عن النموذج التركي حقيقة العلاقة بالعلمانية 5
أ. د/أ.د.أحمد محمد الدغشي
أ. د/أ.د.أحمد محمد الدغشي
              
هل حزب العدالة علماني إذاً؟
ما سبق عن جماعة الخدمة يفرض سؤالاً من باب أولى عن حزب العدالة والتنمية وحقيقة علاقته بالعلمانية؟ 
ثمّة من يردّد مقولة إن حزب العدالة والتنمية التركي علماني من الأساس، أو أنّه لايزيد عن الأحزب المسيحية في الغرب كالحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا والحزب الديمقراطي المسيحي في إيطاليا- على سبيل المثال-. ولئن ردّد ذلك بعض من لايتابع، أولا يدرك الخلفية الحقيقية لحزب العدالة والتنمية التركي، وتنشئة كثير من رموز الحزب ومسيرتهم؛ فمن المؤسف أن يردّده بعض من يدّعي المتابعة أو الإدراك لمجريات الأحداث وخلفياتها وأبعادها هناك، ناهيك عن أن يقارن العدالة والتنمية بالأحزاب المسيحية في الغرب، ذلك أنّ قادة الحزب - أيّ حزب مسيحي غربي- ومنتسبيه يؤمنون بمبادئ الدين المسيحي، دون أن يسعوا إلى تطبيق ذلك في ميدان السياسة، حين يتمكن رجال الحزب من الوصول إلى الحكم، إلا إذا كان ذلك تأكيدأً على بعض القيم السائدة مثل المحافظة على الأسرة، أو مراعاة حقوق الإنسان وفق مفهومها الليبرالي، أو حماية الملكية الخاصة، ونحو ذلك، لسببين جوهرين أحدهما: خلّو الدين المسيحي من نظام للحكم أو للحياة متكامل، على خلاف الدين الإسلامي، والآخر : مع التأكيد على أنه لابد أن تظهر تحيزات معيّنة وميول خفيّة في بعض المواقف - على الأقل- للاتجاهات الخاصة للأحزاب المسيحية الحاكمة في أوروبا - على سبيل المثال- غير أن إعلان قيادات تلك الأحزاب وأعضائها بأن لا علاقة لمعتقداتهم الإيمانية الشخصية بالحكم، كنتاج لطبيعة تصورهم الأساس لدينهم الخالي من نظام للحكم ابتداء، حيث جاءت ردّاً بالدرجة الأساس على ظهور الحركات الشيوعية والاشتراكية؛ يأتي مختلفاً عن حقيقة الوضع بالنسبة إلى قيادة حزب العدالة وأعضائه في جمهرتهم، أثناء فترة التأسيس بالذات، أولئك الذين يصدرون في اعتقادهم وسلوكهم الحياتي في الأساس عن تعاليم الدين الإسلامي الشاملة، نظراً لكونهم يعلنون أن الحزب ذو مرجعية إسلامية، بما تعنيه - على نحو غير مباشر- من مضامين فكرية وسلوكية وسياسية ، غير أنهم مضطرون ليكيّفوا حزبهم بما يعني أنهم ملتزمون بنظام الجمهورية التركية العلماني ودستورها النافذ، كأمر واقع، ولذلك فإنهم بالنسبة إلى نظام الحكم عاجزون عن الإفصاح بقناعاتهم، لامقتنعون بما هو مفروض عليهم، نظراً لتكبيلهم بغلالة العلمانية، بوصفها أمراً واقعاً مفروضاً محمياً بقوة الدستور القائم، والقوانين النافذة، بدءاً منذ حكم أول رئيس علماني مؤسس لما يصفونه بـ(تركيا الحديثة) . ومن المعلوم أن تركيا منذ إعلانها جمهورية تركية علمانية على يد مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك في أكتوبر 1923م؛ تتبنى العلمانية نظاماً صارماً (مقدّساً). 
نصوص من الدستور التركي:
وليس أنسب هنا من مناقشة علمانية حزب العدالة من عدمها من المحدّد الأبرز للسياسة التركية المعاصرة، وهو دستور الجمهورية التركية.
من هذا المنطلق دعونا نستعرض بعض أبرز مواد الدستور التركي ذات الصلة لندرك من خلالها، ما إذا كان الحزب علمانياً حقّاً في منطلقاته وجذوره الفكرية، وتحركاته السياسية، أم أنّه ذو توجّه إسلامي أصيل، سليل المجدّد التركي بديع الزمان النورسي، ولكن في صورة مرحلية فرضتها تطورات الوضع هنالك، ولكونه لايزال مكبّلاً بقيود العلمانية ودستورها (المقدَّس)، وما يسمّى بثوابت الجمهورية العلمانية في تركيا، لذلك ليس بوسعه سوى التعامل مع الواقع العلماني بوصفه مقتضى الدستور والقوانين التركية النافذة، وأن يُعلن عن إيمانه بالعلمانية مع تشديد الرئيس أردوغان -بوجه أخص- غير مرّة على أنها ليست العلمانية التي سادت تركيا طيلة العهود السابقة قبله!
ينص دستور الجمهورية التركية الصادر عام 1982م، بما فيه تلك التعديلات التي تمت في 2011م، على علمانية الدولة، كما في المادة الثانية منه، الواردة تحت عنوان (سمات الجمهورية)، وفيها" الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية..." وتجريم أي محاولة أو توجّه يتعارض مع ذلك، حيث تنص المادة الرابعة الواردة تحت عنوان (أحكام غير قابلة للإلغاء) على أنه
" لايجوز تعديل أحكام المادة 1 من الدستور التي تحدد شكل الدولة كجمهورية، وأحكام المادة 2 بشأن سمات الجمهورية...".
 وتنص المادة الرابعة عشرة على أنه  
" لا تجوز ممارسة أيّ من الحقوق والحريات الواردة في الدستور في صورة أنشطة تهدف إلى التعدّي على سلامة الدولة بأمتها وأراضيها، أو تهديد وجود الديمقراطية العلمانية القائمة على حقوق الإنسان."

أما المادة الرابعة والعشرون فتنص على أن
" تمارس الشعائر والطقوس والمناسك الدينية بحريّة شريطة عدم الإخلال بأحكام المادة 14"
كما تنص كذلك على أنه 
"تشرف الدولة على التعليم والإرشاد الديني والأخلاقي وتراقبه... و لا يُسمح لأحد باستغلال الدِّين أو المشاعر الدينية، أو المقدَّسات، أو إساءة استخدام أيٍّ من ذلك، بأيِّ طريقة كانت، بغرض مصلحة أو نفوذ شخصي، أو سياسي، أو بغرض إقامة النظام الأساسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو السياسي، أو القانوني للدولة، على معتقدات دينية، ولو جزئياً" .
كما تشترط المادة الثامنة والستون بشأن تكوين الأحزاب وعضويتها والانسحاب منها
" ألا تتعارض الأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية وبرامجها وأنشطتها مع استقلال الدولة أو سلامتها بأراضيها وأمتها، أو حقوق الإنسان، أو مبادئ المساواة، وسيادة القانون، أو سيادة الأمة، أو مبادئ الجمهورية الديمقراطية العلمانية..." (20).
في ضوء هذه النصوص الدستورية الصريحة التي تفيد في مجملها أن أي تفكير من أي طرف تركي، على المستوى الفردي أو الجماعي، في إعلان إسلامية كيانه الاجتماعي، أو السياسي، في شعاره، أو برنامجه، أو لوائحه وأنظمته، أو حتى في دعاياته السياسية، حتى لو كان في المعارضة-فكيف إذا وصل إلى السلطة- يعدّ خروجاً على نظام الجمهورية التركية ودستورها!
لو فكّر أيّ طرف في تركيا بذلك فإنه يكون قد حفر لنفسه بيده قبراً يتيح للعلمانيين الأتراك أن يدفنوه فيه، وفقاً لنصوص الدستور العلماني وحدها، إذ يعدّ منقلباً على دستور الجمهورية التركية (العلمانية) بنص مواده المتضافرة، إلى الحدّ الذي جعل من هذا المبدأ، مبدءاً غير قابل للتعديل، تحت أي ظرف، وبأي مسوِّغ. 
بتعبير مباشر: لو أقدم حزب العدالة والتنمية التركي على إعلان إسلاميته، على أي نحو، فإنه يكون قد منح الاتجاه العلماني (الأتاتركي) فرصة ذهبية تاريخية لإعلان انقلابه على مبادئ الجمهورية التركية العلمانية، بوصفه مناقضاً في نشاطه لتلك النصوص الدستورية.
ولعلنا لانزال نتذكر الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية في (31\3\2008م) بشأن خبر قبول المحكمة الدستورية في تركيا النظر في دعوى تقدّم بها النائب العام التركي -حينذاك- وهدفت إلى حلّ حزب العدالة والتنمية، والحكم على رئيس الدولة والحكومة- عبد الله غول، ورجب طيب أردوغان -حينذاك- بمنع مزاولة العمل السياسي لكل منهما خمس سنوات، بدعوى تهديد الحزب وقياداته المبادئ العلمانية. وظل الأمر في تصاعد مستمر، لولا أنه حال دون تنفيذ ذلك قوة أداء الحزب، وما أحدثه من رخاء نسبي بدأ يشهده المواطن التركي، في حياته العامة والخاصة، ومعرفته بنظافة قيادة الحزب وأعضائه بالجملة، وإدراكه مدى كيد خصومه المتربصين، وعواقب الإقدام على قرار كهذا، بما يعنيه من تصادم مباشر مع الشعب، الذي يعدّ أكبر المستفيدين من حكومة العدالة والتنمية، وأكبر خاسر من إسقاطها، بأي ذريعة، لاسيما مع حجم الجحيم الذي لاقاه في ظل الحكومات العلمانية السابقة، التي اشتهرت جميعها بالفساد العريض.
زرت تركيا غير مرة، أولاها في 2007م، أي بعد خمسة أعوام فقط من تسلّم حزب العدالة والتنمية مقاليد الأمور في البلاد في2002م، و حاولت تلمس مسلكيات الشباب الأتراك العامة الظاهرة، من حيث مراعاة التقاليد الإسلامية، ومظاهر التدّين العام، ومعالم التحوّل، في حياة الشباب التركي، ناهيك عن أداء الشعائر، في بلد نخرت العلمانية فيه مايزيد عن ثلاثة أرباع قرن، بقوة( القانون)، وسند (الدستور)، وتحت مطرقة( المقدّس) العلماني وعنفوانه!
ومع أن الفترة لم تكن مواتية للخروج بتصوّر كافٍ، عن الوضع الجديد هناك، بيد أن الانطباع الأولي العام جعل العين لاتخطئ ملاحظة عودة حميدة نحو الالتزام الديني على أكثر من صعيد، ولكن في صمت وذكاء، لاشك أنه قد أفاد من تجارب الماضي المرّة الدامغة للنموذج العلماني ومزايداته في الحرية والديمقراطية، مع أنه كان يتدخل في أخص خصوصيات المواطن هناك، ومنها(الحجاب). ولعلنا لم ننس حكاية النائبة التركية (مروة قاوقجي) التي كانت تنتمي إلى حزب الفضيلة، وفازت ضمن أفراد حزبها بعضوية البرلمان في 1999م عن مدينة استانبول، لكن العلمانية المتغوّلة هنالك منعتها من دخول قبّة البرلمان بحجابها، وخيّرتها بين نزع حجابها، أو إسقاط عضويتها بالبرلمان، مع إسقاط جنسيتها التركية، فآثرت الأخرى! وكان بعضنا يعتقد أن وصول العلمانية التركية إلى هذا الدرك من الانحدار، سيدفع أصحابها إلى مراجعة جسورة لهذا المسار، سواء من علماني تركيا، أم ممن يدور في فلكهم من العلمانيين العرب وفي المجتمعات الإسلامية، بيد أن بعض المفتونين بهذا النموذج أبوا إلا أن يصمّوا آذانهم، ويغلقوا أعينهم، ويتجاهلوا السقوط المروّع له على أكثر من صعيد، فكري وأخلاقي وسياسي ومدني، في أكبر بلد إسلامي، ابتلي بهذا الداء ، ومضوا يردّدون بكل صفاقة اسطوانتهم المشروخة بأن كل نجاح لحزب العدالة والتنمية إنما يعود الفضل فيه للنموذج العلماني هناك!!! . يتبع بإذن الله.
ا.د احمد محمد الدغشي .من صفحتي على الفيس بوك
________________
الهوامش والمراجع:
(20) راجع تلك المواد في: موقع مشروع الدستور التركي https://www.constituteproject.org/constitution/Turkey_2011.pdf?، دستور تركيا الصادر عام 1982 شاملاً تعديلاته لغاية عام 2011.

في الإثنين 21 نوفمبر-تشرين الثاني 2016 05:29:54 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=42753