الرسول الأكرم بين رقي الدبلوماسية وفرية الإرهاب
أحمد البابلي
أحمد البابلي

مأرب برس - خاص

لو علم من تعرض بالإساءة لمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما تميزت به هذه الشخصية من سمو ديني ورحمة إنسانية وصفات ربانية وأدب جم وخلق سماوي واعتدال فطري وكرم وشجاعة وعدل وإنصاف وحكمة وحلم وحياء وحزم وتواضع ورأفة.

لو علموا بعضا من ذلك لما سولت لهم أنفسهم التطاول على مقامه الشريف ليس تهديدا ولكن من ادعى انه بفعله هذا يمارس حرية التعبير يجب أن يعترف أنه لم يمارس هذه الحرية في معرفه وقراءة ما اتصف به نبي الرحمة من صفات وفضائل وإنما اصدر حكمه على تصرفات الإسلام منها براء ونسبها زورا وبهتانا إلى شخصية الرسول الكريم خدمة لأهداف إستراتيجية منها استهداف الإسلام بصورة أشمل .

وبالتالي فإنه لن ينتقص من قدر رسول الله – فربه قد كفاه المستهزئين - ولكن ثقافة من استهدفوه هي الناقصة.

أوذي رسول الله في حياته بوقائع كلنا نعلمها ، فما كان مصير من آذاه ؟ لقد أٍسلم اليهودي الذي كان يضع الأذى أمام منزله لما عاده النبي في مرضه وأسلم كفار قريش عندما قال لهم في فتح مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء وأسلمت ثقيف عندما دعى لهم رسول الرحمة بالهداية بعد أن أدموا قدميه الشريفتين في الطائف ، عكس رسول الله الأذى بالحسنى والسيئة بحسن الخلق وجسد رسالته في رد فعله وكظم غيظه وسماحته وضرب مثالا لأمته في حسن تعامله وبعد نظره وكم نحن بحاجة لهذا المثال .

وإذا كنا نلوم من أساء إلى رسولنا فيجب علينا أن نلوم أنفسنا أيضا فهل صلينا عليه كما أمرنا عند ذكرنا له وهل تذكرنا ميلاده وبعثته وعناءه ومعاناته وألمه وخذلانه من أهله وقومه وهل تذكرنا هجرته وإسراءه ومعراجه وجهاده وصبره وعلمه وعمله وحزنه وفرحه وغضبه ورضاه وهل بكينا لذكرى وفاته وهل أحببناه لنحشر معه وهل أنزلناه منزلته واقتدينا به ، لوفعلنا كل ذلك لما ابتلانا الله بما اقترفه الدنماركيون.

تذكرت ذلك وأنا أقرا كتاب( دبلوماسـية النبي محمد ) الذي ألفه أستاذنا الكبير / د. سهيل الفتلاوي أستاذ القانون الدولي في جامعة صنعاء سابقا وبغداد حاليا وقد عرض في هذا الكتاب بشكل أكاديمي شيق الملامح الدبلوماسية التي اتصف بها الرسول الأكرم في دراسة مقارنه بالقانون الدولي المعاصر ، كنت أشعر وأنا أقرا الكتاب مقدار الظلم الذي وقع على شخص رسولنا الكريم وكيف أن الصفات الدبلوماسية الراقية التي اتصف بها هي أبعد ما تكون عن الإرهاب والعنف حتى في حروبه التي ما خاضها تكبرا ولا تجبرا ولكن أغلبها دفاعا عن النفس لحماية العقيدة والدين الجديد في ذلك الوقت.

قد لا يعلم الكثير أن أقرب ترجمه لكلمة الدبلوماسي – اللاتينية- إلى اللغة العربية هي كلمة الرسول وهو من ينقل رسالة من مرسل إلى مرسل إليه فكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير رسول من إله الكون إلى خير أمة أخرجت للناس وكانت الرسالة هي خير الكتب القرآن وخاتم الأديان الإسلام .

فضل على فضل وخير على خير فقد تشرفت الدبلوماسية بأن يكون رسول الله خير من يحمل اسمها.

ولما كان اختيار الدبلوماسي يجب أن يتم بعناية ليمثل بلاده خير تمثيل ، فإن كل معايير الاختيار انطبقت على شخصية الرسول الكريم بالإضافة إلى معايير النبوة فمن معايير الدبلوماسي مظهره و شخصيته وكياسته وحسن معاملته مع الناس وفي هذا السياق فقد كان رسول الله مثالا في كل ذلك فقد كان عليه الصلاة والسلام جميل الطلعة وكان يهتم بالنظافة ويحض عليها وبالمظهر أيضا فهو يشذب لحيته الشريفة ويكحل عينيه ويستخدم ما تيسر له من العطور وهذه الملامح الخارجية كان لها الأثر الكبير خصوصا عند استقباله للوفود من خارج دولة المدينة.

وبالإضافة إلى المظهر فإن شخصية الدبلوماسي وفصاحته وحسن تصرفه تمكنه من تحقيق أهدافه والتأثير على من يقابله وكيف لنا أن نجد من هو أفصح لسانا ولا أبلغ حديثا ولا أرق معشرا من الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ويوجد الكثير من الأحاديث الصحيحة التي أشارت إلى أفعال وردود أفعال رسول الله الرصينة على الأحداث وتوجيهاته السديدة لأصحابه والتي تدل على الرقي في التعامل والتي كان لها الأثر الكبير في محاوريه وزائريه وحتى أعدائه و الامثله على ذلك لا تعد ولا تحصى مثل حديث الأعرابي الذي بال في المسجد وقصة المباهله مع مسيحيي نجران وعفوه عن الصحابي حاطب بن أبي بلتعه بعد أن ارتكب ما يوصف في العصر الحاضر بالخيانة العظمى قبل فتح مكة وكذلك تعامل الرسول الأكرم مع أسرى غزواته ومع من أساء إليه كما أسلفنا . فهل من يتسم بكل هذه الصفات يلجأ إلى التحريض على العنف ؟ لماذا ؟ وحسن تصرفه وحلمه تؤتي بثمار لا تبلغها الأسلحة وإراقة الدماء.

وفي مجال العلاقات (الدولية) مع الدول المجاورة للجزيرة العربية نتذكر من أرسلهم الرسول إلى الحبشة والذي أوصاهم بأن فيها ملك لا يظلم عنده أحد حيث كان لهذه الوصية وقع كبير في قلب النجاشي عندما أرسلت قريش وفدا لاستلام من فروا من أصحاب رسول الله المستضعفين في ذلك الوقت ومحاجة جعفر بن أبي طالب لعمرو بن العاص والنجاشي والتي كانت مضربا للمثل في الفصاحة والجزالة وقوة الإقناع التي حققت الأمن لصحابة رسول الله في ذلك الموقف المهيب.

وفي ما يتعلق بالمراسلات والمكاتبات فقد مارس رسول الله مهام رجل الدولة عندما قام بإرسال الكتب إلى الملوك والأمراء وزعماء القبائل وكانت مضامين تلك الكتب تحمل بجانب الدعوة الدينية الحنكة السياسية والدبلوماسية من حيث الترغيب والترهيب والضغط للحصول على الأهداف والدليل أن معظم هذه الكتب أدت مفعولها المراد منها بنجاح فقيصر عظيم الروم توقع بتمكين الدين الجديد فور قراءته لكتاب رسول الله والمقوقس عظيم القبط رد رسالة الرسول بخير وأهداه الجاريتين الذي تزوج الرسول أحداهما ..

كان رسول الله يستقبل وفود القبائل العربية فهو أعرف الناس بأسلافها وأعرافها وحتى لهجاتها وهو ما نسميه ثقافة الدبلوماسي ولا ننسى أن رسول الله أرسل إلى اليمن الإمام علي بن أبي طالب والصحابي معاذ بن جبل حيث أن فطنة رسول الله ومعرفته بأهل اليمن جعلته يرسل من صحابته إلى اليمن من اشتهر بغزارة العلم والإيمان وقوة الحجة وليس قوة السلاح والدليل أن اليمانيين بهذه النوعية من الصحابة وردت على رسول الله وفودا ومجاميع معلنة إيمانها بالله ومسلمة بدينه وهذا يؤكد من بين معاني كثيرة ذكاء رسول الله ( الدبلوماسي) في اختيار مبعوثيه.

وحسن الاختيار هذا انطبق على الصحابي الجليل عثمان بن عفان عندما أرسله رسول الله إلى كفار قريش في صلح الحديبية فحكمة رسول الله الدبلوماسية كانت تعرف أن بني أمية هم سادة قريش في ذلك الوقت وإرسال صحابي من نفس القبيلة قد يفضي إلى نتائج قد لا يحققها صحابي من قبيلة أخرى ليكتب بعد ذلك صلح الحديبية بمضامينه التي نعرفها جميعا والتي اعترض عليها كثير من صحابة رسول الله الأخيار لعلمهم بأنهم قادرون على دخول مكة بالقوة ، لكن الحكمة النبوية و المرونة الدبلوماسية الفذة التي أصر بها رسول الله على كتابة الصلح برهنت على أن كتابة أول اتفاقية سياسية ودينية في الإسلام بتلك الشروط المجحفة من وجهة نظر الصحابة هي نفسها الوثيقة إلي كان لها ما بعدها والتي أعلنت انتهاء آخر صروح الكفر في مكة وتمكين رسول الله من دخولها بعد أعوام قليلة .

أي انتصار دبلوماسي باهر هذا وأي عبقرية سياسية هي التي تحقق أهدافها بنسبة نجاح مطلقة.

كيف يحمل شخص كل هذه الصفات الراقية- المكملة لخلقه الرفيع-وهذه العقلية الإنسانية في التعامل مع الخصوم ويكون إرهابيا أو داعية عنف بل إن كل ما ذكر كوقائع تاريخية موثقه هو دليل إثبات على كذب ما زعم به منادوا حرية التعبير.

إن توضيح هذه الصفات الإنسانية لغير المسلمين هي ما يؤثر في نفسيتهم و معتقداتهم وليس مقاطعتهم مقتدين بفعل الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.

إنني أجزم أن ما يخافه الغرب منا ليس المقاطعة بل المحاججه ومقارعة الحجة بالحجة ، إذ أن أعداد المسلمين المتزايدة في أوروبا هي بسبب الدعاة المصلحين الذين بينوا حقيقة الإسلام المتسامحة وليس بسبب الإرهابيين الذين خدموا أعداء الإسلام من حيث يدرون أو لا يدرون أيكون الإرهاب هو الرد الذي علمنا رسول الله بالقطع لا .

تماما كما فعل الدعاة اليمانيون الأوائل عندما أدخلوا (بفضل الله) أكبر الدول الإسلامية سكانا في الوقت الراهن في الإسلام ، ليس بعنفهم وإنما بسماحتهم وطيبتهم التي مثلت جوهر الإسلام النقي والتي جعلتهم خير سفراء ومبعوثين لدينهم أسوة بالمعلم الأول ومنبر الدبلوماسية الأسمى .

وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي بوصفه حين مدح رسولنا الكريم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام عندما قال في رائعته (ولد الهدى) :

زانتك في الخلق العظيم شمائل  يغري بهن ويولع الكرماء

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت مالم تفعل الأنواء

وإذا عفـــوت فقادرا ومقدرا لا يستهين بعفوك الجهلاء

وإذا غضبت فإنما هي غضبة  في الحق لا ضغن ولا بغضاء

وإذا رضيت فذاك في مرضاته ورضى الكثير تحلم ورياء

وإذا أجرت فأنت بيت الله لم يدخل عليه المستجير عداء

وإذا ملكت النفس قمت ببرها  ولو أن ما ملكت يداك الشاء

وإذا صحبت رأى الوفاء مجسما  في بردك الأصحاب والخلطاء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته  فجميع عهدك ذمة ووفاء

وإذا قسوت فأنت أم أو أب هاذان في الدنيا هما الرحماء

صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء

Ahmed@Albably.com


في الأحد 27 إبريل-نيسان 2008 04:42:03 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=3659