بين قصيدتين 1-3
د.عبدالمنعم الشيباني
د.عبدالمنعم الشيباني

بيني وبين القصيدة أكثر من موعد يجمعنا ،هي أنا والعكس بالعكس ، والقصيدة ظلٌ يلازمني ورسمٌ لا يفارقني، والقصيدة أكثرمن المرأة وفاءً وأشد منها إخلاصاً ، تزوجتني فأحبتني من دون النساء، رأتني جميلاً ولم تبحث عن وسامةٍ فأ نا من غير وسامةٍ ،وعشقتني من دون الغواني " أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري " ، وتزوجتني من دون النساء وعلي ً ألا أتزوج عليها، تسامرني وأسامرها و " تبيت معي رغبةً من شواظٍ تعاكس ليلي وتصبح تطلبني في نهاري. "

وبيننا نحن كذلك ، انا وهي -أعني القصيدة- إذ طلع علينا رجلٌ من أرض الحجاز وعاصمتها اليمامة مبشراً بالإنجاز حاملاً في يده اليمنى شهادةً وفي اليسرى قصيدةً منظومةً تحكي قصته مع العلم والسهر حتى توج بتاج النصر والظفر والأمل ،ثم إني هنأته كما يهنئ الأخ أخاه والصديق صديقه والصاحب صاحبه وقد بدالي أن صاحبي معتزٌ بمنظومته الشعرية أكثر من اعتزازه بالشهادة - هكذا بدا لي، والقصيدة المنظومة تصور اجتهاد صاحبي وكفاحه مع العلم والسهر وطلب العلى وقد جاء فيها:

خَمسٌ من السنواتِ مرتْ هاهُنا

فكأنها خَمسٌ من الـسَاعاتِ

خمسٌ من العُمرِ الجميلِ نثرتُها

في هذه الأركانِ والقاعاتِ

ما بين بحثٍ أو نقاشٍ مثمرٍ

في الفصلِ أو في فُسحةِ الندواتِ

ورَجعتُ (أبتلُ) من جديدٍ علني

اسقي ندى المحصولَ والغلاتِ

وأزاحمُ العلماءَ في حَلقاتِهم

لأراجعَ الأفكارَ والكُرساتِ

ناضلتُ.. ناورتُ حتى استنفدتْ

ما عندي من مؤنٍ ومن طاقاتِ

واليومَ أرسي للنضالِ نهايةً

كبرى, وأرفعُ عالياً راياتي

واليومَ أُنهي رحلةً مُضنيةً

لكنها من أروعِ الرحلاتِ

لو كان أمري في يدي لمددتُها

عشرينَ أو عشراً من السنواتَ

ما كنتُ أرجو أن أُغادرَ قاعةً

حققتُ فيها جوانباً من ذاتي

ما كنتُ أنوي أن أغادرَ أمةً

سكبتْ عليََّ الحبَ والقبلاتِ

خمسٌ من السنواتِ قد أمضيتُها

في صُحبةِ العلماءِ والقاماتِ

خمسٌ من السنواتِ مرتْ هاهنا

فكأنها خمسٌ من الـساعاتِ

خمسٌ من الزمنِ الجميلِ قضيتها

فكأنها تخزينةٌ بالقاتِ

والقصيدة -كما قرأنا- تشبه في بحرها (قصيدة القات) أو بالأصح( قصيدةً في ذم القات) للداعية الراحل- رضي الله عنه- الشيخ محمد بن سالم البيحاني (1908- 1972(، إمام وخطيب مسجد العسقلاني بعدن ، والتي منها هذه الأبيات:

إن رمتَ تعرف آفة الآفاتِ

فا نظر إلى إدمانِ مضغِ القاتِ

القاتُ قتلٌ للمواهب والقوى

ومولدٌ للهم والحسراتِ

ينساب في الأحشاء داءً فاتكاً

ويعرض الأعصابَ للصدماتِ

يذر العقول تتيه في أوهامها

ويذيقها كأس الشقاءِ العاتي

كما قرأتم معشر السادة قصيدة صا حبي من نجد أرض الحجاز بديعةٌ ولا غبار عليها ، واضحةُ الأفكار جليةُ المعاني ومستقيمة المباني وسليمةٌ في بحرها ووزنها ولا اعتراض على القصيدة فقد أحاطت بشروط الوزن والبحر وهي والله ليست بأ قل مستوى من أي قصيدة للشاعر السعودي عبد الرحمن العشماوي ، شرح فيها صا حبنا المثابر والخريج دأبه مع العلم والإستذكار وكيف مرت أيام الإجتهاد والمطالعة وكأنها لحظة أو ساعة أو جلسة تخزينة قات. لا عيب في قصيدة ابن طاهر- في أرض الحجاز- سوى البيت الأخير من وجهة نظر الشيخ البيحاني( رحمه الله) الذي ذم القات ذماً شديداً في قصيدته الشهيرة ، ولكن لا بأس أن نتلمس للمخلافي عذراً في التصوير وسبباً للتشبيه، فلعله أراد بيان المقارنة بين لحظتين أو زمنين، زمن الدراسة وأمد الماجستير وزمن جلسة تخزينة قات ، ونتلمس له العذر الأكبر إن كان القات من الصنف المليح الصبري أو الماوية أو الشامي أو الذحلة أو من نوع القات العوني أو الكلاوت الذي يجعلك تتخيل " بجاشة " ابنة عمك بجوارك.

وما ذا بعد يا عبد الملك طاهر المخلافي؟؟ هآنتذا أنجزت الماجستير وغداً إن شاء الله تحوز درجة الدكتوراه وما ذا بعد ؟؟ هب أن معك مائة شهادة ماجستير ومثلها ومثلها شهادات دكتوراه ، األا ترى أنك تحدثني وكأنك مواطنٌ من مواطني دولة السويد أو اسكندنا فيا ؟ هب أن معك ألف شهادة وشهادة - على وزن ألف ليلة وليلة - ما تنفعك القراطيس في أوطان بني يشجب بن يعرب؟؟ أم أنك من مواطني فنلندا و عاصمتها هلسنكي؟؟ بل كأنك مواطنٌ سويسري من مدينة جينيف عاصمة الاحلام. هل تعلم يا ابن عزيزة -التي في المخلاف -أن من أهل القراطيس والشهادات في أوطان يشجب بن قحطان مشردون ليس لهم بيوت وأنهم أكثر تشرداً من لاجئيي راوندا وبروندي ، فلتفرح بقراطيسك أو قرطاسك او شهادتك وحدك واحتفل بها وحدك " فإني إلى رأي ٍسواكم لأميلُ" كما قال شاعر العرب الشنفرة، ثم دعني أخالفكَ الرأي والفكرة والقصيدة ، كيف يكون لنا الحرمان والتعب والسهر والكد والجد ولغيرنا - يا ابن التي في المخلاف التعزي - الهمسات واللمسات و الحلمات - أستأذن الجمهور بكل أدب ولياقة وكياسة وأاستسمحه التعبير، فعنوان قصيدتي ليس " في صحبة العلماء" بل "البحث عن الذات في نشوة الحلمات"، أقول فيها:

ضيعتُ في عمرِ القراءة ذاتي

وخسرتُ في رجع المدى صرخاتي

ذرني من الأوراق كل شهائدي

حبرٌ على ورقٍ بلا غاياتِ

العقيمِ صحائفٌ ذرني من الحبرِ

طالعتُها أسفاً على صفحاتي

ألنا عيونُ السهدِ من دونِ الورى

فلمن عيونُ الهمسِ والقبلاتِ؟

 )وسلِ المتيمَ) أعزبٌ من أهلهِ

بيني ونجوى أبعد الغاياتِ

وسل المتيمَ) كيف يقضي ليلهُ)

مثل اليتيمِ بحضرةِ الأمواتِ

 ولقد رأيتُ كأنني أبكي هنا

وبأن دمعي فائضُ العبراتِ

وتفرٌ نجوى كلما دانيتُها

وتفرُ مني نشوةُ الحلماتِ

ولقد رأيتُ كأنني في محنةٍ

أبكي ولا ألوي على آهاتي

 ورأيتُ بين الأخضرين كأنما

 إنسيةٌ في طيف غصنِ القاتِ

قلتُ المليحةُ هاتها غصنُ الندى

رطبٌ وهيهات الندى هيهاتي

فرت ولم أمسك بغير سحابةٍ

جدباء يمطر زيفُها حسراتي

مالي أنا والعلم عمرٍ زائلٍ

 أبليتُ من أوقاته أوقاتي

ماذا أفيد من المداد لقيتُهُ

وأنا المضيعُ في فلاةِ فلاتي

والهندُ من بحر الطوائفِ أبحرٌ

وأنا المتيمُ ما لقيتُ فراتي

دنفٌ فما مست بناني عاشقاً

للحمِ أو مست شفاه نباتي

قل للحمامةِ أيُ عيلٍ أشقرٍ

طارت ولم ترجع بغير رفاتي

 فلمن نروم العلم يا ابن َعزيزةٍ

 فصلاًعقيماً باهتَ الحلقاتِ

 ( خلي يديً فلستُ من أسراكِ)

فحياةُ قلبي أن تعود( حياتي)

كيف تريدني أن أوافقك الرأي يا عبدالملك وأنا هنا في بلاد المجوس متزوجٌ بين العزاب وأعزب بين المتزوجين ؟ بل كيف تطمع مني أن أوافقكَ الرأي وأن أشيد بقراطيسك وشهاداتك وبيني وبين " ولادة " بعد المشرقين ومجمع البحرين ؟ إفرح أنت وحدك وأمثالك من( القراطيسيين )الفرحين بالورق التي لا تلد غير القحط الساهر أو الإستذكار العاقر ودعني أنا إلى أحضانِ قصيدةٍ ولادةٍ لعلها تخفف عني أو تسلو مابي من الشوق البعيد والحزن الأكيد.. ،، قلت انعموا وحدكم معشر القرا طيسيين وينعم غيركم بالسدود والنهود،، تتمنى الغواني في بني شيبة أن تتزوج (الشيخ علي مدهش ) ولو شهراً لأنه شيد قصراً وأعلى خورنقاً وأعلينا نحن أوهاماً وقراطيساً نسميها أمجاداً وليست بأ مجاد في أوطان( بني عبد اللامع ) ، فهل تخرج علي مدهش من هارفارد أم من نيفادا ؟؟ ثم اهنئوا بقراطيسكم المتطايرة في هواء اليأس العربي أيها المتعلمون والأكاديميون والدكاترة والعمالقة والاباطرة ولغيركم من(بني عبد اللامع والصافع) المن والسلوى تجري من تحتهم آبار النفط ولا نفط للكادحين ولا للمشردين من قبائل راوندا وجارتها بروندي ، لنا ولكم القرطاس البليد نسميه شهادة عليا ولهم النعيم المستفيد الممتد من شرق النفط إلى غربه ومن جنوب الفيد إلى شماله،، ولهم النعيم المقيم والجمال المستديم الممتد من الحمرة إلى الحمرة ومن حدود البياض إلى تخوم بني الأشقر والاصفر، يا بن طاهر بل يابن عزيزة أي جدوى لهذه الأوراق وتلك القراطيس تتطاير كا لجراد وهي أعجز من أن تملك نصف شبر في تخوم بني الأشقر ، لا تجعلني أسترسل أكثر من هذا ودع القصيدة وحدها تفعل.

أستاذي عبد الملك..... بين قصيدتين تفترق أفكارنا وبين قصيدتين يتباين المعنى ويتعارض ، فلربما جمع رجل الأعمال ذمار علي الآلاف المؤلفة في لحظةٍ شفهيةٍ أو توقيعٍ عابرٍ أو صفقةٍ عفويةٍ ، فماذا جمعنا نحن؟؟ بل كم خسرنا من أعمارنا وأوقاتنا ثم لم نجمع سوى هذا القهر يرتد إلى صدورنا وذلك الكمد يقتلنا فلا يميتنا ، أكتب إليك من الهند من دولة الأف مليون هنديةٍ من حريرٍ طويلٍ طويلٍ وليس في يدي خاتمٌ من حديدٍ ولا خصلةٍ من حرير.

*في الحلقة القادمة (2) انتظروني بإذن الله مع الدكتور غازي القصيبي.

والآن هذا إهداءٌ شاعريٌ لك ياعبدالملك وللجمهور العزيز:

يرصدني قمرٌ

على بُعد عا شقةٍ في الزجاجِ المقابلِ يرصدني قمرٌ

كلما رحتُ ألمحهُ يتوارى وراء الكتاب

وهل قمرٌ فارغٌ للقراءةِ

أو مغرمٌ بالتذكرِ

أو مجهدٌ وقته بالحساب ؟؟

أم الحبُ نرسله من وراء السطورِ

وعبر الثغورِ

ومن خلفِ ساترةٍ أوحجاب ؟؟

*شاعرٌ يمنيٌ وباحثٌ في الأدب الإنجليزي الرواية

Abdulmonim2004@yahoo.com


في الثلاثاء 12 أغسطس-آب 2008 12:04:08 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=4045