تعلموا العلمانية من نيوزلندا
دكتور/فيصل القاسم
دكتور/فيصل القاسم
 

«عذرا أسود السنة… رفع الآذان في البرلمان النيوزيلندي ليس نصراً للإسلام، إنما نصر لمبادئ نيوزيلندا وإنسانية شعبها ومن يحكمها. نصر للدولة التي تساوي بين الجميع وتحترم كل مواطنيها. «رجلي بالعلمانية والعلمانيين العرب دواعش بلا لحى». هكذا علق الفنان السوري ثائر جلال والي على الأجواء الإسلامية التي سادت نيوزيلندا بعد المذبحة الرهيبة، التي راح ضحيتها خمسون مصليا على يدي الإرهابي الأبيض تارانت.

لم تتوقف مظاهر التضامن والدعم من السلطات أو المواطنين في نيوزيلندا للمسلمين بالبلاد، بعد أيام من مجزرة المسجدين في مدينة كرايست تشيرتش. والخميس أعلن عن دعوى عامة للنيوزيلنديين، ذكورا وإناثا، لارتداء الحجاب يوم الجمعة لإظهار تضامنهم مع المسلمين.

وقد واصل نشطاء في الجمعيات والمواقع الاجتماعية حشد الدعم لهذه الحملة التضامنية، من أجل تشجيع كل القاطنين في نيوزيلندا على القيام بهذه اللفتة الإنسانية وحثهم على التضامن مع المجتمع الإسلامي، بعد الحادث الدموي الذي وقع الأسبوع الماضي. وقد اختير يوم الجمعة باعتباره عيدا للمسلمين والمسلمات في كل بقاع العالم. وقالت ثايا أشمان، إحدى منظمات هذه الحملة، إنها «دعوى بسيطة لكل سكان نيوزيلندا بهدف التعبير عن حزننا لما وقع وإظهار تعاطفنا مع المسلمين». وأشارت إلى أن الحملة تستهدف الذكور والإناث والصغار والكبار، مضيفة «سواء كنتم في المنازل أو العمل أو المدارس، ندعوكم جميعا إلى ارتداء الحجاب باللون الذي تفضلونه ووضعه، سواء على الرأس أو الكتفين (بالنسبة للرجال).

إن الحملة التي قادتها تلك السيدة العظيمة والرائعة رئيسة وزراء نيوزيلندا ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فقد قدمت نموذجا عظيما من العلمانية الحقيقية، العلمانية التي تعتبر كل أبناء الوطن بغض النظر عن هوياتهم الدينية والعرقية مواطنين من الدرجة الأولى، لا فرق بين مسيحي ومسلم ويهودي وبوذي إلا بما يقدمه للوطن.

لم يتم التعامل مع المسلمين في نيوزيلندا كمهاجرين أو وافدين أو أهل ذمة، بل كجزء لا يتجزأ من نيوزيلندا. تلك هي الدول العلمانية العظيمة التي لا تفرق بين الناس على أساس طائفي ومذهبي وإثني وقومي وعرقي.

قارنوا بين موقف العلمانجيين العرب جماعة أدونيس وشركاه، وبين موقف رئيسة وزراء نيوزيلندا المسيحية العلمانية، فبينما قدمت جاسندا آردرن نموذجا عظيما في التضامن والتعاطف والإنسانية، راح العلمانجيون العرب يشمتون بالمسلمين في الغرب ويدعون إلى قتلهم وتدمير مساجدهم، بدل الترحم عليهم وإدانة القاتل المجرم. وقد شاهدنا ذلك الإرهابي الطائفي البغيض بشار برهوم المرتبط عضويا بالنظام الطائفي القذر في سوريا، الذي يتخذ من العلمانية شعارا زائفا، شاهدناه وهو يدعو القاتل إلى مكة كي يقتل الحجاج بشكل جماعي بدل الاكتفاء بقتل خمسين مصليا في مسجدين بنيوزيلندا. بالله عليكم كيف يختلف هؤلاء العلمانجيون الطائفيون عن أقذر الدواعش وأبشعهم؟ ما الفرق بين بشار برهوم وعلمانجيي طائفته المجرمين وبين أتباع داعش؟

الفرق الوحيد أن الدواعش الأنذال يربون اللحى، بينما العلمانجيون الطائفيون في سوريا وغيرها يلبسون البدلات الحديثة وربطات العنق، لكنهم يفكرون بعقليات الدواعش وداحس والغبراء. تعلموا العلمانية الحقيقية أيها السفلة من رئيسة وزراء نيوزيلندا، وهي محسوبة على المسيحية، بينما أنتم محسوبون زورا وبهتانا محسوبون على الإسلام.

وكي نكون أمناء، لا بد أن نذكر أن العديد من الأديان والطوائف والأقوام عاشت في كنف المسلمين عبر التاريخ، بالطريقة نفسها التي يعيش فيها المسلمون الآن في نيوزيلندا وغيرها من الدول المتحضرة، قبل أن تبتلى بالفكر الداعشي والعلمانجي القذر. وكما نمتدح الغرب الذي يطبق العلمانية النظيفة، لا بد أن نستذكر أن الإسلام بدوره طبق من قبل كل تلك الأفكار العلمانية العظيمة قبل أن تصيبه لوثة الدعشنة.

ولو نظر الغربيون إلى التاريخ بتمعن، لما لوجدوا أن علمانيتهم الرائعة الآن كانت من صلب الدين الإسلامي في الماضي. ويتساءل المفكر الكبير شكيب أرسلان في ملحق ما علق به على تاريخ ابن خلدون المطبوع في المطبعة الرحمانية في مصر 1355 بهذا الكلام: «ومن العجب أننا نرى الأوروبيين يعملون بكل قوتهم لمحو الشريعة الإسلامية التي في ظلها ـ وبسببها لا غير ـ بقي النصارى في جميع الممالك الإسلامية وفي السلطنة العثمانية، متمتعين بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلمون منذ ظهور الإسلام إلى يوم الناس هذا، وكان نصارى البلاد العثمانية بضعة عشر مليون نسمة، ومن العجب أننا نراهم مع ذلك يفضلون أن تكون الحكومات الإسلامية مُلحدة، ولو كانت تخرج جميع النصارى من بلادها، وهذا أقصى ما يتصوره العقل من التحامل والتعصب على الإسلام !! يكرهونه ولو حفظهم، ويحبون زواله ولو كان في ذلك زوالهم!». أيها الغربيون الذين تطبقون العلمانية الجميلة بشكل رائع، لا تنسوا أننا طبقناها معكم ذات يوم.

في الختام، هذه رسالة ثلاثية للعلمانجيين والإسلامجيين العرب والغربيين أيضا؛ أيها العلمانجيون تعلموا من علمانية الغرب. وأيها الإسلامجيون يجب أن تعلموا أن الطريقة التي عاملت بها نيوزيلندا إخوتكم موجودة في دينكم الحنيف لو كنتم تبصرون. وأيها الغربيون لا تنسوا أننا عاملناكم بطريقتكم الجميلة ذات يوم.

عن صحيفة القدس العربي


في السبت 23 مارس - آذار 2019 07:10:07 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=44220