أعطني مجتمعاً مدنياً اعطك شارعاً عربياً حياً !
دكتور/فيصل القاسم
دكتور/فيصل القاسم

مسكين "الشارع العربي" المزعوم، وأؤكد على صفة مزعوم، لأنه وصف مفروض لشيء غير موجود أصلاً، ليس لأنه يرفض الوجود، بل لأن شروط وجوده معدومة تماماً في العالم العربي، إن لم نقل ممنوعة منعاً باتاً. فكم جلدنا ذلك "الشارع" الافتراضي، وحملنـّاه أكثر مما يتحمل بكثير! كم وصمناه بالخنوع والبلادة واللامبالاة، وهو بريء من كل تلك النعوت الظالمة، لا لشيء إلا لأنه لم يوجد بعد بالمفهوم الديمقراطي! فهو مجرد خرافة.

متى يعي الذين يهجون "الشارع العربي" الخرافي أن وصفه بالشارع وصف خاطئ أصلاً؟ فليس هناك مصطلح "شارع" في العالم إلا عندنا نحن العرب. صحيح أن اللغة الانجليزية مثلاً تحتوي على مصطلح "رجل الشارع"، لكنه ليس للدلالة على قوة الجماهير، بل كمرادف لمصطلح "الإنسان العادي"..

لماذا نتميز إذن نحن عن بقية المجتمعات العالمية باستخدام تعبير "الشارع العربي"؟ لأننا نعيش في مجتمعات شمولية قمعية متخلفة صهرت الجميع في قطيع واحد، ناهيك عن أنها صادرت حتى مصلحة الصرف الصحي، ووضعتها تحت أمرتها، فما بالك بإرادة الشعوب، مع العلم أن تلك الإرادة، في الأحوال الديمقراطية الصحية، يجب ألا تكون واحدة موّحدة، لأن الديمقراطية الشعبية تقوم على التعددية.

وكي نميزه عن الرأي العام، ليس هناك كتلة واحدة صماء اسمها "الشارع"، فالشارع، لو اعتمدنا التعريف العربي، ليس جبهة واحدة متحدة، أو كلاً لا يتجزأ، بل هو عبارة عن حركات، واتجاهات، وتيارات، وأحزاب، واتحادات، ونقابات، وهيئات، ومنظمات (غير حكومية طبعاً). بعبارة أخرى، فإن دمج الجماهير كلها في بوتقة واحدة ووصفها بـ"الشارع" هي لعبة سخيفة من ألاعيب الأنظمة الشمولية الديكتاتورية الاستبدادية التي تقود الدول والمجتمعات العربية، وتتعامل معها كقطعان، أو ككتلة واحدة ذات لون واحد. لماذا؟ لأن تلك الأنظمة لا تؤمن أصلاً إلا بالحزب الواحد، والرأي الواحد، واللون الواحد، والقائد الأوحد. ومن هذا المنطلق فهي لا ترى الجماهير إلا أيضاً قطيعاً واحداً يجب أن يُساق كله بعصا غليظة واحدة.

لماذا يتحرك "الشارع الغربي" بحيوية، ويتظاهر، ويحتج، ويضغط، ويتضامن مع بعض قضايانا العربية أكثر مما يفعل "الشارع العربي"؟ لأن الجماهير الغربية تنتظم في إطار المجتمع المدني الحقيقي الذي يتيح إنشاء الأحزاب والجمعيات والنوادي والاتحادات الحرة والمستقلة عن إرادة الدولة. ولا بد من التأكيد على كلمة "حرة"، فأهم ما يميز المجتمعات المدنية الحية في العالم هو استقلالها التام عن الدول والأنظمة السياسية الحاكمة. لهذا فهي قوة بحد ذاتها، لا بل إنها، حسب وصف البعض لها، القوة الثالثة في العالم لما تتمتع به من قدرة على الحركة والتحرك والتأثير والضغط والتغيير.

بعبارة أخرى فإنه ليس هناك، في النظام الديمقراطي الحقيقي، شيء مجرد اسمه "الشارع"، بل إن ذلك "الشارع" هو حصيلة العمل المدني المتنوع والمتعدد الأشكال والاهتمامات والتوجهات والتيارات والميول والقوى والمنظمات الشعبية الحرة. فعندما يخرج البريطانيون في مظاهرة عارمة مثلاً للضغط على الحكومة لسحب قواتها من العراق لا يخرجون كقطيع مسيّر، كما يحدث في "المسيرات" العربية المسيّرة التي تخرجها إلى الشارع أجهزة الأمن والشرطة، وتفرض عليها الهتافات والصراخ والزعيق المنظم تحت تهديد أخامص البنادق. إن المظاهرات في الدول الديمقراطية التي تسمح بمجتمع مدني حر ومستقل تخرج بتحريض وتنظيم من مكونات المجتمع المدني نفسه، كالأحزاب والنقابات والجمعيات والمنظمات التي تنسق فيما بينها لتنظيم هذه التظاهرة أو تلك أو هذا التحرك أو ذاك، فيخرج الطلبة والعمال والمزارعون والصحفيون والسائقون والفنانون باعتبارهم أعضاء فاعلين نشطاء لهم أهداف وتوجهات خاصة، وليسوا مجرد كتلة بشرية مأجورة، أو مدفوعة للتظاهر دفعاً.

"أين الشارع العربي؟ لماذا لا يهب دفاعاً عن الفلسطينيين والعراقيين والصوماليين؟ أين الملايين، كما تشدو جوليا بطرس؟ فين الشعب"؟ تلك نماذج من الأسئلة البلهاء والسخيفة التي يطلقها البعض مستنهضين الشعوب العربية كلما وقعت مصيبة. والمسألة ليست مسألة استنهاض لشارع خامل، بل مرتبطة بطبيعة النظام السياسي الحاكم. فكما أسلفت، لا يمكن للجماهير أن تهب دفعة واحدة أبداً إلا هلعاً وخوفاً في حالات الكوارث، فلو وقع زلزال مثلاً لرأيت الناس جميعاً يخرجون من منازلهم، لكن ليس دفاعاً عن قضية بل حماية للنفس. أم عملية التظاهر من أجل قضايا ومصالح معيّنة فليست بنفس السهولة والعفوية، بل لها شروطها الخاصة، وفي مقدمتها حرية النشاط والتنظيم المدني. فلا يمكن للشارع أن يخرج هكذا بشكل عشوائي. بعبارة أخرى فلا بد من وجود رأس منظــّم حر متمثل بهذه النقابة أو ذاك الاتحاد أو تلك المنظمة، فهذه التنظيمات الحرة هي التي تجيــّش الشارع المتمثل بأعضائها ومنتسبيها والنشطاء المتضامنين والمتعاطفين، وتحركهم دفاعاً عن هذه القضية أو تلك. وهذا الشرط معدوم إلى حد كبير في النظام الشمولي والاستبدادي العربي ، فقوانين الطوارئ في بعض الدول العربية لا تسمح لخمسة اشخاص أن يتجمعوا في الشارع، حتى لو كانوا يتبادلون النكات فيما بينهم، فما بالك إذا كانوا يرفعون أصواتهم.

وبينما تخرج المظاهرات في الغرب برفقة بضعة أفراد من رجال الشرطة من أجل التنظيم وحماية المتظاهرين، نجد في بعض البلدان العربية أن هناك ثلاثة رجال شرطة لكل متظاهر، وكأن الدول تقول لكل من يحاول أن ينشط مدنياً: فكر ألف مرة كي لا تقع ضحية هراوات رجال شرطتنا "الأشاوس" وبنادقهم القاتلة، فهم يقفون بالمرصاد لكل من يحاول أن يصرخ حتى من أجل الحصول على لقمة الخبز.

كيف نريد من الشعوب العربية أن تتحرك إذن وهي بلا قيادات نقابية واجتماعية وشعبية مستقلة وحرة؟ كيف يتحرك "الشارع'" إذا كانت قياداته "المدنية" المزعومة في عالمنا العربي عبارة عن مجرد أدوات وعتلات وألعوبات في أيدي الحزب الحاكم وأجهزته الأمنية؟ هل تستيطع أي نقابة عربية، إلا ما ندر، أن تخرج في مظاهرة حرة دون أن تأخذ إذناً من الأجهزة الأمنية، أو بالأحرى، فإن الأجهزة هي التي تكون صاحبة المبادرة في إخراج هذه المسيرة أو المظاهرة أو تلك، وما على رؤوساء النقابات والاتحادات والجمعيات والمنظمات سوى إطاعة الأوامر وترديد الشعارات والهتافات المطلوبة. أي أن روح المبادرة مصادرة تماماً لدى قادة المجتمع المدني العربي المزعوم. لماذا؟ لأنه ليس هناك مجتمع مدني عربي حر ومستقل أصلاً، بل هو مجرد صوت النظام الحاكم.

وكم أشعر برغبة شديدة للقهقهة عندما أعلم أن رئيس تلك النقابة أو ذلك الاتحاد في بعض الدول العربية هو معيّن بقرار من الحكومة، أو الرئاسة. فما قيمة العمل الأهلي إذن، إذا كانت تديره أجهزة المخابرات أو السلطة التنفيذية أو القصور الملكية أو الجمهورية؟ ومما يثير الضحك أكثر فأكثر أن بعض الأحزاب العربية الحاكمة تخصص مكتباً حزبياً رفيعاً لإدارة شؤون المنظمات الشعبية والنقابات والاتحادات والجمعيات، إنها نكتة سمجة فعلاً، وكأنها تقول لنا إن المجتمع المدني مملوك لصاحبه «الحزب الحاكم». ويطالبون الشارع بالتحرك!! كيف يتحرك الشارع إذا كانت كل آلياته ومكوناته وقياداته معطلة، أو مصادرة؟ فاقد الشيء لا يعطيه.

ونظراً لغياب المجتمع المدني الحقيقي في عالمنا العربي يجب أن نتوقف فوراً عن جلد "الشارع العربي" المزعوم وكيل التهم والشتائم له. وبانتظار ولادة المجتمع الأهلي الحر، ليس أمامنا كشعوب سوى انفطار القلوب وذرف الدموع على قضايانا المذبوحة. فلو كان لدينا أصلاً مجتمع مدني لتحررت أراضينا المحتلة منذ زمن بعيد، ولما كنا "ملطشة". هل لاحظتم كيف تمكن لبنان من تحرير أرضه بفضل مجتمعه الأهلي الحي المتمثل بحركات المقاومة الشعبية كحزب الله وغيره؟

دعوا المجتمع المدني ينهض، ويستقل، ويعمل بحرية في إطار نظام ديمقراطي حقيقي، وعندها سترون شارعاً عربياً يفيض حيوية ونشاطاً، خاصة وأن قلوب الجماهير تغلي بالألم والغضب على ما يحدث لهذه الأمة من مصائب وكوارث على أيدي حكامها وكفلائهم في البيت الأبيض وغيره، دون أن يكون بمقدورها حتى أن تصرخ في الشوارع العربية.

* مدونة القاسم


في الإثنين 17 مارس - آذار 2008 12:33:08 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=3486