استغلال تكوين أبناء المُحافظات الجنوبية الفسيفسائي
همدان العليي
همدان العليي
أثبتت الدراسات بأن النظام القبلي الطبقي في اليمن موجود منذُ زمن بعيد قبل الإسلام ، فقد تكوَّن السُّلَّم الاجتماعي قبل الإسلام – غالباً – من ثلاث طبقات هي : طبقة الحُكَّام و المشايخ ، وطبقة القبائل ، و طبقة أخيرة تنقسم إلى فئة أصحاب الأعمال الحرفية و فئة العبيد و الخدم أو ما يسمونهم اليوم بـ( الأخدام ) ، و الذي يُرجَّح أنهم بقايا الأحباش الذين غزوا اليمن ، أو أنهم بقايا الأحباش الذي استقدمهم " آلُ نجاح " لتدعيم دولتهم في " زبيد " ، وبشكلٍ عام كانت هُناك تجارة رائجة للأخدام أو العبيد في اليمن إلى أن أمر بإيقافها سلطان " زِنْجِبَار " سنة 1822م. وبالرغم من أنَّ الإسلام جاء لإلغاء هذه الطبقية ، لكن وبطريقة غير مقصودة ؛ كوَّن المُجتمع اليمني طبقة جديدة رابعة سمّيت بـ( السادة ) أو ( الأشراف ) ، وهم الذين ينتسبون لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع بقاء الطبقات الأولى . و لأنَّ طبقة القبائل – حاملة السلاح – هي المعنية الأولى في حماية المشايخ و الحُكَّام والسادة أيضاً ، عن طريق إبرام تحالفات بين الأطراف كانت تُسمى بـ( العِرْوة ) أو ( الجار ) ؛ كان لطبقة القبائل شأنٌ و يدٌ في التغيرات السياسية في اليمن على مر الزمان ، لاسيما و أنَّ أهم سِمة تتسم بها طبقة القبائل هي: النزعة نحو الاستقلال ، أي ميل القبائل إلى التمرد و مُقاومة أي حكم مركزي و رفضهم الخضوع له سواء كان هذا الحكم وطني أو أجنبي كما جاء في ( الشرائح الاجتماعية ) للشرجبي .. و هذا ما نُعاني منه في اليمن إلى اليوم ..! بالنسبة لشمال اليمن ، وبالرغم من بقاء شيء من العصبية القبلية في عدة مناطق ؛ كان هناك دور فعّال لدولة الإمامية و الإدريسية في إلغاء الطباع العصبية المُفرطة – الدموية – من القبائل ، وذلك بسبب الحكم الواحد لمناطق شاسعة .. بعكس جنوب اليمن المُقسّم إلى تسع سلطنات ..! فقد نتج عن هذا التقسيم تعصب شديد جداً بين القبائل و المناطق الجنوبية وأحداث يناير أكبر دليل على ذلك ، وما حدث آن ذاك عبارة عن تصفية حسابات قبلية عرقية ، بالرغم من أنهم كانوا في دولة تُعتبر مُتحضِّرة مُقارنةً بغيرها في الجزيرة ، ولكن طباع القبيلة طغت على دولة القانون ..! وقد صنَّف الدكتور السوري " حليم بركات " في أحد كتبه التي تُعنى في دراسة علم النفس، المجتمع اليمني بأنهُ من المُجتمعات ( التعددية ) وهذا يعني أن نصف المُجتمع اليمني يحمل صفات المُجتمعات ( المُتجانسة ): و التي تَعتَبِر مصلحة الوطن فوق مصلحة الجماعات والقبائل مثل دولة " مصر " ، كما أن النصف الآخر من المُجتمع اليمني يحمل صفات المُجتمع ( الفسيفسائي ) : وهي التي تَعتَبِر مصلحة الجماعة والقبيلة و الحزب فوق مصلحة الوطن ككل و مثّل على ذلك بدولتي "لبنان" و "السودان" و قال أنه يوجد في هذه الدول – التعددية – اضطرابات سياسية من وقتٍ لآخر و لكنها ليست كالانشقاقات الكبيرة كما في المُجتمع ( الفسيفسائي ) .. و هنا أجزم أنه- الدكتور- قصد أن عدم الاستقرار في هذه الدول ناتج عن جماعات ( فسيفسائية ) التكوين ، لذا- غالباً- تصدر منها الفوضى ، و إذا ما قمنا بتتبع مصدر أغلب مشاكل اليمن بشكلٍ عام ، و التي تحدث بشكل عنصري دموي قبلي أكثر مما هو مدني ؛ سنجدها في جنوب اليمن .. وكما أشرت سابقاً أنَّ السبب يرجع إلى تقسيم الحكم في السابق بين السلطنات و المناطق و التعصب لكل منطقة ..! وإذا ما تطرقنا لدور الوحدة اليمنية في مُعالجة العنصرية ولو بقدر بسيط ؛ سنجد أن وحدة 22 مايو هي من أوقفت نزيف الدم بين " يافع " و " أبين " و " الضالع " و من يُنكر ذلك فهو مُزايد و ليرجع إلى العقلاء و المُعاصرين في ذلك الحين ..! وبالرغم من أن حركة التسامح والتصالح اليوم ( والتي أُباركها ) ظهرت تحت غلاف التسامح والتصالح بين المناطق الفسيفسائية التي ظلّت في نزاع دائم ؛ لكنها - حركة التسامح والتصالح- و إذا ما رأينا الجانب الآخر منها ؛ قد تأسست بأسس العنصرية لا أكثر ، أي على زرع الحقد والضغينة لأبناء المُحافظات الشمالية ، بمعنى آخر أن هذا التسامح والتصالح إنما يهدف إلى زرع فتن ومآرب وأهداف فئوية جديدة ، وهذا يعني أن التصالح و التسامح بأساس هش قابل للكسر والدليل على ذلك ما نسمعه من تنازع بين " باعوم "و" النوبة " في الداخل وغيرهم في الخارج ..! من جهة اجتماعية حين قال لي بعض الأخوة المُروجين للانفصال مُتسائلا : لماذا أبناء المُحافظات الجنوبية يتقوقعون في جماعات خاصة في جامعة عدن على سبيل المثال ، ولا يتداخلون مع أبناء المُحافظات الشمالية ؟ بكل بساطة سأجيب و على أسس دراسات نفسية : لأن كثير من أبناء المُحافظات الجنوبية ينحدرون من المناطق القبلية القاطنة حول عدن ، و بناءاً على نظرية المُجتمع الفُسيفسائي ، كان هذا التقوقع طبيعياً ، و أنه في حال عدم وجود أبناء المُحافظات الشمالية في الجامعة ستكون هناك تقوقعات لأبناء أبين على حده و أبناء يافع على حده و أبناء الضالع على حده ، وسترجع عدن إلى أيام التفاخر والتناحر بالبطاقة الشخصية .. والسبب يرجع إلى تركيبة المُجتمع نفسه والذي تنمَّط على يد الاستعمار و تعدد السلطنات ..!   حتى المُصطلحات التي يتناولها المُجتمع اليمني ، فلها علاقة وطيدة مع تركيبة كل جزء .. فعلى سبيل المثال مصطلح ( دحباشي ) نرى أن تناوله بات سمة – وليس استثناء- بين أبناء المُحافظات الجنوبية من باب التحقير و العنصرية و الكراهية لأبناء المُحافظات الشمالية ، بخلاف تلك المُصطلحات التي يتناولها أبناء المُحافظات الشمالية فيما بينهم مثل ( حشيشي ، بُرغلي ، ريمي ، عتمي ) و التي تصدر عن حب الفكاهة مع استثناء صدورها من باب التحقير أو العنصرية في بعض الأحيان ..! وإلا لماذا لا يستخدم أبناء المُحافظات الشمالية مُسمى ( شعبان ) الجنوبي الذي عبّر عن شخصية مُشابهة تماماً لشخصية ( دحباش ) الشمالي ؟ كل هذه أدلة تدل أن هذه الظواهر العنصرية التي برزت من بعض- وليس كل- أبناء المُحافظات الجنوبية ؛ تنم عن تركيبة في هذا المُجتمع الذي تنمَّط بها عبر الزمن ، والتي كانت اليوم ضحية استغلال البعض في الداخل و الخارج لزرع ثقافة الكراهية و العنصرية بين الأخوة و الله المستعان على ما يفعلون ..!

Hamdan_alaly@hotmail.com


في الخميس 18 ديسمبر-كانون الأول 2008 10:23:37 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=4578