باراك حسين وملفات الشرق الأوسط
أحمد عبده الشرعبي
أحمد عبده الشرعبي

مما لا شك فيه أن الرئيس الأمريكي الجديد باراك حسين أوباما - والذي يدين بفوزه لإدارة الرئيس بوش الذي يعتبر من أسوأ رؤساء الولايات المتحدة وفشل في سياسته الداخلية والخارجية- سيعمل على إحداث التغيير الذي وعد به خلال حملته الانتخابية وهذا التغيير يصب في إصلاح ما أفسدته إدارة الرئيس بوش على مدى 8 سنوات من حكم أتسم بسيطرة أدوات القوة الصلبة وغياب لأدوات القوة الناعمة. ولكن إلى جانب الأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة والعالم، سيواجه أوباما عند استلامه مفاتيح البيت الأبيض سلسلة من التحديات الأخرى المعقدة خاصة في الشرق الأوسط والتي تتطلب منه التعامل السريع. من أهم هذه القضايا الوضع في العراق وما يمر به من هدوء هش، ملف إيران النووي، وعملية السلام المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وسيكتشف أوباما أن الوقت يمر في غير صالحه.

  ومن المؤكد أن الأِولوية الكبرى أمام الرئيس الجديد ستكون التعامل مع الوضع الاقتصادي لأمريكا وتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بأمريكا والعالم منذ انهيار كبريات المؤسسات المالية، ولكن قد تفرض الأوضاع الغير مستقرة في الشرق الأوسط نفسها كأولوية على إدارة أوباما لان ما يجري في الشرق الأوسط له صلة ما بالوضع الاقتصادي المتردي في أمريكا، وبأمنها واستقرارها. 

 والسؤال الذي يطرح اليوم هو: هل هناك تغيير سيطرأ على السياسية الأمريكية تجاه القضايا العربية والإقليمية الهامة، وما هو مستقبل العلاقات العربية الأمريكية في ظل إدارة أوباما؟. إن قراءة تاريخ الإدارات الأمريكية المتلاحقة يوضح أن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ثابتة في جوهرها (من أمن إسرائيل وتأمين منابع النفط إلى إجهاض أي شكل من أشكال النفوذ الإقليمي المناوئ للولايات المتحدة وإسرائيل)، ولكن وعلى سبيل المثال فهناك فترات طغى عليها التأيد الاستراتيجي والدعم العسكري غير المحدود لإسرائيل وفترات أخرى شهدت مقاربات دبلوماسية أقل حدية سعت للبحث عن حلول تفاوضية تعد ببعض الحق الفلسطيني والعربي. ومع ذلك ينبغي أن نكون حذرين في التنبؤ بشكل السياسة الأمريكية تجاه القضايا العربية، رغم الثقة بأن سياسة الإدارة القادمة لن تكون أسوأ- على الأرجح- من سياسة الرئيس بوش. وسنحاول فيما يلي استنباط توجهات السياسة الأمريكية، في ظل إدارة الرئيس أوباما، تجاه أهم القضايا العربية:

أولاً: القضية الفلسطينية

 وعد الرئيس المنتخب خلال حملته الانتخابية بالتزامه بضمان أمن إسرائيل، وبالمقابل تعهد بمواصلة السعي للتوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتين، وقال:" إن نقطة بدايتنا لا بد أن تكون دائماً ألالتزام القوي والواضح بحماية أمن إسرائيل، حليفنا الأقوى في المنطقة والنظام الديمقراطي الوحيد فيه..........ويجب علينا الآن وأكثر من أي وقت مضى أن نسعى لضمان تسوية دائمة للصراع على أساس دولتين تعيشان جنبا إلى جنب بأمن وسلام، ولتحقيق ذلك ينبغي أن نساعد الإسرائيليين في التعرف على وتقوية أولئك الشركاء الذين يلتزمون فعلاً بالسلام، بينما نعمل على عزل أولئك الذين يسعون وراء الصراع وعدم الاستقرار." 

 ما نقرأه في كلمات باراك أوباما هو التزامه بحل الدولتين دون الضغط على إسرائيل، فإسرائيل بحسب رأيه هي من ستختار وستقوي شركائها للسلام، وهنا لا نرى أي جديد يمكن أن يقدمه أوباما لحل القضية الفلسطينية، فقد تعهد بذلك من قبله كل من الرئيس كلينتون والرئيس بوش، لكن الفرق والاختلاف – إذا حدث اختلاف- سيظهر في حجم الجهد الذي سيبذله ومدى تنفيذ ما وعد به بشأن حل الدولتين. ولذلك فهناك من يرى في اختياره لشخصيات موالية لإسرائيل والتي ستشغل أهم المناصب في فريقه كمؤشر على أن إدارته ستضم صقوراً يتبنون وجهة النظر الإسرائيلية ويدافعون عنها. فالسيناتور جوزيف بايدن ،نائب الرئيس، هو رجل يتفاخر بانتمائه للصهيونية العالمية وعلاقته الوثيقة بإسرائيل واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، ورام ايمنويل كبير مسئولي البيت الأبيض يحمل الجنسية الإسرائيلية وخدم في الجيش الإسرائيلي، وهيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية لها صلتها الوثيقة بالدولة اليهودية وقد أعلنت عن ذلك خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

 والإشكالية الأكبر هي أن السيدة كلينتون كسيدة أولى وكعضو مجلس الشيوخ عن نيويورك اتخذت مواقف تتعارض مع مواقف أوباما. فهي من المؤيدين لجدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، بينما لم يعلن أوباما تأيده له، وتؤيد وضع القدس كعاصمة أبدية غير مقسمة لإسرائيل وقد يتعارض ذلك مع حل الدولتين. إلا أن هناك من يرجح أن أرائها الشخصية لن تكون ذات أثر في السياسة الخارجية لان دورها سيقتصر على تطبيق سياسات الرئيس أوباما. 

 ومع ذلك يمكن القول أن ضم الإدارة الأمريكية الجديدة لشخصيات معروفة بمواقفها المؤيدة لوجهة النظر الإسرائيلية يشير إلى احتمال انتهاج أوباما للتقليد السائد في الإدارات الأمريكية الأخيرة وهو تأجيل الاهتمام الجدي بالقضية الفلسطينية إلى الدورة الرئاسية الثانية، فقد صار ذلك عرفاً في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لان كل رئيس جديد يضع في حسبانه الترشح للدورة الثانية ويتطلب منه ذلك عدم إغضاب اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة حتى يضمن فرص فوزه في الدورة الثانية، وقد ظهر ذلك التوجه في إدارة الرئيس كلينتون وفي إدارة بوش الابن، وهو ما قد ينتهجه أوباما. وقد تكون من المبررات الاخرى لذلك التوجه تعقيدات القضية الفلسطينية وإعطاء أولوية للملف النووي الايراني.

 علاوة على ذلك، أن أولوية الأولويات التي تنتظر الرئيس المنتخب هي البحث عن حلول للازمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالاقتصاد الأمريكي والعالمي، وهذا الموضوع قد يكون محور اهتمام الإدارة الجديدة خلال أشهرها الأولى بل وقد يمتد لسنوات، بما يعني التجاهل للقضية الفلسطينية، ولكن في هذه الحالة يمكن للعرب استثمار هذا التوجه لإدارة أوباما بما يكفل الدفع بالقضية الفلسطينية إلى قائمة الأولويات في الفترة الرئاسية الأولى. فالمعلوم أن الجهد الأمريكي لمعالجة الأزمة يحتاج إلى جهود دولية متكاملة، فالغرب يتجه إلى المنطقة العربية وخاصة الخليجية بهدف استقطاب سيولة مالية خليجية واستثمارات تعوض الخسائر الهائلة في الأسواق المالية الأمريكية والغربية وتساهم في عودة الروح للدورة المالية العالمية. وبالتالي فإن تم ذلك فلا بد أن تكون الدول العربية المعنية على مستوى من الوعي والشجاعة التي تؤهلها لاشتراط مقايضة السيولة المالية مقابل القضية الفلسطينية.

 فضلاً عن ذلك، إنه لمن من غير المنطق بل ومن غير العدل أن يظل الفلسطينيون ومن ورائهم العرب منقسمين وبلا مبادرة عربية فاعلة تجاه الرئيس الجديد وبانتظار ما سيفعله هو تجاه قضاياهم. فينبغي على الدول العربية أن تمهد الطريق وتوفر الأجواء المناسبة للجهد المقبل من خلال إنها حالة الانقسام القائم وتحقيق المصالحة بين الفلسطينيين و قيام حكومة وحدة وطنية فلسطينية ترفع الحصار عن غزة، كما ينبغي الإسراع برسم إستراتيجية عربية لتحقيق حل دائم على أساس حل الدولتين تنبثق من المبادرة العربية وتستخدم كأساس للتعامل مع الرئيس القادم.

 ثانياً: الوضع في العراق

أكد الرئيس المنتخب أوباما خلال حملته الانتخابية أنه سيعمل على سحب القوات الامريكية من العراق خلال ستة عشر شهراً من توليه السلطة أي في منتصف عام 2010، وأضاف يقول: " يجب أن نوضح أننا لا نسعى لأقامة قواعد دائمة في العراق، وينبغي أن نبقي في العراق عدد محدود من القوات العسكرية وذلك لحماية المنشاءات الامريكية، ولإستكمال تدريب القوات العراقية، ومحاربة الارهاب." 

 لقد كان أوباما واضحاً في تايد انسحاب القوات الأمريكية من العراق مع إبقاء بعض القوات وربما كقواعد دائمة ولكن تحت يافطة تدريب القوات العراقية ومحاربة الارهاب. وموقفه من الانسحاب يقوم على حقيقة أن الحرب في العراق كانت خاطئة وتسببت في خسائر للولايات المتحدة وعززت من نفوذ أعدائها، ولذلك فهو يرغب خلال فترة ولايته أن يتفرغ لمهام أخرى لا سيما ما يتعلق بملف إيران النووي. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل السقف الزمني (16 شهراً) الذي وضعه أوباما للانسحاب عملي، وكيف يمكنه التوفيق بين الالتزام بما وعد به وتنفيذ الاتفاقية الأمنية التي تنص على الانسحاب خلال ثلاثة سنوات؟

 في الواقع، لن يتمكن أوباما بتنفيذ ما وعد به بشأن سحب القوات الأمريكية من العراق خلال 16 شهراً لان الوضع الأمني في العراق لا يزال هشاً، ولان الاتفاقية الأمنية ملزمة للإدارة الجديدة. وبالتالي فما سيلجأ اليه أوباما هو التراجع التدريجي غير المعلن عما وعد به والقيام بسحب تدريجي لبعض القوات خلال فترة ال16 عشراً ليكتمل الانسحاب في العام 2011 مع الإبقاء على قوات تتمركز في بعض القواعد كما نصت الاتفاقية الأمنية، وبذلك سيظهر أوباما وكأنه قد التزم بما وعد به من خلال قيامه بتسليم الملف الأمني للحكومة العراقية، وسيثبت للشعب الأمريكي أن تورط جيشه في العراق قد أوشك على النهاية.

ثالثاً: الملف النووي الإيراني

إلى جانب نفوذ إيران الذي استشري في العراق فإن كابوس برنامجها النووي سيظل هماً يورق الرئيس أوباما، ولذلك فقد رأى أوباما أن الحل لذلك قد يكون من خلال فتح قناة للحوار مع إيران مع عدم استبعاد الحل العسكري، وفي هذا الشأن يقول الرئيس المنتخب:" رغم أنه لا ينبغي علينا أن نستبعد استخدام القوة العسكرية، فيجب علينا أن لا نتردد بالحديث مباشرةً مع إيران. وينبغي على أدواتنا الدبلوماسية أن تهدف إلى رفع تكلفة مواصلة إيران لبرنامجها النووي من خلال تطبيق عقوبات أكثر صرامة وزيادة الضغط من قبل شركائنا التجاريين الرئيسيين، وينبغي على العالم أن يوقف برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم ويمنعها من إمتلاك السلاح النووي، لأنه لمن الخطورة البالغة أن يصبح السلاح النووي في متناول نظام راديكالي ثيوقراطي."

 في الحقيقة، إن البرنامج النووي الايراني هو من أكثر ملفات السياسة الخارجية الأمريكية تعقيداً ولا شك أنه سينال أولوية أكبر من القضية الفلسطينية. فحديث أوباما يكشف مدى الإزعاج والخوف الذي يشكله البرنامج النووي الايراني، ولذلك فهو يشير إلى إمكانية استخدام كل الوسائل المتاحة لإيقاف ذلك البرنامج (وبأي ثمن)، وفي مقدمتها الحوار المباشر مع طهران.

 ولكن لماذا الحوار وما هي أسس ذلك الحوار؟ سيلجأ أوباما للحوار مع إيران لأنه يعلم أن البدائل الأخرى لم تنجح بل زادت من تعنت طهران. فسياسة الاحتواء والعقوبات وحدها فشلت في تغيير مسار إيران، والمحاولات السابقة لواشنطن للعب على وسائل التغيير من الداخل الإيراني لم تنجح. كما أن الخيار العسكري لن يكون وارداً في بداية عهد أوباما لان إيران لا تزال بعيدة عن إنتاج السلاح النووي ولان العواقب ستكون وخيمة. إلا أن الحوار الذي ستنخرط فيه الولايات المتحدة مع إيران – وبحسب رأي بعض المحللين الأمريكيين- سيكون متعدد الأطراف، وقد تكون مفاوضات على غرار المحادثات السداسية حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية. غير أن حواراً بذلك الشكل دون تشديد الضغوط على طهران لن يكون مجدياً. فلا يزال أمام أوباما معضلتان للدخول في مثل تلك المحادثات، وهما الموقف الروسي والموقف الصيني. فروسيا هي من تقوم ببنا بعض المفاعلات الإيرانية ومنها مفاعل بوشهر، أما الصين فلها مصالح تجارية مع إيران.

 وبذلك ستكون من المهام الأولى للإدارة الجديدة البحث عن الطرق الكفيلة بالحصول على الدعم الفعلي الروسي والصيني لتعاملها مع الملف الايراني، وقد يتطلب ذلك بعض المقايضات السياسية في بعض الملفات مع روسيا كمسألة الدرع الصاروخي في شرق أوروبا أو دعم إنظمام روسيا إلى منظمة التجارة أو تأجيل توسيع حلف الناتو. ومع الصين، ستعمل الدبلوماسية الأمريكية على إقناعها بأن أي أزمة مع طهران ستولد نتائج عكسية على الاقتصاد الصيني.

 وفي حال ضمان الموقف الروسي والموقف الصيني، إلى جانب الموقف الحازم من الدول الأوروبية، ومن ورائه ترك الباب مفتوح أمام الخيار العسكري، من المتوقع أن تنخرط الإدارة الجديدة في المفاوضات المذكورة ولكن بعد أن تتخلى عن مطلبها بضرورة تعليق طهران لبرنامج التخصيب كشرط استباقي للمفاوضات. وإذا علقت طهران التخصيب خلال المفاوضات، فسترفع الأمم المتحدة العقوبات عن طهران ولكن إذا لم يتم التعليق فستشدد تلك العقوبات.

 إلا أن الأمل الوحيد لنجاح المفاوضات- إذا تمت- سيأتي عندما تقبل الولايات المتحدة بمناقشة حق إيران - كعضو في معاهدة منع الانتشار النووي- في التخصيب. وإذا رغبت في إنجاح المفاوضات(والرأي قائم على تحليلات أمريكية)، فقد تعترف إدارة أوباما بذلك الحق بشرط موافقة طهران على وضع الحدود والمعايير المطلوبة لبرنامج التخصيب ووضعه تحت الرقابة الدولية المشددة، وبالطريقة التي تضمن عدم تحوله إلى برنامج للتسلح. وفي نفس الوقت قد تتزامن تلك المفاوضات مع محادثات ثنائية حول تطبيع العلاقات مع واشنطن، والدعم الإيراني لحزب الله وحماس، والموقف الإيراني المعارض من عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، و الدور الإيراني في العراق، وبالتالي فقد تربط بعض هذه القضايا بالملف النووي وبعضها قد تربط بالسلوك الإيراني العام. 

رابعاً: العلاقات السورية الأمريكية.

من الشعارات التي رافقت حملة أوباما الانتخابية في ملف السياسة الخارجية هي ضرورة التفاوض مع الأعداء لا مع الأصدقاء، وفيما يتعلق بسياسته تجاه سوريا فقد قال :" يمكن للدبلوماسية المصحوبة بالضغط أن تعيد توجيه سوريا بعيداً عن أجندتها الراديكالية إلى موقف أكثر اعتدالا، وهذا بدوره يمكن أن يسهم في استقرار العراق، وعزل إيران، وإخراج لبنان من قبضة دمشق وتأمين إسرائيل."

ما نقرأه من كلام أوباما هو التأكيد على انتهاج الدبلوماسية والحوار في التعامل مع سوريا بدلاً من الإقصاء والحصار، وهذا يعني أن الرئيس المنتخب سيدعم عملية الحوار المباشر مع دمشق وكذلك عملية المفاوضات السورية- الإسرائيلية، لأنه يدرك أن تحقيق تقدم في عملية السلام سيما على الجبهة السورية سيسهم في تراجع نفوذ إيران الإقليمي. فسوريا هي القناة الرئيسية لنفوذ طهران في لبنان والأراضي الفلسطينية، وبالتالي فإن أي تقدم في المفاوضات السورية- الإسرائيلية قد يهدد بقطع علاقات دمشق مع إيران وسيجرد طهران من حلفائها في فلسطين ولبنان وسيقلل من الدعم الخارجي لحماس وحزب الله، وبالتالي فذلك قد يخدم موقف واشنطن في التعامل مع ملف طهران النووي.

من جانب أخر، من المتوقع أن تدعم إدارة أوباما للمفاوضات على المسار السوري - الإسرائيلي وذلك لان مفاوضات السلام مع سوريا قد تبدو بالنسبة لها أقل تعقيداً من القضية الفلسطينية، ولان شكوك الجانب الإسرائيلي حول تنفيذ سوريا لتعهداتها في أي اتفاق تبدو ضئيلة، لاسيما بعد أن نقلت التقارير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت قد قدم عرضاً لسوريا بالانسحاب الكامل من مرتفعات الجولان، كما قدُم عرضاً مشابهاً للرئيس الراحل حافظ الأسد من إيهود باراك وبنيامين نتينياهو خلال حكمهما في التسعينات.

ففي الماضي، سعى الإسرائيليين لمقايضة مرتفعات الجولان مقابل السلام ولكن كان لديهم شكوك حول مدى التزام سوريا بتعهداتها بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، أما اليوم فالمخاطر مختلفة. فإسرائيل تواجه اليوم تهديد حقيقي من إيران، وبالتالي فهي تسعى إلى إحداث تحول سوري إستراتيجي. وإذا أثبتت دمشق رغبتها بتحقيق ذلك التحول، فلن تتراجع إسرائيل عن الانسحاب من الجولان لان الاتفاق سيكون بمثابة الضربة للدعم الإيراني المقدم لحزب الله وحماس، وهذا سيكون مكسب إستراتيجي لإسرائيل لطالما حلم به الإسرائيليون.

ولذلك فإن ذلك التوجه قد يكون الطريق المثلى أمام أوباما لتحقيق إنجاز ما في الشرق الأوسط، لان ذلك سيسهم في تغيير ديناميكيات جهود السلام الأخرى التي سيتبناها أوباما، لكن ذلك الأمر سيتطلب فتح صفحة جدية في العلاقات السورية الأمريكية وهو ما قد يفعله أوباما.

خامساً: الحرب على الإرهاب

"ينبغي أن نعيد تركيز جهودنا على أفغانستان وباكستان-الجبهة المركزية في حربنا ضد الإرهاب- حتى نواجه الإرهابيين في قواعدهم التي تزداد عمقاً، ولا يزال تحقيق النجاح في أفغانستان ممكناً، ولكن إذا كان التحرك سريعاً وحذراً وحاسماً. يجب علينا مواصلة استرتيجيتنا المشتركة التي تقوي وتعزز قواتنا في أفغانستان وتعمل على إزالة القيود التي تضعها بعض دول الناتو على قواتها.... ورغم أن تحركنا الصارم في جنوب أسيا و أسيا الوسطى سيكون نقطة بدايتنا، فينبغي أن تكون جهودنا بشكل أوسع، ولن يكون هناك ملجاً امناً لمن يريد قتل الامريكيين. وحتى نتمكن من هزيمة القاعدة، فسأبني جيشاً للقرن الواحد والعشرين وشراكات القرن الواحد والعشرين بشكل قوي كقوة تحالفنا ضد الشيوعية الذي كسبنا من خلاله الحرب الباردة، وذلك حتى نلاحق القتلة في كل مكان من جيبوتي إلى قندهار."باراك أوباما

 كما هو واضح من هذه السطور وتصريحات أخرى لأوباما فإن الحرب ضد الإرهاب مستمرة وستكون الجبهة الحقيقية في هذه الحرب هي أفغانستان ومن ورائها باكستان، وقد صرح أوباما في عدد من المناسبات أنه سيقوم بنقل قوات أمريكية من العراق إلى أفغانستان، وقد ذكرت مؤخراً بعض التقارير أن البينتاجون يستعد لإرسال حوالي ثلاثين ألف جندي إلى أفغانستان. ولكن التحرك الأمريكي ضد الإرهاب سيكون في إطار تحالف دولي أوسع.

 من جانب أخر، هذه الحرب الواسعة على الإرهاب ستشمل أيضاً التركيز على تقوية القدرات المحلية للدول في مكافحة الارهاب، ومنع عودة ظهور القاعدة في العراق، وتقوية المؤسسات في الدول التي أخفقت في كبح جماح القاعدة، كباكستان، وقد يهدف الرئيس الجديد لتغيير صورة أمريكا وخاصة في العالم الاسلامي والتي بدت فيه واشنطن في حربها على الارهاب وكأنها تشن حرباً على الاسلام، وفي نفس الوقت سيسعى لحشد الدعم لحملته في العالم الاسلامي وذلك من خلال توجيه رسالة مفادها أن الولايات المتحدة ليست في حرب مع الاسلام ولكن في حرب مع جماعات صغيرة من المتطرفين الذين ينتهجون طريقا مخالفا لتعاليم الاسلام.

 كما يتوقع أن تقوم إدارة أوباما بإغلاق معتقل جوانتنامو وذلك كخطوة لترميم صورة أمريكا في مجال حقوق الانسان، وقد أوردت بعض التقارير أن جهود البنتاجون تنصب لإعداد خطة لإغلاق المعتقل سيتم عرضها على الرئيس أوباما فور دخوله إلى البيت الأبيض. ومن المتوقع أن تشمل الخطة مقترح لإحالة المعتقلين المدانين للمحاكمة في محاكم أمريكية، وتسليم البقية إلى حكومات بلدانهم بعد التنسيق مع حكومات الدول المعنية لإعداد برامج تأهيلية لإدماج العائدين من جوانتنامو.

 هذه نظرة لتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه أهم قضايانا العربية والإقليمية وقد قامت على القراءة لتصريحات أوباما المعلنة، وقد تخطئ وقد تصيب هذه التنبؤات بشكلها الكلي او الجزئي، إلا أن المهم هو: ماذا أعددنا نحن العرب لحل قضايانا؟ هل نظل نراهن على ما سيأتي به أوباما؟ الرجل وصل إلى البيت الأبيض حاملاً معه شعار التغيير.. التغيير لواقع أمريكا الذي ساء.. التغيير القائم على التغيرات.. التغيير في عالم يتغير.. التغيير لآجل المصلحة العلياء لأمريكا..فهل نبقا نحن العرب في انتظار نصيبنا من التغيير الذي وعد به باراك حسين شعبه؟ لماذا لا نتعلم من باراك حسين فنرفع شعار التغيير.. التغيير في وسط عالم يتغير.. التغيير لوجه واقعنا العربي المنقسم.. التغيير لأجل قضايانا التي لم ولن تحل بالرهان على تغيير الغير. 

 


في السبت 03 يناير-كانون الثاني 2009 08:05:11 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=4656