الزلاقة: معركة الفتح الإسلامي الثالث للأندلس
احمد الظرافي
احمد الظرافي

سنة (92هـ /711م )، فتح المسلمون الأندلس، وبنوا فيها دولة عظيمة، مترامية الأطراف مرهوبة الجانب، كثيرة الخيرات، وأشادوا حضارة زاهيةً زاهرةً، كانت نموذجا يُحتذى، ونهل من معينها كل ظامىء، للعلم والمعرفة، وانتشر الإسلام ومعه لغة القرآن الكريم في كل أرجائها، وظل المسلمون في هذه الأرض أقوياء متمكنين، وفي بحبوحة من العيش، وفي أمنٍ استقرار، لهم الغلبة على عدوهم، والسيادة على أرضهم ومواردهم، ووصلوا إلى درجة مرموقة من التقدم والرقي في مختلف المجالات، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا بجوارهم، غارقةً في ظلام دامس.

عصر الطوائف والفتن

لكن الأيام دول، والسعادة لا تدوم، والنواميس الكونية لا تعفي أحدا من الأخذ بها، حتى لو رفع أحسن الشعارات، وحمل أقدس الألقاب والمسميات، فمع القرن الخامس الهجري، وبعد سقوط الدولة العامرية سنة 399هـ/1009 م، ونتيجة لإهمال سنة الأخذ بالأسباب، وانحراف الخلف عما كان عليه السلف، وخلودهم للدعة والراحة، دخلت الخلافة الأموية في الأندلس، طور الضعف والوهن، وأخذت الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، وبلغ التدهور أقصاه، مع إلغاء الخلافة الأموية في الأندلس، رسميا وإلى الأبد، سنة 422هـ/1031م، ظنا من أصحاب الحل والعقد، أن ذلك هو الحل الشافي للمرض العضال الذي كانت تعاني منه.

وعلى إثر ذلك تمزقت البلاد شر ممزق، وظهرت على أنقاض دولة الخلافة، أكثر من عشرين دويلة ومملكة عرفت تاريخيا بوصفها سيء الصيت " دول الطوائف" وكان أشهرها دويلة بني عباد في أشبيلية، ودويلة بني جهور في قرطبة، ودويلة بني هود في سرقسطة، ودويلة بني ذي النون في طليطلة، ودويلة بني الأفطس في بطليوس، ودويلة بني باديس في غرناطة، ودويلة بني صمادح في المرية، ودويلات عديدة أخرى غيرها.

وخلال حكم هذه الدويلات الطائفية الصغيرة نشبت الفتنة، وضاع الجهاد، وعم الفساد، وانحلت القيم والمثل، وتلاشت عقيدة الولاء والبراء، وانتزع الوازع لديني من القلوب، وكان التناحر والشقاق والحروب الداخلية هو الذي يحكم العلاقة بين أمراء وملوك هذه الطوائف، الذين كانوا في تناقر دائم، مثل الديكة، ولم يكن هناك حدود لتناقضاتهم وخلافاتهم، وكانوا يتسابقون للاستنجاد بالأعداء من نصارى الشمال، ويغدقون عليهم التحف والهدايا للتقرب منهم ويتقربون إليهم بالمحظيات والجواري الحسان، لكسب ودهم، وانقلبت الموازين رأسا على عقب فبعد أن كان النصارى هم الذين يدفعون الجزية، صار أمراء الطوائف المحسوبين على الإسلام: دين العزة والقوة، هم الذين يدفعونها للنصارى كالذميين. وأما الجزية فقد كانت تدفع ذهبا وسلعا ومدنا وقلاعا وحصونا، وتحولت الأندلس إلى ساحة مفتوحة أمام كل مغامر وطامح في السلطة، وكل من به شبق لتبوأ المناصب كيفما اتفق، وكثرت الخيانات بين أبناء البيت الواحد، واستشرت النزعات الانفصالية كالوباء بين القادة والأمراء، وفقد الحكام الثقة بمن حولهم من بني جلدتهم وإخوانهم، فسرحوهم، واستعاضوا عنهم بجيوش من المرتزقة والمأجورين، لحمايتهم والدفاع عنهم، وبالرقيق الأبيض المجلوب من خارج البلاد، ومن أسواق النخاسة. وانفتحت الأبواب على مصاريعها أمام شعراء المديح المتكسبين وإخوانهم من الشعراء الغزليين، إضافة إلى المغنيين والمطربين، وأصدقاء الكاسات ليلا ونهارا، وأمتلأت القصور بالجواري الحسان من كل جنسٍ ولون. 

ومن المفارقات والمضحكات المبكيات، أن أولئك الحكام رغم ما كانوا فيه من استكانة وخضوع وذل وهوان أمام الأعداء، كانوا شديدي التمسك والتباهي بأبهة الخلافة والملك وبالألقاب الجوفاء الرنانة، التي كانوا يطلقونها على أنفسهم، وكانوا حريصين عليها أشد الحرص، وكأنها ضرورة من الضرورات اللازمة للبقاء، ومن تلك الألقاب: الناصر والمنصور والمظفر والمعتمد، وغيرها من الألقاب التي تبعث على السخرية والاستهزاء مقارنة بحقيقتهم، وبما هو جارٍ على أرض الواقع في زمانهم، وصدق فيهم الشاعر وأوضح وأبان عندما قال:

مما يـزهدني في أرض أندلسٍ ** أسماء معتمـدٍ فيها ومعتضــدِ

ألقاب مملكة في غير موضعها ** كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسدِ

حرب الاستئصال الصليبية

وتزامن ذلك الضعف والتمزق بين مسلمي الأندلس، مع بدء تكتل الممالك المسيحية في شمال ووسط أسبانيا، وإعلانهم ما سُمي في تاريخهم بـاسم " حرب الاسترداد " برعاية البابا والكنيسة الكاثوليكية، وبدعم من القوى الأوروبية، وهذه الحركة بدأت بسيطة ثم نمت وازدادت قوة مع مرور الأيام، وهي لم تكن في حقيقتها سوى حرب صليبية منظمة هدفها طرد المسلمين واستئصال شأفتهم من جميع أنحاء جزيرة الأندلس، ومحو الإسلام وإقتلاعه من الجذور من كل أرجاء تلك الأرض.

وتعاظم الخطر على مسلمي الأندلس بعد ظهور الفونسو السادس ( الأذفونش ) ، ذلك الملك القشتالي القوي الشخصية، وذي الطموح الواسع، والنزعة الصليبية الحاقدة والمتزمتة، والذي نجح في تثبيت وتوطيد الوحدة بين مملكتي قشتالة وليون تحت رايته، بعد أن قامت على يد والده فرديناند الأول، الذي كان هو من وضع الخطوط العريضة لحرب الاسترداد، كما أن الفونسو السادس ضمن في ولاء بقية الممالك الأسبانية الأخرى في الشمال ودعمها لمشروعه.

وفي عهد الفونسو السادس، وتحت قيادته وإشرافه، اشتدت وطأة حرب الاستئصال الصليبية، ضد ملوك الطوائف، فقد جعل هذا الملك من الإغارة على المدن والقواعد الأندلسية شغله الشاغل، وأخذ يوالي الغزوات على تلك المدن ويروع أهلها، ويهلك الحرث والنسل في طريقه في كل مرة، في نفس الوقت الذي كان فيه يضرب أولئك الملوك الصغار بعضهم ببعض، بعد أن صاروا بمثابة قطع شطرنج في يده. وكان يمعن في استذلالهم وفي فرض الجزية عليهم بقوة السلاح والقهر.

ومع كل ذلك فلم يكن راضيا عنهم ولا عن تحفهم أو ذهبهم أو هداياهم، وكان يتعنت في جباية الجزية منهم فلا يقبلها إلا من الذهب الخالص إمعانا في إذلالهم واحتقارهم والاستهانة بأمرهم أمام رعاياهم.

وكانوا كلما أعطوه أزداد غطرسة وعتوا وانفتحت شهيته لطلب المزيد، فكان يريد أمتصاصهم لآخر رمق قبل أن يجهز عليهم ويرميهم عظاما، وكان جهنم كلما امتلأت قالت: هل من مزيد؟

وفي عام 467هـ، انقض بنو ذي النون أصحاب طليطلة، على قرطبة فاستولوا عليها، وقتلوا بها سراج الدولة أبو عمر بن المعتمد بن عّباد. هذا الأخير الذي كان قد انتزعها من بني جهور بالحيلة والخديعة..وقد دفع هذا الحادث المعتمد بن عباد إلى عقد معاهدة سرية مع الفونسو السادس، ملك قشتالة، تمت بمساعي وزيره ابن عمار، المعروف بانتهازيته وأصله الوضيع، والذي كان خير من يجيد كيل المديح شعرا ونثرا، وكان بارعا في فن الوصول، وسياسة التحالف مع أبليس اللعين، وتعهد المعتمد بن عّباد بموجب تلك الاتفاقية، أن يطلق يد الفونسو السادس، في محاربة بني ذي النون أصحاب طليطلة، وأن يدفع إليه ضريبة سنوية، نظير مساعدته له في استعادة قرطبة، وذلك ما كان.

وظل المعتمد بن عبّاد، طوال تلك السنوات، يدفع الجزية، للملك القشتالي ويصانعه ويستعديه على إخوانه – لانتزاع ما تحت أيديهم، وكان هذا هو سلوك ملوك الطوائف الآخرين بشكلٍ عام.

وكان لا بد أن يقع الفأس في الرأس، كي يستيقظ أولئك الملوك الصغار من غفلتهم، وصغارهم. فماذا حدث؟

سقوط طليطلة أو القارعة الكبرى

وظل الوضع في أندلس المسلمين، يسير من سيء إلى أسوأ، ودول الطوائف من ضعفٍ إلى ضعف، بينما نصارى الشمال يتقدمون ويقطعون المراحل، حتى استيقظ أمراء الطوائف على كبرى القوارع، وهي سقوط طليطلة، حاضرة الدولة القوطية السابقة، والمدينة المنيعة وشديدة الأهمية في وسط شبه جزيرة الأندلس، بيد الفونسو السادس، ملك قشتالة المسيحية في 6 من مايو سنة 1085 م ( 478هـ) ، والتي تم تحويل مسجدها الجامع إلى كنيسة وحيل بين المسلمين وبين العودة إليها رغم الضمانات التي أعطيت لأهل المدينة قبل حادثة السقوط

وكانت طليطلة حينئذٍ قلب الأندلس، وإحدى قواعده الكبرى، ودرة مناطق الثغور.

وكان سقوط طليطلة، وهي عاصمة الثغر الأوسط، قبل سقوط سرقسطة، عاصمة الثغر الأعلى، يعني خرم الخريطة الأندلسية من الوسط وشطرها إلى شطرين وتمزيق شمل المسلمين، وشرذمتهم، وقطع خطوط الاتصال فيما بينهم، والتهام مدن أخرى لا تقل عنها أهمية وتحصينا، وغير ذلك من التداعيات الخطيرة التي تنذر بأفول شمس الإسلام في الأندلس في ذلك الوقت المبكر، وقد عبر الشاعر ابن العسال الطليطلي الزاهد عن تشاؤمه مما جرى، إدراكا منه لأهمية طليطلة وما سيجر إليها سقوطها بيد النصارى الغلاة من عواقب وخيمة على بقية المدن الأندلسية وعلى مستقبل المسلمين على ظهر هذه الأرض، فقال – ناعيا الأندلس ومؤذنا المسلمين فيها بالرحيل - :

يا أهل أنـدلسٍٍ شـدوا رحائلكم    فما المقـام بهــا إلا من الغلطِ

العقـد ينسل من أطرافـه وأرى    عقد الجزيرة منسولا من الوسـطِ

وكان سقوط مدينة طليطلة بداية المأساة؛ فهي أول بلد إسلامي يدخله الفرنجة، وكان ذلك مصابا جللا هزّ النفوس هزًا عميقًا. يقول شاعر مجهول يرثي طليطلة في قصيدة طويلة تقطر بالحزن والأسى مطلعها: ( القصيدة كاملة منشورة بالأسفل )

لثُكلكِ كيف تبتسم الثغـورُ ** سرورًا بعدما سُبيت ثغـورُ

الاستنجاد بالمرابطين

كان العلماء وقضاة الجماعة في أشبيلية وقرطبة قد نصحوا من قبل المعتمد بن عباد، كبير أمراء الطوائف، وأكثرهم مسئوليات، بضرورة الاستنجاد بإخوانه حكام المسلمين في المغرب تفاديا لدفع الجزية، وللخلاص من المذلة التي لبسها بعد توقيعه لتلك المعاهدة المشئومة.

إلا أنه ظل مترددا ومماطلا عدة سنوات، لأنه كان يخشى أن يكون الثمن هو ضياع ملكه وزوال سلطانه إذا دخلت قوة إسلامية جديدة إلى الأندلس، وأيضا لكون ذلك كان يصطدم مع إرادة الحاشية ومصالحها، وكذا مع مصالح الانتهازيين المستفيدين من الوضع القائم على قتامته وسوءه. وكان ثمن ذلك التردد فادحا جدا، ألا وهو سقوط طليلطة، التي ذهبت ضحية للأهمال والتفريط وعدم التفكير في العواقب، " وقدر لها أن تكون أولى المدن الكبرى الذاهبة، ورغم أنها لم تسقط في حرب، ولم يخسرها المسلمون في قتال، بل ذهبت نتيجة خدعة ماكرة من ألفونسو السادس، واستسلام مهين من القادر يحيى بن ذي النون أمير المدينة"

أما وقد صارت راية الصليب ترفرف في سماء طليطلة المنيعة، وأصبحت طلائع جيش الفونسو السادس تجوس على تخوم قرطبة وأشبيلية وماردة بطليوس، وغيرها من عواصم دول الطوائف، وبعد أن تضاعفت دولته إلى ضعفين بضربة واحدة، وبعد أن صار الخطر الداهم ماثلا أمام ملوك الطوائف أولئك، وجها لوجه، وأصبحت عروشهم على شفا جرفٍ هار وعلى كف عفريت، وبعد أن دخل الفزع بشكل جدي إلى مفاصلهم وعروقهم، فقد استجاب ملوك الطوائف أخيرا، لنداء العقل والمنطق، وتنادوا للاجتماع والتشاور.

حدث ذلك بشكل خاص، بفعل الصحوة الجهادية والإيمانية، التي عمت في صفوف الشباب في كثير من مدن الأندلس، وارتفاع أصوات العلماء المنددة بتقاعس ملوك الطوائف والمطالبة بتحملهم لمسئولياتهم.  

وأيضا بعد أن كتب إليهم الفونسو السادس مهددا ومتوعدا، وطالبا منهم تسليم ما بأيديهم من البلاد والأموال والإذعان لسيادته دون قيد أو شرط.

وأعلن الفونسو صراحة عن نيته في نقل عاصمة ملكه، إلى طليطلة العاصمة القديمة للبلاد، وعن ضم كامل التراب الأسباني تحت رايته، وأطلق على نفسه "ذا الملتين" أي المسيحية والإسلامية، وأسبغ على نفسه وصف " أمبراطور أسبانيا"

وما لبث الفونسو السادس أن شرع في ترجمة أقواله وتهديداته اللفظية إلى أفعال على أرض الواقع، وفعل غيره من ملوك النصارى مثله، فزحفت جيوشهم لحصار المدن والقواعد الإسلامية الأقرب إليهم ، وذلك استغلالا لحالة الهلع والذعر التي ألمت بملوك الطوائف، وما آل إليه أمرهم من جبن وتخاذل وتقاعسٍ حتى عن الدفاع عن أنفسهم وعروضهم وشرفهم، وما تبقى لهم من كرامة.

نعم عند ذلك فقط استيقظ ملوك الطوائف الأندلسيين، فراحوا يتأسفون ويتأففون ويدعون بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويؤنب بعضهم بعضا، ويحمله مسئولية ما حدث، رغم أنهم جميعا مسئولون عن ضياع طليطلة، فقد ضلت محاصرة لبضعة شهور أمام أعينهم، وتحت أسماعهم وأبصارهم، وهم وقوفا يتفرجون، وتركوها تسقط لقمة سائغة بيد ألفونسو، ولم يبذلوا أي جهد لإنقاذها، وكأن الأمر لا يعنيهم، ولم يحركوا ساكنا لرفع الحصار الضاري عنها، أو إغاثة أهلها الذين ماتوا جوعا وعطشا نتيجة الحصار الطويل الخانق.

وفي الملتقى الذي عقده هؤلاء الملوك في قرطبة وعلى رأسهم المعتمد بن عباد ،ملك أشبيلية، والمظفر بن الأفطس ملك بطليوس، وابن باديس ملك غرناطة، وابن صماح ملك ألمرية، استقر الرأي على إيفاد سفارة إلى زعيم المرابطين في مرّاكش، طالبة منه التدخل لإنقاذ الأندلس ووضع حدٍ لمأساتها وما أضحت تعيشه من ذل وهوان، قبل فوات الأوان، وقد ضم الوفد قضاة الجماعة في كلٍ من قرطبة وبطليوس وغرناطة، والذين كانوا أيضا مشاركين في ذلك الاجتماع، إلى جانب وزير المعتمد بن عبّاد.

وعندما وجهت الحاشية لومها لهذا الأخير، رد عليهم بجملة حاسمة قاطعة أصبحت مثلا، ولا زال صداها يتردد في التاريخ وهي " رعي الجمال عندي خير من رعي الخنازير".

المرابطون يعبرون بحر الزقاق

وصادف وقتئذٍ – وذلك من حسن حظ مسلمي الأندلس – أن كانت دولة المرابطين الإصلاحية السلفية، في بر العدوة، قد ثبتت أركانها ووطدت سلطانها، في معظم أنحاء المغربين الأوسط والأقصى، بالإضافة إلى الصحراء وكانت تتمتع بوحدة سياسية ودينية، ولديها أسطول بحري قوي،وفي ثكناتها مائة ألف فارس من الصناديد الشجعان، من اللمتونين الملثمين ومن غيرهم من قبائل الأمازيغ والسودان، وعلى رأسهم، الشيخ البطل الزاهد الهمام، المطبوع على الجهاد في سبيل الله، والزعيم الخير الفذ، عظيم الهمة، قوي الإرادة، شديد التمسك بالكتاب والسنة، بقية السلف، أعني به أمير المسلمين، ناصر الدين، أبو يعقوب، يوسف بن تاشفين، طيب الله ثراه، الذي وافق فورا على نجدة الأندلس، وقرر الخروج بنفسه على رأس جيشه.

بيد أن هذه الدولة نشأت بالاعتماد على لمتونة وكانت أكثر اعتماد على أبناء قبيلة لمتونة، تلك القبيلة الأبية التي عانت شدائد كثيرة في هذا السبيل، واستشهد عدد كبير من رجالها، وهو ما جعل الفقيه عبد الله بن ياسين، يعلن أن المرابطين هم اللمتونيون لشدة صبرهم وحسن بلائهم. فقبيلة لمتونة هي التي تزعمت مهمة الغزو والجهاد في بلاد المغرب والأندلس وصار اسمها مرادفا لكلمة المرابطين، كما صار زعماؤها ملوكا لهذه الدولة المرابطية العظيمة.

وتميزت هذه الدولة بإشاعة العدل وتطبيق أحكام الشرع، وهي التي طهرت المغرب من مختلف الحركات الهدامة، وجلتها خالصة لأهل السنة على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وكانت علاقة الدولة بالرعية علاقة " مشاركة ومساهمة "، فاتسمت بالرفق والتسامح، وقامت الدولة بإلغاء الضرائب غير الشرعية والتخفيف من الأعباء على السكان.

وهكذا لم يمض سوى بضعة أشهر حتى تحركت السفن الحربية من مدينة سبتة المغربية وعبرت مضيق جبل طارق إلى الجزيرة الخضراء، التي جعلها يوسف بن تاشفين قاعدة لقواته في الأندلس، ثم أقبل المدد من مالقة وغرناطة واشبيلية مع ملوك الطوائف الذين خرجوا لاستقباله.

ثم زحفت هذه القوات معا إلى أشبيلية، ومنها إلى بطليوس في غرب الأندلس لمقابلة جيوش الأعداء هناك، وكان قوام تلك القوات ثمانية وأربعين ألف مقاتل مقسمة إلى قسمين: جيش الأندلس بقيادة المعتمد بن عباد، وجيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين.

استعداد الكاثوليك وتحالفهم

في أثناء عبور جيش المرابطين كانت العديد من المدن الأندلسية مثل طرطوشة وبلنسية وسرقسطة، تخضع لحصار جيوش النصارى، وكان هناك بعض المدن الأندلسية الأخرى على وشك أن تُحاصر، فقد كان هدف النصارى هو الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من مدن الأندلس، قبل وصول جيش المرابطين، وذلك استغلال للأوضاع المتردية التي سادت في الأندلس، في أعقاب سقوط طليطلة. ولكنهم عندما علموا بعبور قوات المرابطين لبحر الزقاق أضطروا لرفع الحصار عن تلك المدن وسارعوا لتكوين حلف قوي فيما بينهم ضم مختلف الممالك المسيحية في وسط وشمال أسبانيا، وهي: قشتالة وجليقية وليون وبسكونية واستوريش، كما سارع الفونسو السادس لطلب النجدة من البابوية في روما ومن بعض القوى الأوربية فانجدتهم الإمارات الفرنسية المجاورة بجيش كثير العدد والعدة، إضافة إلى المتطوعين للجهاد تحت راية الصليب " المقدس" الذين تقاطروا من بعض الدول الأوروبية القريبة مثل إيطاليا وألمانيا.

وبعد أن أكمل الكاثوليك استعداداتهم تحركت جحافلهم الجرارة تحت قيادة الفونسو السادس ملك قشتالة، وكان قوامها ستين ألف مقاتل على مستوى عال من الاستعداد والتجهيز والمعنويات، لدرجة أن الفونسو السادس صمم أن يخوض المعركة في أراضي المسلمين بعيدا عن طليطلة، وخرج على رأس قواته، وهو يوقن أنه سيسحق جيوش المسلمين وسيرمي بالمرابطين في البحر. وكانت شارة الصليب ترفرف أمام هذه القوات، ومن خلفها بركات البابا والكنيسة الكاثوليكية.

 الصـدام الدامي 

وما لبث الجمعيان أن التقيا في سهل الزلاقة، غربي الأندلس إلى الشمال من بطليوس، وقد بدأت المعركة بهجوم مباغت وعنيف شنه الفونسو السادس على جيش الأندلس، في صبيحة يوم الجمعة 12رجب479هـ/ أكتوبر1086م، فاستطاع بذلك من أن يحدث الاضطراب الشديد في صفوف هذا الجيش الذي أرتد على أعقابه ومعه طلائع جيش المرابطين، إلا أن يوسف بن تاشفين ثبت لهذه الهجمة الشرسة مع فرسان المرابطين الأشداء، وتمكنوا من إيقاف تقدم قوات الفرنجة وتثبيتها في مكانها، وعلى إثر ذلك تراجع المتقهقرون من الأندلسيين، ثم اشتبك الجيشان في قتال ضارٍ لا هوادة فيه، وبدأت الرءوس تتطاير والأذرع تتناثر والدماء تسيل، والأشلاء تدوسها الحوافر والأقدام والنقع يرتفع كالغيوم، والسهام تنثال كالمطر، على قوات الطرفين، واختلط صهيل الخيل مع نعيق الجمال وأصوات الحديد مع همهمات المقاتلين، وأنات الجرحى المجندلين.

ولما تيقن الفونسو السادس ملك قشتالة وقائد جيش الكاثوليك من شراسة مقاتلي المرابطين وصلابتهم ونتيجة للضربات الموجعة التي تعرض لها جيشه على أيديهم، بينما المعركة لا زالت في ساعاتها الأولى، غير خطته، فعمد إلى تكثيف هجومه على الأندلسيين مرة أخرى، باعتبارهم سبب هذه الحرب، وحمل حملة عنيفة بقسم كبير من جيشه على المعتمد بن عباد ملك أشبيلية، ومن تحت قيادته من كتائب الجيش الأندلسي، ظنا منه أنهم الحلقة الأضعف في ساحة القتال، وأنه إذا تمكن منهم فسيوهي ذلك من عزائم المرابطين، ويفت في عضدهم، وعندئذ تسهل هزيمتهم. لكن المعتمد بن عباد، كان لذلك الهجوم بالمرصاد، حيث ظل ثابتا في مكانه، ولم يتقهقر أو يتزحزح عن موقعه، وظل يقاتل بكل ما أوتي من قوة، وكثر فيه الطعن، وأثخن بالجراح ومع ذلك لم يستكين ولم يهدأ، وكسرت في يده أربعة أسياف وعقرت تحته ثلاثة خيول من خيرة خيول الأندلس. وفي آخر الأمر وبعد أن تكاثرت فيه الجراح جثم على ركبتيه، ممتشقا سيفه المقطوع، وأخذ يضرب شمالا، ويضرب جنوبا وهو مضرج بدمائه.وذلك في الوقت الذي كان فيه المرابطون يفعلون الأفاعيل بجيش الفرنجة من جانبهم.

ولما رأى يوسف بن تاشفين، زعيم المرابطين، ذلك العجوز الداهية المحنك، ابن الثمانين عاما، لما رأى جيش الفرنجة بدأ يترنح، رماهم بآخر سهم في كنانته، وكان ذلك السهم عبارة عن كتيبة من المقاتلين الأفارقة الأشداء، من خواص جنوده، وكان قد أدخرهم لمثل هذا الموقف ولساعة الحسم، ولم تمر سوى لحظات قليلة على دخول هؤلاء الأبطال في ساحة النزال، حتى بدأ الخناق يضيق على أعناق جيش الكاثوليك، ثم ما لبث المسلمون أن أطبقوا عليه من مختلف الجهات، وأخذوا يقتلون أفراده من أمامهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم، فوهنت عزائمهم وخارت قواهم، وأعطوا أعناقهم للمسلمين يحصدونهم حصدا بالسيوف، وتمكن مجموعة من مقاتلي السودان من خواص يوسف بن تاشفين من فتح ثغرة في جدار قلب الجيش الكاثوليكي والنفاذ منها إلى المكان الذي يوجد فيه الفونسو السادس، قائد قوات الكاثوليك، فطعنه أحدهم طعنة نجلاء في فخذه، وظن أنه قتله، فأخذ يصرخ " قُتل الأنفوش ".

وعلى إثر ذلك لاذ الفونسو السادس بالفرار من ساحة المعركة ونجا بجلده بأعجوبة، محمولا على أكتاف حرسه الخاص والدم يثعب من فخذه، تاركا جيشه لمصيره، ولجأ اللعين إلى ربوة عالية تعصمه من الموت، وهو غير مصدق أنه نجا، وفي المساء تسلل عائدا إلى طليطلة تحت جنح الظلام.

 وبعد ذاك الذي حدث لألفونسو السادس وهروبه من ساحة المعركة، أصيبت بقية الجيوش الكاثوليكية بالرعب والفزع، فهرب من استطاع منهم النجاة بجلده إلى الأدغال أو التلال القريبة، وتفرقوا شذرا مذرا واستسلم كثير منهم للمسلمين، فضربت أعناقهم عن بكرة أبيهم، وصنع المسلمون من رءوسهم كومة كبيرة، وغطت جثث القتلى من جيش الفونسو وجيوش حلفائه الكاثوليك، ساحة المعركة وغرقوا في بحر من الدماء.

  نتائج معركة الزلاقة

وهكذا انتهت المعركة بهزيمة ساحقة ماحقة للفرنجة، بل أن ما حدث في الواقع كان مجزرة للكاثوليك، ودفعوا ثمن تهورهم وعربدتهم غاليا في هذه المعركة، حيث لم ينج منهم سوى قلة قليلة قدّرت ببضع مئات. وبالقابل كلل الله جهود المسلمين بنصرٍ عظيم مؤزر، حين صدقوا الحملة وأخلصوا نياتهم لله ، وعم الفرح والسرور في كل أرجاء الأندلس والمغرب، وأنزاح عن الأندلسسين، كل ما حملوه من عناء وعارٍ ومذلة طوال العقود السابقة.

وكانت هذه المعركة هامة جدا بالنسبة لمسلمي الأندلس فقد قررت استمرار يتهم على ظهر تلك الأرض، وثبتت وجودهم في كثير من المدن والمعاقل لأكثر من مائة وخمسين عاما، ورفعت حالتهم المعنوية، تلك التي كانت قد وصلت إلى الحضيض بعد سقوط طليلطة وقبيل دخول المرابطين.

فقد دخل المرابطون الأندلس وهي قطع ممزقة تلفظ أنفاسها الأخيرة، والكاثوليك ينهشون منها كلٌ من ناحيته وكانوا على وشك أن يستكملوا سيطرتهم على الجزء المتبقي من شبه جزيرة الأندلس، فأنقذوها من سقوطٍ محقق، وبعثوا فيها الحياة من جديد، لفترة أخرى من الزمن، وأوقفوا بالتالي دفع الجزية للفرنج.

وقد نجم عن هذه المعركة كسر شوكة الملك المتغطرس الفونسو السادس وكبح جماحه ووضع حد لعربدته، وتم إبادة جيشه وتمريغ أنفه في الوحل، وكان حينها في أكمل استعداده وقوته وفي قمة صلفه وغروره، بعد انتزاعه لمدينة طليطلة من أيدي أصحابها المسلمين. وحدّت هذه المعركة بالتالي من وتيرة حرب الاستئصال ضد المسلمين في الأندلس، وضرب هذه الحركة الصليبية وتحجيمها.

كما أدت هذه المعركة إلى توحيد المغرب والأندلس تحت راية واحدة هي راية المرابطين. وكانت تلك هي رغبة غالبية المسلمين في الأندلس. فقد تبين لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين من خلال إحتكاكه بملوك الطوائف، بعد تلك المعركة، عجز أولئك الأمراء المدليين عن حماية ما تحت أيديهم من مدن ومعاقل، بسبب كثرة خلافاتهم وميلهم لحياة الترف والدعة وافتقارهم إلى الوازع الديني والأخلاقي للجهاد والذب عن بلاد الإسلام، ضد الأعداء الطامعين، وعدم تورعهم عن دفع الجزية إليهم، وأيضا لعلاقاتهم المشبوهة مع ملوك النصارى الذين عادوا يحنون من جديد لموالاتهم، والتحالف معهم ضد بعضهم البعض.

ونعم المسلمون في الأندلس بالقوة والتمكن في عهد المرابطين، وكذا بالإصلاحات التي قام بها يوسف بن تاشفين وخاصة ما قام به من إلغاء الجبايات التي سنها ملوك الطوائف ،ولم تكن تمت للإسلام بصلة، وكان يئن من وطأتها الفقراء والكادحون، فأكتسب بذلك محبتهم.

أندلس ما بعد الزلاقة

مما لاشك فيه أن معركة الزلاقة واحدة من المعارك الكبرى في التاريخ الإسلامي بشكل عام وتاريخ المسلمين في الأندلس بشكل خاص، وهي ترقى إلى معركة وادي لكة ومعركة المصارة، فمعركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد سنة 92هـ/ 711م، كانت معركة الفتح الأول، وهذا لا خلاف عليه، وبإعتبار أن معركة المصارة سنة 138 هـ /755م. بقيادة الأمير الأموي الطريد عبد الرحمن بن معاوية " الداخل"، هي معركة الفتح الثاني، حيث ترتب عليها ولادة الأندلس من جديد، على يد ذلك الأمير الأموي الفحل، فيمكن على هذا الأساس، اعتبار معركة الزلاقة فتح إسلامي ثالث للأندلس، فقد ترتب عليها إطالة أمد الوجود الإسلامي في هذه البلاد لأكثر من مائة وخمسين عاما، وتحديدا لغاية معركة العقاب سنة 652هـ، على اعتبار أن الموحدين كانوا امتدادا للمرابطين، وحلوا محلهم.

 ذلك على الرغم من أن انتصار المسلمين في معركة الزلاقة، لم يُوقف حركة الاستئصال الصليبية للمسلمين في الأندلس نهائيا، بل ولم ينتج عنه حتى استعادة مدينة طليطلة التي كانت من عوامل نشوب هذه المعركة.

بيد أن هذا وذاك كان له ما يبرره من الأسباب الموضوعية، وهما على أي حال لا يقللان من أهمية النتائج التي ترتبت عليها.

فأما عدم إيقاف حركة الاستئصال الصليبية نهائيا، فذلك لكون النصارى في شمال ووسط اسبانيا كانوا قد قطعوا شوطا كبيرا في بناء دولهم وتحالفاتهم وتشكيل قواهم العسكرية وصاروا يشكلون جبهة واحدة عريضة وقوية ومتماسكة ضد المسلمين المنقسمين على أنفسهم أساسا إلى دول وإمارات متناحرة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فقد كان النصارى حينذاك في ذروة حماسهم واندفاعهم الديني ولم يكن بمقدور أية قوية أن تقضي عليهم أو أن تغير مسار عجلة التاريخ التي كانت قد بدأت تدور لصالحهم في معركة أو معركتين أو ثلاث أو أربع ، خاصة إذا علمنا أنهم كانوا آنذاك في وضع هجومي وأن البابا والقوى الأوربية تقف خلفهم وتساندهم وتشد من أزرهم في حربهم ضد المسلمين الذين كانوا بدورهم في وضع دفاعي وكانت وحدتهم قد انفرطت وتجزأت منذ زمن بعيد ولم يعد هؤلاء المسلمون في الأندلس، على نفس المستوى من القوة والحماس للجهاد في سبيل الله، كما كانوا عليه أيام الفتوحات، حينما كانوا لا زالوا حديثي عهد بزمن الوحي وبالرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والسلف الصالح من هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين.

وأما عدم استرجاع المسلمين لطليطلة، فذلك مرده إلى تقاعس أمراء الطوائف، فهؤلاء أساسا لم يخوضوا المعركة من أجل سواد عيون طليلطة، فهذه لم تكن تهمهم في شيء، والدليل على ذلك أنهم تركوها سابقا تسقط لقمة سائغة بيد الفونسو دون يضرب أحدهم بسهم دفاعا عنها، وإنما كان كل همهم وقصارى جهدهم هو المحافظة على ما تحت أيديهم فقط، ولذا فلم يكن لديهم رغبة في مواصلة القتال بعد ذلك الانتصار الذي تحقق، وسرعان ما ظهرت عليهم أعراض الخمول والحنين إلى الأبهة والقصور، والفرش الوثيرة، وإلى اللهو والطرب، والاتغماس في الملذات، ونمط حياتهم الذي درجوا عليه من قبل، هذا علاوة على الشقاق الذي تفجر بينهم في الشهور اللاحقة، وكل هذا قد حال دون اقتطاف ثمار ذلك الانتصار الباهر. وقد اصطدم يوسف بن تاشفين من تناقضاتهم وعدم استعدادهم لوضع أياديهم في أيادي بعض وشدة تعلقهم بحياة الدعة والترف والانغماس في الملذات وأدرك أن العطن قد وصل إلى مخ العظام، خاصة بعد عبوره الثاني إلى الأندلس، الذي عاد بعده إلى المغرب وقد خاب أمله نهائيا في صلاحهم.

وبينما كان يوسف بن تاشفين في عاصمة ملكه في المغرب " مراكش " بعد حملته الثانية للأندلس، ترامت إلى سمعه الكثير من الأخبار عن لهو ملوك الطوائف وتورطهم في الفساد وعلاقاتهم المشبوهة مع ملوك النصارى لدرجة أنهم عادوا يتحالفون معهم سرا ضد الوجود المرابطي في الأندلس، وفي مقدمتهم المعتمد بن عباد الذي كان موضع ثقة يوسف بن تاشفين لكرم أخلاقه ولدوره المشهود في معركة الزلاقة، بل أن هذا الأخير جاهر بالعصيان وأعلن التمرد وتزعم بقية ملوك الطوائف الذين أجمعوا الخروج عن طاعته وعدم الأنقياد لأوامره، وتحقق ليوسف بن تاشفين بصورة قاطعة، أنهم بذلك إنما يسخرون من انتصار الزلاقة العظيم ، ويستهترون بالدماء المرابطية والأندلسية الزكية التي سالت على أرض الأندلس، لذلك فقد عبر للأندلس للمرة الثالثة وقام بكنس أولئك النفايات الحاكمة وخلص المسلمين منهم، ومحى ما رسموه من حدود على أشبارٍ من الأرض.

والغريب أنهم كانوا قد أجمعوا على مقاومته وعقدوا حلفا مقدسا ضده مع الفونسو السادس ألد أعداء الإسلام والمسلمين.

بيد أن ذلك لم يفدهم في شيء، فقد كنسوا جميعا إلى مزبلة التاريخ، وسيق المعتمد بن عباد إلى أغمان بالمغرب حيث ظل بها أسيرا إلى أن مات فقيرا نقيرا سنة 488هـ/1095م، فصنع العلمانيون من مأساته ضجة كبيرة، وبنوا على قبره ضريحا يزورونه سنويا، منافسين في ذلك إخوانهم من الروافض وغلاة الصوفية ، هذا رغم أن المرابطين لم يسيئوا معاملة المعتمد بن عباد وإنما عاملوه بما يستحق، وكل ما فعلوه هو تحديد إقامته، والحجر عليه – كما يحجر على السفيه والمخرف-.

ونتيجة لذلك ولعقيدتها الصحيحة السليمة، ورغم سجلها الجهادي الباهر، فقد تعرضت لأبشع حملات التشويه في التاريخ، مع النظرة الموضوعية المنصفة لتاريخ هذه الدولة المجاهدة تكشف عن مآثر حميدة تملأ الصفحات الطوال بأحرف من نور.

هذا عن ملوك الطوائف في الأندلس قديما.

 أما ملوك الطوائف الجدد: فلا تتسع لمخازيهم وفضائحهم عشرات المجلدات، وحدّث عن هؤلاء وأعمالهم السوداء ولا حرج ( قاتلهم الله أنى يؤفكون )

***

ملحق قصيدة في رثاء طليطلة لشاعر أندلسي مجهول:

لثُكلكِ كيف تبتسم الثغـورُ ** سرورًا بعدما سُبيت ثغـورُ

أما وأبي مصـابٌ هُد منـهُ ** ثُبـيرُ الدين فاتصل الثبـورُ

لقد قُصمت ظهورٌ حين قالوا ** أميـر الكافرين له ظهـورُ

ترى في الدهر مسرورا بعيشٍ ** مضى عنا لطيتهِ السـرور

أليس بنـا أبيّ النفس شهمٌ ** يدير على الدوائر إذ تـدورُ

لقد خضعت رقابٌ كنا غلبا **وزال عتوها ومضى النفيـرٌ

وهان على عـزيز القوم ذلٌ **وسامح في الحريم فتىً غيـورُ

طليطلةٌ أبـاح الكفـر منها **حماهـا إنّ ذا ذنبُ كبـيرُ

فليس مثالها إيوان كسرى **ولا منها الخـورنق والسديـرُ

محصنـة محسنـة بعيـدٌ ** تنـاولهـا ومطلبهـا عسيـرُ

ألم تك معقلا للدين صعـبا ** فذلّله كما شاء القديـــرُ

وأخرج أهلها منها جميعــا ** فصاروا حيث شاء بهم مصيرُ

وكانت دار إيمانٍ وعلـمٍ ** معالمهـا التي طُمست تنــيرُ

فعـادت دار كفر مصطفاةُ ** قد اضطربت بأهليها الأمورُ

مساجدها كنائس، أي قلبٍ ** على هـذا يقرُّ ولا يطـيرُ

فيا أسفاه يا أسفاه حزنــا **يكرَّرُ ما تكررتِ الدهـورُ

ويُنشر كل حسنٍ ليس يطوى ** إلى يوم يكون به النشورُ

أُديلت قاصرات الطرف كانت ** مصونات مساكنها قصورُ

وأدركهـا فتـورٌ في انتظارٍ ** لسر في لواحظـه فتـورُ

وكان بنـا وبالقينات أولى ** لو انضمت على الكل القبورُ

لقد سخنت بحالتهنّ عينٌ **وكيف يصح مغلوب قـريرُ

لئن غبنا عن الإخوان إنا ** بأحزان وأشجان حضـورُ

نذورٌ كان للأيام فيهم ** بملكهمُ فقد وفت النـذورٌ

فإن قلنا العقـوبة أدركتهم ** وجـاءهـمٌ من الله النكيرُ

فإنـا مثـلهم وأشد منهـم ** نجورٌ وكيف يسلم من يجورُ

أنأمن أن يحـل بنـا انتقـامٌ ** وفينا الفسق أجمعُ والفجـورٌ

وأكل للحرام ولا اضطرارٌ ** إليه فيسهلُ الأمـر العسيرُ

ولكن جرأةٌ في عقـر دارٍ ** كذلك يفعلُ الكلبُ العقـورُ

يزول الستر عن قومٍ إذا ما ** على العصيان أٌرخيت الستورُ

يطول على ليلي رب خطب ** يطول لهوله الليل القصير

خذوا ثار الديانة وانصروها **فقد حامت على القتلى النسورُ

ولا تهنو وسلوا كل عضبٍ **تهاب مضاربا عنه النحورُ

وموتوا كلكم فالموت أولى **بكم من أن تجارو أو تجوروا

اصبرا بعد سبي وامتحانٍ **يُلام عليهما القلب الصبور

فاما الصبر مذكار ولودٌ ** وأم الصقر مقلاتٌ نزورُ

نخور اذا دهينا بالرزايا ** وليس بمعجب بقرُ تخورُ

ونجبن ليس نزأر لو شجعنا ** ولم نجبن لكان لنا زئيرُ

لقد سائت بنا الاخبار حتى ** أمات المخبرين بها الخبيرُ

اتتنا الكتب فيها كل شرٍ ** وبشرنا بانحسنا البشيرُ

وقيل تجمعوا لفراق شملن ** طليطلة تملكها الكفورُ

فقل في خطةٍ فيها صغار ** يشيب لكربها الطفل الصغير

لقد صم السميع فلم يعولْ **على نبأ كما عمي البصير

تجاذبنا الأعادي باصطناع **فينجذب الممولُ والفقيرُ

فباق في الديانة تحت خزي **تثبطه الشويهة والبعير

وآخر مارقٌ هانت عليه ** مصائبُ دينه فله السعيرُ

كفى حزنا بان الناس قالوا **إلى أين التحول والمسيرُ

أنترك دورنا ونفرّ عنها **وليس لنا وراء البحر دورُ

ولا ثم الضياع تروق حسنا ** نباكرها فيعجبنا البكورُ

وظل وارفٌ وخرير ماء ** فلا قرٌ هنـاك ولا حرورٌ

ويؤكل من فواكهها طريٌ ** ويشرب من جداولها نميرُ

يُؤدى مغرمٌ في كل شهرٍ ** ويؤخذ كل صائفةٍ عشورُ

فهم أحمى لحوزتنا وأولى ** بنا وهم الموالي والعشيرُ

لقد ذهب اليقين فلا يقينٌ ** وغرّ القوم بالله الغـرور

فلا دينٌ ولا دنيا ولكن ** غرور بالمعيشة ما غرورُ

رضـوا بالرق يا لله ماذا **رآه وما أشار به مشيرُ

مضى الإسلام فابك دما عليه ** فما ينفى الجوى الدمع الغزيرُ

ونحْ واندب رفاقا في فلاةٍ ** حيارى لا تحطُ ولا تسيرُ

ولا تجنح إلى سلمٍ وحاربْ ** عسى أن يُجبر العظم الكسير

أنعمى عن مراشدنا جميعا ** وما أن منهمُ الا بصيرُ

ونُلقى واحد ويفر جمعٌ ** كما عن قانص تفْرُ حمير

ولو إنا ثبتنا كان خيرا **ولكن مالنا كرم وخيرٌ

اذا ما لم يكن صبر جميل ** فليس بنافع عدد كثيرٌ

الا رجل له رأيُ أصيلٌ ** به مما نحاذر نستجيرٌ

يكر إذا السيوف تناولته ** وأين بنا اذا ولت كرورُ

وطعن بالقنا الخطار حتى ** يقول الرمح ماهذا الخطير

عظيم أن يكون الناس طرا ** باندلسٍٍ قتيلُ أو أسيرُ

اذكر بالقراع الليث حرصا ** على أن يقرع البيض الذكور

يبادر خرقها قبل اتساع ** لخطب منه تنخسف البدور

يوسع للذي يلقاه صدرا ** فقد ضاقت بما تلقى الصدور

تنغصت الحياة فلا حياةٌ ** وودع جيرة اذ لا مجير

قليلٌ فيه همٌ مستكينٌ ** ويومٌ فيه شرٌ مستطير

ونرجو أن يتيح الله نصرا ** عليهم إنه نعم النصيرٌ


في الخميس 02 أكتوبر-تشرين الأول 2008 09:09:18 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=4241