وداعاً إمام الوسطية ومجدد الفكر الإسلامي
عمار  التام
عمار التام
 

عند سماع خبر وفاة الشيخ القرضاوي رحمه الله تعالى واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة لا يستطيع المتابع لمدرسته الفكرية والتجديدية منذ عقود أن يمر أمام هذا الحدث مرور الكرام.

ثمة عدد قليل من رواد الحركة الإسلامية من ساندوا الوعي الإسلامي وتجاوزو النمط التنظيمي والنظرية السلوكية في التعاطي مع مستجدات العصر واسهموا بصورة كبيرة في انتشال الواقع الفكري لإتباع وجمهور الحركات الإسلامية في أنحاء المعمورة أبرزهم مالك بن نبي وسعيد حوى ومحمد الغزالي وحسن الترابي وأحمد ياسين ومحمد قطب ومحمد المختار الشنقيطي وعبدالفتاح مورو وراشد الغنوشي وعبدالله النفيسي والشيخ القرضاوي وأغلب هذه الاسماء تم تجميد عضويتها أو اعلان فصلها لأنها بفكرها الواسع تجاوزت الأطر التنظيمية المحدودة والمنكفأة حول أفكار ونظريات البدايات التأسيسية طيلة قرن العمل الإسلامي. كانت نهاية السبعينات وبداية الثمانينات على موعد لبروز أغلب تلك الأسماء الكبيرة الوازنة في الفكر الإسلامي والانساني ولم تؤثر عليهم قرارات التجميد التنظيمي والفصل بل تحولوا الى مدارس فكرية متنوعة وتركوا خلفهم تراثا فكريا زاخرا أستفاد منه أعضاء وقيادات وأنصار العمل الإسلامي وعموم المسلمين في أنحاء العالم وأهم ما مثلته تلك الشخصيات هو تحررها من القيود الفكرية والتنظيمية ومحاولتها الإجتهاد لعدد من القضايا المعاصرة بالامتنان لله في الإصابة والتراجع عن الخطأ او مجانبة الصواب بشجاعة عززت مكانتهم في قلوب الأجيال.

كان للشيخ القرضاوي رأيا في موضوع التقارب بين السنة والشيعة وفي السنين الأخيرة تراجع عن رأيه وأعلن عن عدم صوابيته كون المشروع الشيعي مشروع قائم على رافعة القومية الفارسية المعادية للعرب والمسلمين والحضارة الإسلامية عموما،وأعلن القرضاوي صواب الجماعات السلفية في موقفها من الشيعة كونها خارج اطار السياج الإسلامي العام .

استمر القرضاوي قرابة الثلاثة العقود على رأس المجمع الإسلامي الأوروبي ينظر ويفتي للمسلمين في ظل الحضارة والنهضة التكنولوجية بعيدا عن

مدرسة الفكر والفتيا التقليدية التي عجزت عن انتاج فكري وفقهي يواكب الحياة الأوروبية المعاصرة والمؤثرة في مجرى السلوك الإنساني في العالم، وكان القرضاوي وتلاميذه في العقد الأخير هم فرسان الفكر والفقه المعبر عن روح الاسلام ووسطيته وخصائصه التشريعية المواكبة لكل زمان ومكان في سهولة ويسر جسدت معالم مدرسة الوسطية التي طالما ذكر الشيخ القرضاوي رحمه الله أنه نذر حياته العلمية والفكرية لها. الشيخ القرضاوي ترك خلفه أكثر، من مائتي كتاب أبرزها فتاوى القرضاوي المعاصرة ومئات المقابلات والحلقات المتلفزة والاذاعية وآلاف المقالات وأوراق العمل والمقابلات الصحفية إضافة إلى آلاف من الطلاب والعلماء الذين تتلمذوا على يديه أكثر من ستة عقود وهو العالم الأزهري المحيط والمثقف

الموسوعي الكبير وفي مقدمة برامجه "الشريعة والحياة" قرابة خمسة عشر سنة . تراث القرضاوي والعدد الآخر من المفكرين المجددين المذكورين في صدر المقال تستحق بجدارة أن تقيم لها الحركات الإسلامية في العالم حلقات نقاش وورش عمل يشارك فيها نخب من قيادات وأعضاء الحركات الإسلامية والوطنية الأخرى بكل بلد وخاصة تلك المتعلقة بالمراجعات الفكرية والتنظيمية لتعيد صياغة مشاريعها وبرامجها السياسية والاجتماعية والفكرية بناء على مواكبة وتناغم للواقع المحلي والقطري في ظل المتغيرات والتوازانات الدولية للنظام العالمي لتتجاوز حالات الإخفاق المتكررة والمتاشبهة في الشأن السياسي خاصة، والتي ليست سوى انعكاس لأزمات فكرية تنظيمية عجزت عن تجاوزها بالرغم من امتلاكها لهذا الرصيد التجديدي التطويري من نهاية الثمانينات وتحديدا بعد مؤتمر السودان في 87م . هناك اجتهادات لشيخنا القرضاوي رحمه الله متعلقة بالمواقف السياسية للربيع العربي ولسياسة بعض الدول الخليجية والعربية يختلف معه كثير كما يتفق كثير لكنها لن تؤثر موافقتها أو الاختلاف معها على مكانته وشخصيته وفكره فهو شخصية علمية إسلامية عالمية لم ينضب عطاؤها قرابة ستين عاما من التعليم والتوعيه والفقه والتأليف والمحاضرات في جميع أنحاء العالم. رحم الله تعالى شخينا المجدد يوسف القرضاوي واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة وخلف الله بعده بخير على العالم الإسلامي وسلام على المرسلين والحمدلله رب


في الأربعاء 28 سبتمبر-أيلول 2022 08:58:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=46075