قراءة نقدية في كتاب الإنجيل ..!
همدان العليي
همدان العليي

أوقن بأنه لا يجوز قراءة أي كتاب مُقدس قراءة نقدية ، كون الكتب المُقدسة كُتب سماوية أُنزلت من عند الله عز وجل ، وليست نتاج مُخيلة قاص أو قريحة شاعر .

و لكنني اليوم عندما أتحدث عن " إنجيل " القرن الواحد و العشرين ، و تحديداً "إنجيل العهد الجديد" ؛ فإني أتحدث عن مؤلَف موضوع من بشر ، و تحريفاً لما أنزله عز وجل ، كما أنه - في رأيي - لا يحمل من الكتاب المُقدس غير الاسم و قليل من القواعد التي توحدت فيها جميع الكتب السماوية المنزلة ..!

كما أني هنا لن أتطرق للكم الهائل من المُغالطات التاريخية الذي حملها الكتاب ، من بداية افتراءات الكتاب حول نسب عيسى ابن مريم عليه السلام ، و السقطات الأخلاقية التي نُسبت لأنبياء الله - حاشا أن يكونوا كما قالوا- وصولاً إلى أكذوبة التنين و المرأة ، و سأحاول فقط ، تسليط الضوء على الجانب الأدبي للكتاب و الذي أستطيع أن أسميه المجموعة القصصية و التي بعنوان " الإنجيل العهد الجديد " دون التطرق إلى مجموعة الشخصيات التي شاركت في تأليف هذه المجموعة القصصية ، لأننا ببساطة لن نستطيع تحديدهم لكثرتهم على مر العصور فلكل زمان بصمة من مُعاصريه ، حتى تم اعتماد الأناجيل الأربعة المعروفة اليوم ، و المجموعة في كتيب الإنجيل ( متّى ، مرقس ، لوقا ، يوحنّا ) ، في حين قد تم إلغاء ما أسموها بالأناجيل المزورة من قبل قساوسة الفاتيكان..!

بدايةً .. استُهِل الكتاب بمقدمة من واضعيه ، كأي كتاب يحمل في طياته رسالة موجهة ، كما أشارت هذه المُقدمة إلى محتوى الكتاب بإيجاز .

و بعيداً عن التناقضات و الاختلافات الجوهرية فيما عدها المؤلفون حقائق ، لوحظ اختلاف نسبي في أسلوب الطرح و السرد للأحداث ، فقد غلب على الكتاب أسلوب السرد البسيط السهل ، و الذي يُشير إلى أن كاتبه عبارة عن هاوٍ لسرد قصص الأطفال و التي تُحكى غالباً قبل نومهم ، أو التي تُعلمهم على القراءة ..!

فمثلاً : لا يخلو سطر من الكتاب إلا و وجِدت أدوات و جُمل الإشارة للفعل أو الواقعة أو للقول أو الزمان أو المكان و بشكل ممتهن و ملفت في أغلب السطور مثل :

( و كان التلاميذ ، و كان رؤساء الكهنة ، و قال يسوع للجموع ، و خرج من هنا و جاء إلى بلده ، و كنّا في أحد الأيام ذاهبين إلى الصلاة ، فوقف بطرس مع التلاميذ ، و تمّت عجائب و آيات كثيرة ، إلى ما لا نهاية ).

و ما أعنيه هنا و كرأي خاص بي ، أنّ امتهان هذا الأسلوب في السرد القصصي غير مُحبذ و يُعتبر ركيك لدى القارئ الذي يقرأ لأي مؤلف من مؤلفي القصص و الروايات سواء كانت عالمية أو إقليمية ، في المُقابل قد يكون الكتاب مستساغًا من قِبل المبتدئين في القراءة ، و لن أجحف في حق أحد إن قلت أنَّ هذا الكتاب قد يكون مناسباً لصغار السن ، بالرغم أن مؤلفي هذا الكتاب حاولوا أنّ يظهروا كتابهم بشكل بليغ كما قالوا في مقدمة الكتاب ..!

كما أنه من الأشياء القليلة التي قد ترشح الكتاب للقراءة من قِبل البعض ، هو احتواؤه على أقوال فلسفية أو حكيمة ، تذكرني بأقوال بعض الحكماء و الفلاسفة و حتى المؤلفين مثل " سقراط ، و أرسطو ، و داون براون ، أو أوسكار وايلد ) و من هذه الحكم و المقولات :

( فمن يأخذ بالسيف بالسيف يهلك ) متّى 26 : 52

( أيأخذ إنسان نارا في حضنه ولا تحترق ثيابه. أيمشي إنسان على الجمر ولا تكتوي رجلاه. )أمثال 6: ‏‏27 و28‏

( ظالم الفقير يعير خالقه ويمجّده راحم المسكين.) أمثال 14: 31‏

( البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية ) مثال 14: 34‏

( مقاصد بغير مشورة تبطل وبكثرة المشيرين تقوم. ) أمثال 15: 22‏

و في رأيي أنه قد نتج عن هذا الخلط بين أسلوب السرد البسيط و بين الأقوال الفلسفية و التي قد تكون مقتبسة من حدود حُددت في كتب سماوية أو مقولات لبعض الحكماء و المفكرين ؛ مركّباً أدبياً يفتقر إلى ترابط المحتويات ، كما أن هذا الترقيع و التركيب يُضعف من موضوعية الرسالة التي يهدف إرسالها المؤلفين عبر هذا الكتاب .

من جهة أخرى ، و بهدف التأسي بالكتب المُقدسة و المُنزلة من السماء ، حاول مؤلفي كتاب الإنجيل الجديد حشو الكتاب بأمثلة بدا على بعضها الغرابة في الوصف و التشبيه ، ففي ( متّى 24، 25 ) شبهوا المسيح باللص كما جاء :

" فاسهروا ، لأنكم لا تعرفون أيَّ يوم يجيء ربكم .

43 و أعلموا أنَّ رب البيت لو عرف في أيَّة ساعةٍ من الليل يجيء اللص ، لسهر و ما تركه ينقب بيتهُ .

44فكونوأنتم أيضاً على استعدادٍ ، لأن ابن الإنسان يَجيءُ في ساعةٍ لا تنتظرونها "

قد تكون هذه الأمثلة محط إعجاب بعض المتذوقين ، لكن ستبقى هذه المؤلفات غريبة ، و لا تمثل إلا عقليات أصحابها ، ولا يمكن أن تكون منهجاً تقتدي به المُجتمعات .

hamdan_alaly@hotmail.com


في الأربعاء 10 سبتمبر-أيلول 2008 01:19:44 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=4148