة معضلة حادة في تعاملها مع التحديات الداخلية والخارجية، حيث تمثل خياراتها القادمة انعكاسًا مباشرًا لتقييمها للواقع، ورؤيتها الإستراتيجية للمرحلة المقبلة، كما تمثل التفاعلات الإقليمية والدولية خلال الفترة القادمة انعكاساً لرؤية الخارج للتعاطي مع الملف اليمني:
السيناريو الأول: التصعيد العسكري:
يفترض هذا السيناريو أن تختار جماعة الحوثي تعزيز دورها الإقليمي؛ للحفاظ على مكاسب استثمار قضية فلسطين؛ كرافعة لشرعية دور الجماعة محلياً وإقليمياً، والاستمرار في التصعيد ضد المصالح الغربية والإسرائيلية، وتوسيع الاستهداف للمصالح الخليجية؛ كبديل إستراتيجي يعزز موقعها التفاوضي، ويقوم النظام الإيراني بتعويض انحسار دعمه المباشر للحوثيين عبر الدفع بها إلى التحالفات البديلة، وتنسيق المواقف مع المليشيا العراقية، وحركة الشباب الصومالي، والجماعات الإرهابية، وتوظيف ملف أمن الملاحة؛ كأداة ضغط إستراتيجية، وأسلوب ابتزاز؛ لتحقيق مكاسب سياسية، وتخفيف الضغوط الدولية.
وعلى المستوى المحلي قد تلجأ جماعة الحوثي إلى الدفع بحالة التصعيد، وعودة الحرب في الجبهات الداخلية، بدءًا باستهداف غير الموالين لها في مناطق سيطرتها؛ لفرض نفوذها وهيمنتها المطلقة، واستئناف العمليات العسكرية في جبهات القتال مثل: مأرب، وتعز، وقد تتوسع حربها الداخلية؛ لتشمل المحافظات الجنوبية والشرقية؛ خصوصاً الضالع، ولحج، وشبوة، وأبين؛ سعياً لتحقيق مكاسب ميدانية تعيد توحيد صفوفها، وتصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية المتصاعدة التي تعاني منها.
وبالمقابل تتجه السياسات الدولية والإقليمية -وفق هذا السيناريو- إلى خيار الحرب الحاسمة؛ لإنهاء تهديدات جماعة الحوثيين، وإنهاء المشروع الإيراني في اليمن؛ عبر دعم الحكومة اليمنية، وقواتها العسكرية؛ ممثلة بالجيش الوطني، ومختلف التشكيلات العسكرية على الأرض؛ لتحرير المناطق القابعة تحت سيطرة الحوثيين، وتشكيل تحالف دولي؛ لتأمين الملاحة الدولية.
السيناريو الثاني: التهدئة والسلام والمصالحة الوطنية:
يتضمن هذا السيناريو توقعًا مفاده: تختار جماعة الحوثي الانخراط في الحلول التفاوضية في ملف أمن الملاحة؛ بما يضمن إيقاف تهديداتها، وإنهاء قدراتها العسكرية المهددة لأمن الملاحة، والانصياع لمتطلبات السلام في الملف الداخلي؛ عبر التفاوض على انهاء انقلابها على الدولة، وترتيب صيغة الشراكة في السلطة للمرحلة المقبلة؛ فقد تلجأ الجماعة الحوثية لهذا الخيار؛ تحت ضغوط عزلتها السياسية، وتضييق الخناق الاقتصادي عليها، وبوادر تآكل شرعيتها الداخلية، وتصاعد وتيرة السخط الشعبي أمام فشلها في توفير الأمن، وتقديم الخدمات الأساسية، ونقص موارد الحرب، وتراجع الدعم الإيراني، والعزلة الدولية، التي فاقمها تصنيف الجماعة منظمة إرهابية؛ مما يحد من قدرتها على المناورة الإقليمية والدولية.
ونظراً للتجارب السابقة التي أثبتت عدم جدية جماعة الحوثي في المفاوضات السابقة، وإفشالها لمسارات السلام وجهود التسوية؛ فلن يكون من الممكن لها إثبات جديتها في هذا السيناريو؛ إلا عبر مؤشرات واقعية، كإعلان موافقتها على آلية محددة تضمن إنهاء قدراتها المهددة لأمن الملاحة، وإعلان قطع علاقتها بإيران، وإعلان تخليها عن خيار سلطة الأمر الواقع، والالتزام بالانخراط في مفاوضات مع الحكومة الشرعية؛ على قاعدة إنهاء الانقلاب على الدولة، وفق المرجعيات، والقرارات الدولية، والمبادرة بإطلاق المختطفين لدى الجماعة؛ بمن فيهم المختطفين السياسيين، وموظفي الأمم المتحدة، والأسرى السعوديين، وهذه الخطوات تمثل رمزية مهمة؛ لبناء الثقة مع الشرعية اليمنية، والمكونات المحلية المختلفة، ومع المنظومة الإقليمية والمجتمع الدولي.
السيناريو الثالث: المرونة التكيفية المؤقتة:
أن تسعى جماعة الحوثي إلى تبني إستراتيجية تكيُّفِيَّة؛ تجمع بين الحفاظ على وجود إقليمي محدود؛ من خلال الاستمرار في خطاب “المقاومة”، والتهديد المتقطع للملاحة الدولية؛ للحفاظ على ورقة ضغط تفاوضية مع الخارج، مع الانخراط في مفاوضات إنهاء تهديد الملاحة والمصالح الدولية والإقليمية، وبين معالجات داخلية تحافظ على الهدنة المتقطعة في جبهات القتال الداخلية، وتكثف من تصريحاتها المشجعة للانخراط في محادثات تسوية سياسية مع المبعوث الأممي، أو الفاعلين المحليين والإقليميين؛ لكن دون تقديم ضمانات كافية للتوصل إلى اتفاقات، أو الالتزام بنتائجها. وبمقابل ذلك تظل السياسات الإقليمية والدولية تجاه الملف اليمني في خانة الجمود؛ بانتظار نتائج ملفات أشمل في المنطقة؛ كمستقبل التهدئة في غزة، ومحادثات الملف النووي الإيراني.
العوامل المؤثرة في ترجيح السيناريو المحتمل:
ثمة عوامل رئيسة ستؤثر في اختيار سيناريو الحرب أو السلام في اليمن، وأهم تلك العوامل:
الموقف الإيراني:
يظل الموقف الإيراني أهم العوامل الرئيسة المؤثرة في تحديد سلوك جماعة الحوثي؛ وذلك مرهون بمدى اختيارها الاستمرار في دعم الجماعة، وتوسيع تحالفاتها الإقليمية، أو مقايضة إنهاء دعمها؛ مقابل تحقيق مصالح إيرانية بشأن ملفها الاقتصادي، وملف برنامجها النووي؛ وفي حال نجحت التفاهمات الدولية مع إيران حول مستقبل الملف النووي، وحول إنهاء العقوبات الاقتصادية، فقد يكون لذلك انعكاسات على تحديد سلوك جماعة الحوثي، بما في ذلك الدفع نحو مسار التهدئة، وترجيح خيار التسوية التفاوضية؛ أو التصعيد، وكل ذلك يتحكم به عاملان أساسيان:
الأول: حجم التنازلات التي ستقدمها إيران للقوى الكبرى في ملفها الاقتصادي، ومشروعها النووي. والثاني: حجم الهوامش التي ستمنحها تلك القوى لإيران في حال قدمت إيران التنازلات المطلوبة منها، أو بعضها.
نتائج اتفاق إنهاء الحرب في غزة:
نجاح اتفاق انهاء الحرب في غزة قد يشجع أمريكا وإسرائيل للتوجه نحو تأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وإنهاء الوجود الإيراني في اليمن، عبر تحالف دولي، ويدفع ذلك الحكومة الشرعية وحلفائها لاستثمار الظرف الخارجي؛ لحسم الملف الداخلي الممتد منذ أكثر من عشر سنوات من الحرب.
انسجام مكونات الشرعية وتشكيلاتها العسكرية:
استمرار خلافات وتباينات أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، ومختلف المكونات السياسية، والاجتماعية داخل معسكر الشرعية يخدم بقاء سلطة جماعة الحوثي، ويساهم في إحباط خيار الحرب ضدها، ويدفع بالفاعلين الإقليميين والدوليين إلى فرض تسوية سياسية تراعي اشتراطات مليشيا الحوثي، وتقلص من مطالب الحكومة الشرعية؛ الأمر الذي يجعل من انسجام مكونات الشرعية، وأعضاء مجلس القيادة ضرورة ملحَّة؛ بما في ذلك توحيد التشكيلات العسكرية في إطار خطة تحرير واحدة؛ كأحد استحقاقات التصعيد ضد الحوثيين؛ لفرض السلام، والاستقرار في اليمن عبر القوة، أو الدخول إلى أي مفاوضات سياسية بحكومة موحدة الرؤى والمواقف، وسقوف عالية في المطالب.
الضغط الشعبي المتصاعد:
كلما زادت احتجاجات الداخل، وارتفعت وتيرة السخط الشعبي بسبب تردي الخدمات، وانتشار الفساد، وممارسات القمع، كلما زادت احتمالية التوجه نحو خيارات تصعيدية، تمنح الشرعية فرصة استثمار عزلة المليشيا شعبياً، وتكسر حاجز الرعب الذي صنعته المليشيا في ذهنية المجتمع القابع تحت سيطرتها.
تماسك الموقف الداخلي للجماعة:
تشهد جماعة الحوثي ما يشبه بوادر تمايز بين تيارات وأجنحة داخلها، وهذا يعد عاملاً حاسماً في تحديد خياراتها، حيث يدفع التيار المتشدد نحو خيار التصعيد، بينما يميل التيار البراغماتي إلى خيار التفاوض؛ للخروج بأقل الأضرار، ويعتمد خيار الجماعة على مدى قدرة أحد التيارين فرض خياراته على الآخر، أو على مدى قدرة الجماعة في بلورة رؤية مشتركة بين تياراتها، تقبل به المملكة العربية السعودية، ومن ثم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.
الضمانات الدولية:
مدى توافر الضمانات الدولية -في حال سيناريو السلام- لكل من: المملكة العربية السعودية، ودول الخليج بضمان أمنها ومصالحها من أي تهديدات مستقبلية من قبل أذرع إيران، وللحكومة الشرعية بضمان التزام الجماعة بالسلام؛ وفق إطار المرجعيات، ودون المساس بالمركز القانوني للشرعية، وبما يضمن لجماعة الحوثي وجودها، ويؤمن مستقبلها السياسي؛ في حال انخراطها الجاد في خيار السلام.
وهناك بُعْد آخر فيما يتعلق بالضمانات الدولية وهو: مدى جدية القوى الكبرى في إغلاق ملف التهديدات الحوثية للمصالح الخليجية؛ لأن بقاء التهديدات الحوثية يشكل ورقة استثمارية رابحة للقوى الكبرى؛ كذريعة لاستمرار الابتزاز المادي؛ تحت مبررات الحماية من المشروع الإيراني، وأذرعه في المنطقة.
الموقف الخليجي من المشروع الحوثي:
من العوامل التي يمكن أن تؤثر في السيناريوهات السالفة الذكر: موقف دول الخليج عمومًا، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص من بقاء الحوثي كأحد المكونات السياسية في أي تسوية سياسية قادمة، أو كسلطة أمر واقع ضعيفة التأثير على مصالحها؛ لا سيما أن توجه المملكة العام هو الانسحاب من الصراع تدريجيًا، والتحول إلى وسيط، وهذا سيترتب عليه تقديم تنازلات لصالح الحوثيين، وهو ما تضمنته خارطة الطريق؛ التي جمَّدتها المتغيرات في المنطقة؛ فهل ستستفيد المملكة من هذه التغيرات؛ لتقليل حجم التنازلات، وفرض معادلة جديدة؛ وفق معطيات هزيمة المشروع الإيراني في المنطقة؟ أم ستفضل التعامل مع الحوثي كأمر واقع؛ رغم الكلفة العالية لهذا الخيار على المدى البعيد، والآثار التي يترتب عليه في أكثر من جانب، وكيف ستعالج تداعياته على علاقتها مع حلفائها المحليين في اليمن؟
المصدر / مركز المخا للدراسات الاستراتيجية
في الجمعة 07 نوفمبر-تشرين الثاني 2025 05:25:10 م
