عن الفكر ... وضخ النفط في عروق الثقافة العربية
إبراهيم مثنى
إبراهيم مثنى

عن الفكر ........ وضخ النفط في عروق الثقافة العربية

"فكر فيما سيكون عليه شعورك في الغد... فالأمس قد مضى.. واليوم يوشك على الانتهاء.."

     

أن نركز اهتمامنا على الفكر فهذا ليس ترفاً وأن نسد الفراغ الذي تعيشه الثقافة العربية هذه الأيام فذلك ليس ضياعاً للوقت والجهد بل حتمية أجزم أننا نحتاج جميعا فيها إلى إعلان حالة استنفار في مجتمعاتنا نعيد فيها الحياة لأطلال الثقافة التي نسيناها منذ زمن و أصبحت مقتصرة على النخب التي تعيش في دوائر ضيقة و نراها تغادر أبراجها العاجية من حين لأخر و لكن ما تلبث أن تعود دون أن يجني الثمار المواطن البسيط أو الشاب المتطلع لمستقبل أفضل.

حضرت في ديسمبر من العام المنصرم مؤتمر الفكر العربي السادس الذي احتضنته العاصمة البحرينية المنامة وقد أشار فيه عدد من قيادات العالم العربي إلى أن الوقت قد حان لتلبية نداء المفكر العربي محمد جابر الأنصاري بضخ النفط في عروق الثقافة العربية و أننا لابد أن نبدأ بخلق تحالف إستراتيجي بين رأس المال و الفكر في العالم العربي تنهي حالة الجفاء بينهما لخلق واقع فكري و ثقافي أفضل، نحن في أمس الحاجة له الآن.

وكما يقال أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً، فمن المُلزم علينا الآن الإجابة عن كثير من التساؤلات الملحة التي تُطرح حول مجتمعاتنا على شاكلة لماذا البحث العلمي لا يكاد يذكر في عالمنا العربي؟؟؟ لماذا لا نقرأ؟؟ كيف نجد حلولاً جذرية للامية في مجتمعاتنا؟؟ متى؟؟ كيف؟؟ لماذا؟؟ و غيرها من الأسئلة الكثيرة التي تطرح من صميم المجتمع و تحتاج لتحرك سريع قبل أن يحترق مئات الآلاف بلظى هذه الفجوة الفكرية كما أحترق قبلهم الملايين.

قد يتهم البعض كاتب هذه السطور بالتشاؤم و بأنه يحتاج لخلع نظارته السوداء قبل أن يرى الواقع، وكم وددت لو كان هذا السبب ولكن هذا للأسف هو الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه بعد أن قمنا من سباتنا "الفكري" الطويل لنجد أن هابيل عاد اليوم ليقتل أخاه باسم الطائفية هنا و يفجر نفسه بين أهله بتبرير من أدوات الفكر الظلامي المتطرف هناك.

 و السبب الواضح هو في الفجوة الفكرية و الثقافية التي يعيشها الجيل الجديد من الشباب و التي أدت إلى أزمة هوية متأصلة في وجدانه تدفع للبحث عن أن أي وعاء فكري بديل صالحاً كان أم فاسداً ليستقي منه أفكاره التي تقود بعضهم إلى الهاوية و البعض الأخر يصبح قنابل بشرية متغلغلة بين ثنايا المجتمع.

الأمر يمتد ليصل إلى ثقافتنا العلمية التي تقبع في وضع لا تحسد عليه، فالبحث العلمي في العالم العربي يعيش منذ زمن حالة موت سريري مقارنة بما وصل إليه العالم من تقدم تقني وعلمي في شتى المجالات و أصبحنا نحن مجرد سوق مستهلكة لمنتجات الحداثة دون أن نحرك ساكناً لتطوير البحث العلمي و أدواته في شتى المشارب و الاهتمام بقطاعات أخرى غير قطاع النفط المسيطر علينا منذ عقود في أغلب الدول العربية.

المشكلة بالطبع ليست في لعنة كُتب على الفرد العربي أن يعيشها، فهذا الفرد يظهر تفوقه إذا هيئت له البيئة و المناخ المناسبين للتفوق، فزويل، معلوف، أركون ..... وغيرهم من النخب العربية التي استُقطبت للغرب ليست عن الذكر ببعيدة.

ليس "بالنفط" وحده يحيا الإنسان، لذا فالتنمية المدنية والتقدم العمراني يجب أن يوازيه تقدم ثقافي و نهضة فكرية و إلا قاد تقهقر أحد المتوازيين عن الأخر إلى عواقب لا تحمد عقباها نعرفها نحن العرب أكثر من غيرنا.

 أعتقد أننا بأمس الحاجة إلى مشروع ثقافي عربي متنور و منفتح على الأخر يخرجنا من الويلات التي عشناها هنا و هناك في عالمنا العربي و يساعدنا على مواكبة العصر و الانفتاح على الشعوب الأخرى و الاستقاء من المزيج الثقافي في عالمنا المتعولم الذي لم يعد فيه للمنغلقين مكان.

اليوم ونحن على أعتاب مؤتمر الفكر العربي السابع "فكر7"، تقف مؤسسة الفكر العربي أمام مسؤولية تاريخية عظيمة تجاه الفكر و الثقافة و هذا الحدث بحد ذاته امتحان صعب لها يجب أن تثبت من خلاله عن فعاليتها في الاستفادة من تجارب السنوات الماضية من خلال التقييم و الدراسة الجادة لما قدم و سيقدم في السنوات القادمة و الأهم من ذلك كله عن قدرتها في خلق نوع من التغيير الإيجابي في خارطة مجتمعاتنا العربية.

  تقول الحكمة الهندية "لاتعد كم ثمرة قطفت، بل كم بذرة زرعت" و لهذا فليس من المهم أن نعد كم مرة تضاعفت أسعار النفط في السنين الماضية و كم من المليارات قطفنا من هذه الطفرة و لكن الأهم هو أن نساءل أنفسنا كم زرعنا و ماذا أعددنا لأبنائنا و للأجيال القادمة من بعدنا.  

 " آن الأوان كي نضخ النفط في عروق الثقافة العربية" قالها الأنصاري يوماً و رددها في فكر6 رئيس شركة أرامكو عبد الله جمعة و رددها الكثيرون من قبل و من بعد و نحن كشباب متطلع للمستقبل نقول فعلاً، لقد آن الأوان لنبني لبنات نجاحنا و تقدمنا بأيدينا وليكن "فكر" هو المشعل الذي يقودنا إلى نهاية هذا النفق المظلم.

 في حياة الناس تيار ،
إذا استغل عند المد قاد إلى الحظ والرفاه ،
فإذا ما أهدرت الفرصة ستكون رحلة الحياة كلها
محكومة بالشقاء والعيش في الظلام .
وفي مثل هذا البحر الزاخر نبحر الآن ،
فإما أن نركب التيار حين يخدمنا المد ،
أو نخسر الرهان .....

....... وليم شكسبير

 


في السبت 16 أغسطس-آب 2008 12:42:11 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=4059